|
أبو طلحة الأنصاري 
بقلم أ. عبد العزيز محمود.. اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لأعظم مهمة في حينها أن يكون سفيره إلى المدينة، يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة، ويدخل غيرهم في دين الله، ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم.. حمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه وإخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجا, دبت الحياة في المدينة وأصبح الكل يتناقل الحديث عن مصعب بن عمير الذي استطاع أن يغير من معتقداتهم الباطلة ويحدث تغيراً وانقلابا ً في المدينة....
في هذه الحالة التي تعيشها المدينة ظل سهل بن زيد النجاري المكني بأبي طلحة عاكفاً علي عبادة صنمه الذي اتخذه من نفيس الخشب، وخص به نفسه كما كان يفعل السادة من قومه، وأغلق قلبه على حبه الذي ملئ كل أركانه واستولى على كل كيانه، فهو متيم بحب الرميصاء بنت ملحان النجارية المكناة بأم سليم، فشغله الشاغل أن يسأل عنها وأن يعرف أخبارها، حتى عرف ذات يوم أن الرميصاء قد غدت بلا زوج بعد أن توفى زوجها، فدبت الحياة في قلبه وفرح فرحاً شديداً لهذا الخبر، ولا عجب في ذلك.
وقد كانت أم سليم مطمح كثير من الناس يتمنون أمثالها.. فهي سيدة حاصنة الخلق، رزينة، راجحة العقل، مكتملة الصفات، فعزم العزم على أن يذهب إليها ويطلب يدها قبل أن يسبقه إليها أحد.
كان أبو طلحه علي ثقة من نفسه ويقين من أن أم سليم لن ترفضه ولن تفضل عليه غيره، فهو رجل مكتمل الرجولة، ذو منزلة عالية، يملك من الثروة الكثير، فارس بني النجار، وأحد رماة يثرب المعدودين.
مضى أبو طلحة وبينما هو في طريقه تذكر أن أم سليم قد سمعت من كلام هذا الداعية المكي مصعب بن عمير، فأمنت للنبي صلى الله عليه وسلم الجديد واتبعت دينه، وكأنه لم يحدث نفسه أو تحدثه نفسه يوماً عن هذا الداعية فيسمع منه ويستمع إليه، فهو مشغول بأم سليم ولم يفكر إلا فيها.
لكن ما لبث أن قال في نفسه: (وما في ذلك ؟), ألم يكن زوجها الذي توفى عنها مستمسكاً بدين آبائه معرضاً عن محمد ودعوته؟!, فهدئت نفسه وأطمأن باله لهذا التفكير.
وصل أبو طلحة إلى منزل أم سليم، وأستأذن فأذنت له، وكان ابنها أنس حاضراً، فطلب منها الزواج فقالت: (أن مثلك يا أبا طلحة لا يرد، لكني لا أتزوجك فأنت رجل كافر)، فظن أبو طلحة أن أم سليم تبحث عن سبب لرفضه، وأنها قد رغبت في رجل آخر أكثر منه مالاً وأعز منه قبيلة فقال لها: (والله ما هذا الذي يمنعك مني يا أم سليم)، قالت: (وما الذي يمنعني إذن؟) قال : الذهب والفضة والمال الكثير قالت: (بل أني أشهدك يا أبا طلحة وأشهد الله ورسوله أنك إن أسلمت، رضيت بك زوجاً من غير ذهب ولا فضة، وجعلت إسلامك لي مهرا.ً
وبحس الداعية المؤمنة انتقلت أم سليم من العروس المطلوب يدها إلى الداعية الحصيفة التي لم يشغل بالها سوى دعوتها, فأرادت أم سليم أن تستفيد من الموقف, و تترك الحديد وهو ما زال ساخناً فأتبعت تقول: (ألم تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي صنعته من الخشب, وتعبده من دون الله قد نبت من الأرض؟), قال: (نعم), قالت : (أفلا تشعر بالخجل وأنت تعبد جزع شجره جعلت بعضه لك إلهاً.. بينما جعل غيرك بعضه الأخر وقوداً يستدفئ بناره أو يخبز عليه عجينه، أنك إن أسلمت – يا أبا طلحه – رضيت بك زوجاً ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام).
حديث خرج من القلب، ملئ بالصدق من أم سليم، وصل إلى قلب أبو طلحة، لمس فيه الإخلاص والحرص عليه، فالميزان مختلف، ميزان أم سليم للأمر مختلف عن ميزان أبو طلحة، فالأمر لم يتعلق بالذهب والفضة والمال الكثير، ولكنه متعلق بإسلام نفس وكفى به مهراً، بل لم يعرف الإسلام مهراً أكرم من مهر أبي طلحة لأم سليم, أمام هذا الموقف من أم سليم لم يجد أبو طلحة إلا أن قال : ومن لي بالإسلام ؟ قالت : أنا لك به.
- قال: وكيف؟.
- قالت: تنطق بكلمة الحق وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
- ثم تذهب إلي بيتك فتحطم صنمك وتتخلص منه.
فسر أبي طلحة وظهر البشر والبشاشة علي وجهه وقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، ثم تزوج من أم سليم ، فكان المسلمون يقولون: ما سمعنا بمهر كان أكرم من مهر أم سليم ، فقد جعلت صداقها الإسلام).
ومنذ ذلك اليوم الذي لن ينسي في حياة أبو طلحة أنضم أبو طلحة إلى قافلة النور والهداية، وأصبح تحت لواء الإسلام واضعاً كل طاقاته وكل ما يملك في خدمته.
فكان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية وكان معه صاحبة الفضل الذي لن ينساه أبداً زوجه أم سليم، بل كان أحد النقباء للإثنى عشر الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسلمي يثرب.
أبلى أبو طلحة عظيم البلاء وأشرفه وأعزه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد معه كل مغازيه.. ولم يتخلف يوماً، فقد ملئ قلبه واستولى على كل كيانه حب رسول الله وأحبه حباً خالط أعماق قلبه، وجرى مجري الدم من عروقه، فكان لا يشبع من النظر إليه، ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه، فلم يبخل بنفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً.
وكان من أعظم أيامه يوم أحد حين شاع خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم فخارت عزائم كثير من الصحابة الذين لم يكونوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانهارت معنوياتهم، ووقع داخل صفوفهم ارتباك شديد وعمت الفوضى, والاضطراب, وتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحرج ساعة في حياته, فنفذ إليه المشركون من كل جانب، فكسروا رباعيته, وشجو جبينه, وجرحوا شفته، وأسالوا الدم على وجهه صلى الله عليه وسلم، عند إذ قام أبو طلحة كالطود الراسخ يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي بقوسه وسهمه التي لا تخطي.. وجعل يزود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرمي جنود المشركين واحد وراء واحد، ويقول نحري دون نحرك يا رسول الله وجعلت فداك.
وكان الرجل من جند المسلمين يمر برسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً ومعه كيس السهام فينادي عليه النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: (أنثر سهامك بين يدي أبي طلحة ولا تمضي بها هارباً).
وما زال أبو طلحة يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كسر ثلاث أقواس وقتل ما شاء أن يقتل من جنود المشركين.
تميز أبو طلحة بخصال عدة ، فكما كان جواد بنفسه في سبيل الله في ساعات الشدة والبأس، فكان أكثر جواداً بماله في مواقف البذل والعطاء، كان له بستان من نخيل وأعناب من أجمل وأفضل بساتين يثرب، وذات يوم كان أبو طلحة يصلي في بستانه هذا، فأثار انتباهه طائر يغرد فوق أشجار البستان فأعجبه منظره وسبح بفكره معه، ثم ما لبث أن رجع إلى نفسه، فقد أنشغل بالطائر عن الصلاة فهو لا يدري كم صلى، فما أن فرغ من صلاته حتى ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكي له نفسه التي غلبت عليه وصرفته عن الصلاة بالانشغال بالبستان ثم قال: (أشهدك يا رسول الله أني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى فضعه حيث تشاء).
عاش أبو طلحة حياته مجاهداً منفقا في سبيل الله.. لا يألو جهداً ولا يدخر وسعاً في سبيل الله، ومما يؤثر عنه أنه كان صائما ً قائماً لله تعالى حتى أنه ظل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين عاماً صائماً لم يفطر إلا في أيام الأعياد.
ولقد امتدت به الحياة حتى أصبح شيخاً كبيراً أصابته الشيخوخة والوهن, لكنها لم تحول دونه ودون مواصلة الجهاد في سبيل الله والضرب في الأرض لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه.
وفي خلافة عثمان رضي الله عنه عزم المسلمين على غزوة في البحر فأخذ أبو طلحة يستعد ويتأهب للخروج مع جيش المسلمين، فقال له أبنائه: لقد سرت شيخاً كبيراً وقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فهل ركنت إلى الراحة وتركتنا نغزو عنك.
فقال: (إن الله عز وجل قد استنفرناً جميعاً شيوخاً وشباباً), فقال: (أنفروا خفافاً وثقالاً)، ولم يستطع أبنائه أن يمنعوه من الخروج للجهاد والقتال، وبينما كان الشيخ أبو طلحة علي ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر إذ به يمرض مرضا ً شديداً لم يشفي منه حتى أتته المنية, وفارق الحياة, وعبثاً حاول المسلمون أن يبحثوا له عن جزيرة ليدفنوه فيها فلم يعثروا على شيء إلا بعد سبعة أيام, وجسد الصحابي الجليل أبو طلحة بينهم لم يتغير فيه شيء ولم يخرج له رائحة كأنه نائم وفي عرض البحر وبعيداً عن الأهل والوطن دفن أبو طلحة ليلقى ربه فيسأله فيجيب قد خرجت مجاهداً في سبيلك.
وختاما ً أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يلحقنا بركب الصحابة والتابعين وإلى لقاء آخر مع صحابي جليل أستودعكم الله.
| الإسم | حازم دقس |
| عنوان التعليق | شكر وتصحيح |
| الأستاذ عبد العزيز محمود جزاك الله الخير ، ولتعميم الفائدة نذكر أن أبا طلحة الأنصاري هو : زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن مالك بن النجار، وليس سهل بن زيد كما ذكرتم في بداية مقالكم ، وبخصوص إسلامه فلقد تأخر عن العقبتين الأولى والثانية ، وعلى ذلك فهو ليس من النقباء الاثني عشر كما ذكرتم ، وبخصوص من ذاد عن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى شلت أصبعه هو الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله التيمي المكي ، وليس أبو طلحة الأنصاري 0000ولكم الشكر |
عودة الى الذين سبقونا
|