English السبت 11 رجب 1430     4 يوليو 2009
البحث التفصيلي
التفاصيل" مسلسل هروب الأزواج من زوجاتهم "
خبر وتعليق

حوار وتوافق حماس و فتح في ظل الظروف الحالية
ممكن
غير ممكن
ممكن ولكن لن يدوم
اقتراعات سابقة

- سعيد بن المسيب -

(أبو محمد القرشي المخزومي)

 

عليوة الشافعى - عبد العزيز محمود

ولسنتين خلتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه استقبلت المدينة المنورة مولوداً جديداً أشرقت شمسه على أرجائها وأثار جنباتها وليكون فيما بعد علماً من أعلامها، ونجماً زاهراً من نجومها يهدى الناس إلى الحق وإلى طريق الله المستقيم, وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصدر المجالس ويمتع الناس بحديثه العذب، وكلامه الرقراق ، فيا ترى من هو هذا؟

·   من هذا الذي نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره، وسمع من عثمان وعلي وصهيب وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأفذاذ الأخيار؟

·     من هذا الذي أفتى والصحابة أحياء, كما ذكر المؤرخون؟

·     من هذا العابد قوام الليل صوام النهار، والزاهد في الدنيا رغم غناه وكثرة الأموال في يديه؟

نعم أنه سعيد بن المسيب التابعي الجليل رحمه الله رحمة واسعة.

ويا لأدبه مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فكم كان معظماً لحديثه يوم أن جاءه رجل يسأله عن حديث وكان سعيد مريضاً، ومضطجعاً لشدة المرض فجلس فحدثه ثم اضطجع، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعن، فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع.

·   عقد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان العزم على حج بيت الله الحرام، وزيارة ثاني الحرمين الشريفين (مسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم بالمدينة) والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فلما أقبل شهر ذي القعدة، أعد الخليفة ركائبه وتوجه إلى أرض الحجاز يصحبه السادة الأماجد من أفراد بني أمية، ونفر من كبار رجال دولته، وبعض أولاده.

·   ومضى الركب في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة، من غير بطء ولا عجل فكانوا كلما نزلوا نصبت لهم الخيام وفرشت لهم الفرش وعقدت لهم مجالس العلم والتذكرة ليزدادوا تفقها في الدين. ويتعهدوا قلوبهم ونفوسهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

·   ولما بلغ الخليفة المدينة المنورة قصد حرمها الشريف، وتشرف بالسلام على ساكنها محمد صلى الله عليه وسلم في الروضة المطهرة الغراء، فذاق من برد الراحة وسلام النفس ما لم يذق مثلهما من قبل، وعزم على أن يطيل إقامته في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

·   وكان من أشد ما استأثر باهتمامه, ولفت انتباهه في المدينة المنورة حلقات العلم التي كانت تعمر المسجد النبوي الشريف، ويتألق فيها العلماء الأفذاذ من كبار التابعين كما تتألق النجوم المتلألئة في كبد السماء، فهذه حلقة عروة بن الزبير, وهذه حلقة سعيد بن المسيب, وتلك حلقة عبد الله بن عتبة.

·   وفي ذات يوم صحا الخليفة من قيلولته في وقت كان لا يصحو فيه عادة فنادى حاجبه وقال: يا ميسرة, قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: امضي إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وادع لنا أحد العلماء ليحدثنا, مضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف وأحال نظره فيه فلم ير غير حلقة واحدة توسطها شيخ زاد على الستين من عمره، فيه بساطة العلماء، وعليه هيبتهم ووقارهم، فوقف غير بعيد من الحلقة، وأشار للشيخ بأصبعه, فلم يلتفت إليه الشيخ ولم يأبه له، فاقترب منه وقال: ألم تر أنى أشير إليك؟!, قال: إلي أنا ؟!!

قال: نعم, قال: وما حاجتك؟, قال: استيقظ أمير المؤمنين .. وقال: امضي إلى المسجد وانظر هل ترى أحداً من حداثي فأتني به. فقال له الشيخ: ما أنا من حداثه, فقال له ميسرة: ولكنه يبغي محدثاً يحدثه. فقال الشيخ: من يبغي شيئاً يأتي إليه، وإن في حلقة المسجد متسعاً له إذا كان راغباً في ذلك، والحديث يؤتى إليه ولكنه لا يأتي, فعاد الحاجب أدراجه وقال للخليفة: ما وجدت أحداً في المسجد غير شيخ أشرت إليه فلم يقم، فدنوت منه وقلت: إن أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت وقال لي: انظر هل ترى أحداً من حداثي في المسجد فادعه لي فقال لي في هدوء وحزم: إننى لست من حداثه، وإن في حلقة المسجد متسعاً له إذا كان راغباً في الحديث. فتنهد عبد الملك بن مروان، وهب قائماً واتجه إلى داخل المنزل وهو يقول: ذلك سعيد بن المسيب، ليتك لم تأته ولم تكلمه فلما ابتعد عن المجلس وصار في الداخل، التفت أصغر أولاد عبد الملك إلى أخ له أكبر منه وقال: (من هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين ويستكبر على المثول بين يديه وحضور مجلسه، وقد دانت له الدنيا وخضعت لهيبته ملوك الروم) فقال الأخ الأكبر: (ذاك الذي خطب أمير المؤمنين بنته لأخيك الوليد، فأبى أن يزوجها منه) فقال الأخ الأصغر: (أبى أن يزوجها من الوليد بن عبد الملك؟! وهل كان يروم لها بعلاً أسمى من ولي عهد أمير المؤمنين؟! وخليفة المسلمين من بعده), فسكت الأخ الأكبر ولم يجبه بشئ: فقال الأخ الأصغر: (إذا كان قد ضنّ بابنته على ولي عهد أمير المؤمنين، فهل وجد لها الكفء الذي يليق بها؟, أم إنه حال دونها ودون الزواج كما يفعل بعض الناس، وتركها قعيدة بيت) فقال له أخوه الأكبر: (الحق أنني لا أعرف شيئاً من خبرها وخبره معها) فالتفت إليه أحد الجلاس من أبناء المدينة وقال: (إذا أذن لي الأمير قصصت عليه خبرها كله فقد تزوجت فتى من فتيان حينا يقال له: أبو وداعة, وهو جارنا ملاصق لنا، ولزواجه منها قصة طريفة رواها بنفسه, فقالا له الأخوان: هاتها, فقال الرجل: حدثني أبو وداعة، قال: كنت كما تعلم ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً للعلم، وكنت أدوام على حلقة سعيد بن المسيب، وأزاحم الناس عليها بالمناكب, فتغيبت عن حلقة الشيخ أياماً فتفقدني وظن أن بي مرضاً أو عرض لي عارض، فسأل عني من حوله، فلم يجد عند أحد منهم خبراً، فلما عدت إليه بعد أيام .. حياني ورحب بي وقال: أين كنت يا أبا وداعة؟, فقلت: توفيت زوجتي فاشتغلت بأمرها، فقال: هلا أخبرتنا يا أبا وداعة فنواسيك، ونشهد جنازتها معك ونعينك على ما أنت فيه، فقلت: جزاك الله خيراً, وهممت أن أقوم، فاستبقاني حتى انصرف جميع الناس ثم قال لي: أما فكرت في استحداث زوجة لك يا أبا وداعة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني ابنته وأنا شاب نشأ يتيماً وعاش فقيراً فأنا لا أملك غير درهمين أو ثلاثة دراهم, فقال: أنا أزوجك ابنتي .. فانعقد لساني وقلت: أنت؟!!، أتزوجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت؟ فقال: نعم، فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوجناه، وأنت عندنا مرضي الدين والخلق, ثم التفت إلى من كان قريباً منا وناداهم، فلما أقبلوا عليه وصاروا عنده حمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه وعقد لي على ابنته، وجعل مهرها درهمين اثنين، فقمت وأنا لا أدرى ما أقول من الدهشة والفرح، ثم قصدت بيتي وكنت يومئذ صائماً، فنسيت صومي وجعلت أقول: ويحك يا أبا وداعة، ما الذي صنعت بنفسك؟ ممن تستدين؟ وممن تطلب المال؟ وظللت على حالي هذه حتى أذان المغرب فأديت المكتوبة وجلست إلى فطوري، وكان خبزاً وزيتاً، فما أن تناولت منه لقمة أو لقمتين حتى سمعت الباب يقرع .. فقلت: من الطارق؟, فقال: سعيد .. فوالله لقد مر بخاطري كل إنسان اسمه سعيد أعرفه إلا سعيد بن المسيب .. ذلك لأنه لم ير منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، ففتحت الباب، فإذا بي أمام سعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له في أمر زواجي شيء، وقلت له: يا أبا محمد؟! هلا أرسلت إلي فآتيك، فقال: بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم، فقلت: تفضل علي, فقال: كلا، وإنما جئت لأمر، فقلت: وما هو يرحمك الله؟, فقال: إن ابنتي أصبحت زوجة لك بشرع الله منذ الغداة، وأنا أعلم أنه ليس معك أحد  يؤنس وحشتك، فكرهت أن تبيت أنت في مكان وزوجتك في مكان آخر، فجئتك بها .. فقلت: ويحي .. جئتني بها؟!، فقال: نعم, فنظرت فإذا هى قائمة بطولها .. فالتفت إليها وقال: ادخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله وبركته, فلما أرادت أن تخطو، تعثرت بملاءتها من الحياء حتى كادت تسقط على الأرض أما أنا فقد وقفت أمامها مشدوها لا أدري ما أقول.

ثم أنى بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت فنحيتها من ضوء السراج حتى لا تراها، ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران فأقبلوا علي وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد، وقد جاءني بها الآن على غفلة، فتعالوا آنسوها حتى أدعوا أمي، فهى بعيدة الدار فقالت عجوز منهن: ويحك أتدري ما تقول؟! .. أزوجك سعيد بن المسيب ابنته وحملها لك إلى البيت بنفسه؟! .. وها هي ذي عندي في بيتي فهلموا إليها وانظروها, فتوجه الجيران إلى البيت وهم لا يكادون يصدقونني ورحبوا بها وآنسوا وحشتها, وما هو إلا قليل حتى جاءت أمي، فلما رأتها التفتت إلي وقالت: وجهي من وجهها حرام إن لم تتركها لي حتى أصلح شأنها، ثم أزفها إليك كما تزف كرائم النساء. فقلت: أنت وما تريدين, فضمتها إليها ثلاثة أيام، ثم زفتها إليّ، فإذا هي من أبهى نساء المدينة جمالاً، وأحفظ الناس لكتاب الله عز وجل، وأرواهم لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعرف النساء بحقوق الزوج, فمكثت معها أياماً لا يزورني أبوها أو أحد من أهلها، ثم أنى أتيت حلقة الشيخ في المسجد، فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني فلما انفض المجلس ولم يبق غيري قال: ما حال زوجك يا أبا وداعة؟ فقلت: هي على ما يحب الصديق ويكره العدو. فقال: الحمد لله, فلما عدت إلى بيتي، وجدته قد وجه إلينا مبلغاً وفيراً من المال لنستعين به على حياتنا, فقال ابن عبد الملك: عجيب أمر هذا الرجل, فقال له رجل من أهل المدينة: وما وجه العجب فيه أيها الأمير؟ إنه امرؤ جعل دنياه مطية لأخراه، واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية، فوالله إنه ما ضنّ على ابن أمير المؤمنين بابنته ولا أراه غير كفء لها، وإنما خاف عليها فتنة الدنيا, ولقد سأله بعض أصحابه فقال: أترد خطبة أمير المؤمنين، وتزوج ابنتك من رجل من عامة المسلمين؟! فقال: ما ظنكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أمية، وتقلبت بين رياشها وأثاثها، وقام الخدم والحشم والجواري بين يديها، وعن يمينها وعن شمالها، ثم وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة؟ أين يصبح دينها يومئذ؟, فقال رجل من أهل الشام: يبدو أن صاحبكم طراز فريد من الناس. فقال الرجل المدني: والله ما عدوت الحق أبداً، فهو صوام نهار، قوام ليل, حج نحواً من أربعين حجة، وما فاتته التكبيرة الأولى في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعين عاماً، ولا أعرف عنه أنه نظر في قفا رجل في الصلاة خلال ذلك أبداً (لمحافظته على الصف الأول).

·   وقد كان في وسعه أن يتزوج بمن يشاء من نساء قريش، فآثر بنت أبى هريرة عن سائر النساء، وذلك لمنزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعة روايته لحديثه، وشدة رغبته في الأخذ عنه.

·     ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومه أظفاره.

·     فدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتأثر بهن.

·     وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

·     وسمع من عثمان وعلي وصهيب وغيرهم من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

·     وتخلق بأخلاقهم ، وتحلى بشمائلهم.

ذلكم طرفا من قصة التابعي الجليل سعيد بن المسيب، الذي كان وبحق طرازاً فريداً من الناس، العالم الفقيه المفتي في حضرة الصحابة الكرام، صوام النهار قوام الليل، أتته الدنيا وهي راغمة فزهد فيها وجعلها في يديه ولم يجعلها في قلبه وجعلها قنطرته إلى الآخرة وهو يقول: (اللهم إنك تعلم أنني لم أمسك المال بخلاً ولا حرصاً عليه ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بن مروان حتى ألقى الله فيحكم فيّ وفيهم، وأصل فيه رحمي وأؤدي منه التي فيه وأعود منه على الأرملة والفقير واليتيم والمسكين والجار).

لله درك يا سعيد ما هذا الفهم الراقي لمقصود هذا الدين العظيم من الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة! إنك تسمو بنا إلى فهم هدف هذا الدين العظيم وغايته المثلى التى هي (عمارة الآخرة بعمارة الدين والدنيا), ليس هذا فحسب ولكنك أيضاً أرسيت لنا قاعدة من القواعد العظمى ألاّ وهى أن نزن الناس بحسناتهم وسيئاتهم فقلت بكلامك الرقراق الذي يكتب بمداد الذهب: (إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله).

ألا فليتعلم الناس, كل الناس, هذه الدروس العظيمة من هذا الإمام العظيم الذي قضى حياته نحواً من أربع وثمانين عاماً كلها فى خدمة الدين والتقرب إلى الله رب العالمين فأعلى الله ذكره ومد في أثره رحمه الله برحمته الواسعة.



عودة الى الذين سبقونا

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._