الخميس 26 شعبان 1429     28 أغسطس 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلتقرير جديد للبنك الدولى يقول ان 1.4 مليار شخص فى العالم يعيشون تحت خط الفقر
خبر وتعليق

بعد حريق مجلس الشورى بالقاهرة , يجب
اخلاء القاهرة من الوزارات
تأمين المبانى الهامة
تطوير الدفاع المدنى
اقتراعات سابقة

- سَعِيُدُ بنُ جُبَيْرُ -

 

تُريَ – أُخَيَّ -  ما قصة هذا الرجل العالم الذي ملأ علمه الآفاق والذي قال هو عن نفسه: لأن أنشر علمي أحب إلى من أن أذهب به إلى قبري.

بل وقال الإمام الجليل والصحابي العظيم وحبر هذه الأمة بنُ عباس رضي الله عنه لما أتاه أهل الكوفة يستفتونه قال: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟,!, يعني سعيد بن جبير.. وتدري -  صاحبي - ما حكاية هذا التابعي العابد إمام الناس في الصلاة يُرَجِّع صوته بالقرآن فيمتع الناس ويشجيهم بعذوبة صوته وترنيم قراءته, بل أنه حَدَّثَ أنه قرأ القرآن في ركعتين هناك في أظهر بقعة على وجه الأرض هناك عند الكعبة.

وتعرف - صديقي - من هذا المحدث الفاضل في حضرة أستاذه ومعلمه بن عباس رضي الله عنه وهو الذي أمره أن يحدث.. فقال: أحدث وأنت هاهنا؟, قال: أوليس من نعمة الله علىك أن تحَدِّث وأنا شاهد, فإن أصبت فذاك, وإن أخطأت علمتك؟, إنه سعيد بن جبير, ذلك الفتى الحبشي أصلاً, العربي ولاء - أي تبعاً لا نسباً - والذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: لقد قُتل سعيد بن جبير, وما على الأرض أحدُُ إلا وهو محتاج إلى علمه.. وهاك صوُُر من حياته:

كان فتى وثيق – قوي - الجسم, مكتمل الخلق, متدفقاً حيوية ونشاطاً, وكان إلى ذلك ذكيَّ الفؤاد, حادَّ الفطنة, نزّاعاً إلى المكارم, متأثما من المحارم.. ولم يكن سوادُ لونه, وفلْفَلةُ شعره, وحبشية أصله لتنال من شخصيته المتميزة الفذة وذلك على الرغم من حداثة سنِّه, ولقد أدرك ذلك الفتى أن العلم إنما هو طريقه القويم الذي يوصله إلى الله, وأن التُّقى إنما هي سبيله الممهدة التي تبلغ به الجنة, فجعل التقي في يمينه, والعلم في شماله وشدَّ علىهما يديه كلتيهما, وأنطلق بقطع بهما رحلة الحياة غير وان ولا متمهل.

ومنذ نعومة أظفاره كان الناس يرونه إما عاكفاَ على كتابة يتعلم, أوصافاَّ في محرابه بتعبد ذلكم هو رائعة المسلمين في عصره.. سعيد بن جبير رضي الله عنه وأرضاه.

أخذ الفتى سعيد بن جبير العلم عن طائفة من صحابة النبي صلى الله علىه وسلم الإجلاء من أمثال أبي سعيد الخدرى, وعدي بن حاتم الطائي, وأبي موسى الإشعرى وأبي هريرة الدوسي وعبد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين.. بَيْدَ أن أستاذة الأكبر ومعلمه الأعظم كان عبد الله بن عباس حبَر أمة محمد صلى الله علىه وسلم وبحرَ علمها الذاخر.. لزم سعيد بن جبير عَبد الله بن عباس لزوم الظل لصاحبه.. فأخذ عنه القرآن وتفسيره والحديث وغريبة, وتفقه على يديه في الدين, وتعلم منه التأويل, ودَرَسَ علىه اللغة فتمكَّن منها أعظم التمكن, حتى غدا وما على ظهر الأرض أحدُُ من أهل زمانه إلا وهو محتاج إلى علمه.. ثم طَوَّف في ديار المسلمين بحثاً عن المعرفة ما شاء الله أن يُطَوِّف, فلما اكتمل له ما أراد من العلم أتخذ الكوفة داراً له ومقاماً, وغدا لأهلها معلماً وإماماً.. كان يَؤم الناس في رمضان, فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود, وأخري بقراءة زيد بن ثابت, وثالثة بقراءة غيرهما وهكذا.. وكان إذا صلى منفرداً فربما قرأ القرآن كله في صلاة واحدة, وكان إذا مَّر بقول الله عز وجل: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ* فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ), أو مَّر بنحوها من آيات الوعد والوعيد اقشعر جلده, وتصدع فؤاده, وسالت عيناه, ثم لا يزال يبدأ فيها ويعُيد حتى يوشك أن يموت.. وقد دأب على شد رحاله إلى البيت الحرام كل عام مرتين, مرة في رجب محرما بعُمرة.. وأخرى في ذي القعدة محرماً بحج, وقد كان طلاب العلم وشُدَاة الخير والبر والنصح يتوافدون الكوفة لينهلوا من مناهل سعيد بن جبير المتدفقة العذبة, ويغترفوا من هديه القويم, فهذا يسأل عن الخشية ما هي؟, فيجبيه بقوله: الخشية أن تخشى الله عز وجل حتى تحول خشيته بينك وبين معاصيك.. وذاك يسأل عن الذكر ما هو؟, فيقول: الذكر هو طاعة الله جل وعلا فمن أقبل على الله وإطاعة فقد ذكره ومن أعرض عنه ولم يطعه فليس بذاكر له ولو بات ليلة يسبح ويتلو وقد كانت الكوفة حين أتخذها سعيد بن جبير دار إقامة له - خاضعة للحجاج يومئذ واليا على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر, وكان يتربع حينئذ عل ذروة سطوته وسلطانه, وذلك بعد أن قتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وقضي على حركته, وأخضع العراق لسلطان بني أمية وأخمد الثورات القائمة هنا وهناك وأعمل السيف في رقاب العباد وأشاع الرعب في أرجاء البلاد, حتى امتلأت رهبة منه وخشية من بطشه.

ثم شاء الله أن يقع صدام بين الحجاج وبين عبد الرحمن بن الأشعث أحد كبار قواده, وأن يتحول الصدام إلى فتنة أكلت الأخضر واليابس, وتركت في جسم المسلمين جراحات غائرة و: (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ), وكان من خبر هذه الفتنة أن الحجاج سَيَّر ابن الأشعث بجيش لغزو (رتبيل) مَلك الترك على المناطق الواقعة وراء (سجسْتان), فغزا القائد الباسل المُظَفرَّ شطراً كبيراً من بلاد رتبيل, واحتل حصوناً منيعة من دياره, وغنم مغانم كثيرة من مدنه وقراه.. ثم زف إلى الحجاج رسلا زفوا له بشائر النصر الكبير, وحملوا معهم خُمس الغنائم لتستقر في خزائن  بيت مال المسلمين, وكتب له كتابأً استأذنه فيه بالتوقف عن القتال مدة من الزمن, ليختبر مداخل البلاد ومخارجها, ويقف على طبيعتها وأحوالها وذلك قبل التوغل في شعابها القاصية المجهولة, وتعريض الجيش الظافر للمخاطر فاغتاظ الحجاج منه, وأرسل إليه كتاباً بصفة فيه بالجبن والخنوع, وينذره بالويل والثبور, ويهدده بالتنحية عن قيادة الجيش فجمع عبد الرحمن وجوه الجند, وقادة الكتائب.. وقرا عليهم كتاب الحجاج واستشارهم فيه, فدعوه إلى الخروج عليه, والمبادرة إلى نبذ طاعته, فقال لهم عبد الرحمن: أتبايعونني على ذلك وتؤازرونني على جهاد حتى يطهر الله أرض العراق من رجسه؟, فبايعه الجند على ما دعاهم إليه.

هب عبد الرحمن بن الأشعث بجيشه الممتلئ كراهة للحجاج, ونشبت بينه وبين جيوش ابن الثقفي معارك طاحنة انتصر فيها نصراً مؤزراً فتم له الاستيلاء على سجستان وجُل بلاد فارس, ثم قبل يريد انتزاع الكوفة والبصرة من يدي الحجاج.. وفيما كانت نيران الحرب مشتعلة بين الفريقين, وكان الأشعث ينتقل من ظفر إلى ظفر, وقع للحجاج خَطْبُُ زاد خصمه قوة.. (إن أهل الذمة قد طفقوا يدخلون في الإسلام ليتخلصوا من دفع الجزية, وقد تركوا القرى التي يعلمون فيها واستقروا في المدن, وان الخراج قد اضمحل، وان الجبايات قد أفلست), فكتب الحجاج إلى ولاته في البصرة وغيرها كتباً يأمرهم فيها بأن يجمعوا كل من نزح إلى المدن من أهل الذمة, وان يعيدوهم إلى القرى مهما طال نزوحهم عنها فنفذ الولاة الأمر, وأجلوا أعداداً كبيرة من هؤلاء عن ديارهم, وأبعدوهم عن موارد أرزاقهم, وحشدوهم في أطراف المدن, وأخرجوا معهم نساءهم وأطفالهم ودفعوهم دفعاً إلى الرحيل إلى القرى, بعد  أن مضى على فراقهم لها حين من الدهر فأخذ النساء والولدان والشيوخ يبكون ويستصرخون ويستغيثون: وامحمداه..  وامحمداه.. وحاروا فيما يفعلون وإلى أين يذهبون؟, فخرج إليهم فقهاء البصرة وقُرَّاؤها ليغيثوهم ويشفعوا لهم فلم يتمكنوا من ذلك فطفقوا يبكون لبكائهم ويستغيثون لمصابهم.. اغتنم عبد الرحمن بن الأشعث هذه الفرصة, ودعا الفقهاء والقراء إلى مؤازرته فاستجابت له كوكبة من فضلاء التابعين وأئمة المسلمين, وعلى رأسهم سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلي والشعبي وأبو البحتري وغيرهم.. وغيرهم ودارت رحى الحرب بين الفريقين, وكان النصر فيها أول الأمر لابن الأشعث ومن معه على الحجاج وجنوده ثم بدأت كفة الحجاج ترجع شيئاً فشيئاً حتى هُزم ابن الأشعث هزيمة منكرة, وفر ناجياً بنفسه.. واستسلم جيشه للحجاج وجنوده.

أمر الحجاج مناديه أن ينادي في المقاتلين المنهزمين, وأن يدعوهم لتجديد بيعته فاستجاب أكثرهم له, وتواري بعضهم عنه, وكان بين المتوارين سعيد بن جبير رضي الله عنه فلما أخذ المستسلمون يتقدمون تباعاً لبيعته فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم فلقد جعل يقول للواحد منهم: أتشهد على نفسك بأنك قد كفرت بنقض بيعتك لوالي أمير المؤمنين, فإذا قال: نعم.. قبل منه تجديد بيعته وأطلق سراحه وإلا قتله, فكان بعضهم يخضع له ويقر على نفسه بالكفر لينقذ نفسه من القتل وكان بعضهم يستنكر ذلك  فيدفع رقبته ثمناً  لإبائه واستنكاره.. ولقد ذاعت أخبار تلك المجزرة الرهيبة التي قتل فيها بضعة آلاف من الرجال ونجا منها بضعة آلاف بعد أن أقروا على أنفسهم بالكفر.. من ذلك أن شيخاً معمراً من قبيلة (خثعم) كان معتزلاً للفريقين, مقيماً  وراء الفرات, فسيق إلى الحجاج مع من سبقوا إليه, فلما أدخل  عليه سأله عن حاله؟, فقال: مازلت منذ شبت هذه النار معتزلاً وراء هذا النهر منتظراً ما يسفر عنه القتال فلما ظهرت وظفرت أتيتك مبايعاً.. فقال له: تباً لك.. أتقعد متربصا, ولا تقاتل مع أميرك, ثم زجره قائلا: أتشهد على نفسك بأنك كافر؟, فقال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدتُ الله ثمانين عاماً, ثم أشهد بعد ذلك على نفسي بالكفر.. فقال له: إذن أقتلك.. فقال له: وأن قتلتني.. فو الله ما بقي من عمري إلا ظِمْء حَمِار - أي مده صبره على العطش -  فإنه يشرب غُدْوة, ويموت عشية, وإني لأنتظر الموت صباح مساء، فافعل ما بدا لك.. فقال الحجاج لجلاده: اضرب عنقه, فضرب الجلاد عنقه, فلم يبق أحد في المجلس من شيعة الحجاج أو من عدوه إلا أكبر الشيخ المعمر, ورثي له.. وترحَمَ عليه ولك منا تحية إعزاز وإكبار أيها الشيخ  المعمر على عزك وإبائك, ثمُ قدم إليه رجل كان يكرهه ويشتهي أن يظفر بقتله, لِمَا كان ينُقَل إليه سخريته به, فبادره قائلا: إني أرى أمامي رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر.. فقال الرجل: لا تورطني وتخْدعني عن نفسي, فأنا أكْفَرُ آهل الأرض, وأكفر من فرعون ذي الأوتاد - عياذاً بك اللهم - فخلى سبيله وهو يتحرق ظمأ لقتله.

ذاعت أخبار تلك المهلكة الرهيبة, فأيقن سعيد بن جبير أنه إن وقع بين يدي الحجاج, غدا بين اثنين لا ثالث لهما: فإما أن تدق عنقه.. وإما أن يقُر على نفسه بالكفر, وهما أمران أحلاهما مر, فآثر أن يخرج من بلاد العراق وأن يتواري عن الأنظار.. وظل يضرب في أرض الله الواسعة مستخفيا عن الحجاج و عيونه حتى لجأ إلى قرية صغيرة في أراضي  مكة, وبقي على حالة تلك عشر سنوات كاملات كانت كافية لأن تطفئ نيران الحجاج المتقدة في قلبه ن وأن تزيل ما في نفسه من حقد عليه بيدا أن حدث ما لم يتوقعه أحد ذلك أنه قدم مكة وإلى جديد من ولاة بني أمية  - هو خالد عبد الله القسْري -  فتوجس أصحاب سعيد خيفة منه لما كانواً يعرفون من سوء سيرته, وتوقعوا الشر على يديه فجاء بعضهم إلى سعيد وقالوا له: إن هذا الرجل قدم مكة وإنا والله لأنأ منه عليك فاستجب لطلبنا, واخرج من هذا البلد.. فقال: والله لقد فررت حتى صرت استحي من الله, ولقد عزمت على أن أبقى في مكاني هذا, وليفعل الله بي ما يشاء.

لمُ يكَذَّب خالد سوء الظن الذي ظنه الناس به، فما أن علم بمكان سعيد حتى أرسل إليه سَرَّيةَ من جنوده, وأمرهم أن يسوقوه مقيداً إلى الحجاج في مدنية واسط فأطبق الجند على بيت الشيخ, وألقوا القيد في يديه على مرأى من بعض أصحابه وآذنوه بالرحيل إلى الحجاج, فتلقاهم  هادئ النفس مطمئن القلب, ثم التفت إلى أصحابه وقال: ما أراني إلا مقتولا على يدي ذلك الظالم  ولقد كنت أنا  وصاحبان لي في ليلة عبادة, فاستشعرنا حلاوة الدعاء فدعونا الله بما دعونا, وتضرعنا إليه بما شاء أن يتضرع ثم سألنا الله عز وجل أن يكتب لنا الشهادة, وقد رزقها الله  لصاحبيَّ  كليهما, وبقيت أنا أنتظرها.. ثم إنه ما كاد ينتهي من كلامه حتى خرجت عليه بنية صغيرة له, فرأته مقيداً والجند يسوقونه فتشبثت به وجعلت تبكي فنحاها عنه برفق وقال لها: قولي لأمك يا بنية: إن موعدنا الجنة إن شاء الله تعالى.. ثم مضى, بلغ الجند بالإمام الحبر العابد الزاهد, التقي النقي الورع مدنية واسط وأدخلوه على الحجاج فلما صار عنده نظر إليه في حقد وقال: ما أسمك؟, قال: سعيد بن جبير, فقال: بل شقي بن كسير, فقال: بل كانت أمي أعلم  باسمي منك.. فقال: ما تقول في محمد؟, قال: تعني محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه وعليه؟, قال: نعم, قال: سيد ولد آدم النبي المصطفى خير من بقى والبشر وخير من مضى, حمل الرسالة وأدى الأمانة ونصح لله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم, قال: فما تقول في أبي بكر؟, قال: هو الصّديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب حميداً وعاش سعيداً  ومضى على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم لم يغير ولم يبدل, قال: فما تقول في عمر؟, قال: هو الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل وخيرّه الله, وخيرّه رسوله, ولقد مضى على منهاج صاحبه فعاش حميداً وقتل شهيداً, قال: فما تقول في عثمان؟, قال: هو المجهز لجيش العسرة؛ الحافر بئر رومة المشتري بيتاً لنفسه في الجنة صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم  على ابنتيه, ولقد زوجه النبي بوحي من السماء, وهو المقتول ظلماً, فما تقول: في علي؟, قال: ابن عم رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأول من أسلم من الفتيان, وهو زوج فاطمة البتول وأبو الحسن والحسين سَّيدي شباب أهل الجنة.. قال: فأي خلفاء بني أمية أعجب لك؟, قال: أرضاهم لخالقهم.. قال: فأيهم أرضى للخالق؟, قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم, قال: فما تقول فيَّ؟, قال: أنت أعلم بنفسك, قال: بل أريد علمك أنت, قال: إذن يسوئك ولا يسرك, قال: لابد من أن أسمع منك؟, قال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله تعالى, تُقدْم على أمور تريد بها الهيبة, وهي تقحمك في الهلكة, وتدفعك إلى النار دفعاً, قال: أما والله لاقتلنك, قال: إذن تفسد على ديناي, وافسد عليك أخرتك, قال: اختر لنفسك أي قتلة شئت؟,  قال: بل  اخترها أنت لنفسك  أي قتلة إلا قتلك شئت؟, قال: بل اخترها أنت لنفسك يا حجاج  فو الله ما تقتلني قتلة الله مثلها في الآخرة.. قال: أفتريد أن  أعفو عنك؟, قال: إن كان عفو فمن الله  تعالى, أما أنت  فلا براءة لك ولا عذر, فاغتاظ الحجاج وقال: السيف والنطع يا غلام, فتبسم سعيد, فقال له الحجاج: وما تبسمك؟!,  قال: عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك, فقال: اقتله يا غلام فاستقبل القبلة وقال: وجهّت وجهي للذي فطر السماوات الأرض حنيفاً وما أنا من المشركين.. فقال: أحرفوا وجهه عن القبلة.. فقال: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ), فقال: كبوه على الأرض, فقال: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى), فقال: اذبحوا عدو الله.. فما رأيت رجلا أدعى منه لآيات القرآن فرفع سعيد كفية وقال: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي.. لم يمضي على مصرع سعيد بن جبير غيرُ خمسة عشر يوماً حتى حُمَّ الحجاج واشتدت عليه وطأة المرض, فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى, فإذا غفا غفوة صغيرة استيقظ مذعوراً وهو  يصيح: هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي, هذا سعيد بن جبير يقول: فيم قتلتني؟, ثم يبكي ويقول: مالي ولسعيد ين جبير؟!, ردوا عني سعيد بن جبير.

فلما قضى نحبه وَوُوري التراب, رآه بعضهم في الحُلمْ فقال له: ما فعل الله بك في من قتلتهم يا حجاج؟, فقال: قتلني الله بكل امرئ قتلة واحدة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة.

رحمك الله أيها التابعي العظيم, ورضي الله عنك أيها العالم العابد الزاهد التقي النقي وتقبلك الله عنده من الشهداء: (بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).



عودة الى الذين سبقونا


حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._