رمضان شهر البطولات.. موقعة نهاوند 21 هـ بقلم/ سمير العركي
لم يكن رمضان شهر الصيام والعبادة وفقط.. ولكن رمضان كان فوق كل ذلك شهراً للبطولات والانتصارات.. سطرها رجال لم يمنعهم العطش والجوع من تسجيل أسمائهم بأحرف من نور في سجل المجاهدين.
تحملوا آلام الجوع والعطش من أجل فتح البلدان وتحرير الشعوب.. فكان الأجر مضاعفاً بمضاعفة التعب والمشقة.
وما كان لنا أن ندع رمضان يمر علينا دون التعرض لتلك النفحات الإيمانية وللسير المرضية فكانت هذه السلسلة لأشهر المعارك التي وقعت في شهر رمضان.
ونحن اليوم بإذن الله على موعد مع موقعة كان لها ما بعدها.. ولشدة تأثيرها سميت بـ "فتح الفتوح" إنها موقعة نهاوند.. فماذا حدث في ذلك اليوم العظيم؟.
يحدثنا السائب بن الأقرع ويقول: زحف للمسلمين زحف لم يُرَ مثله قط، رجف له أهل ماه و أصبهان و همذان و الري وقومس ونهاوند وأذريبجان.. قال: فبلغ ذلك عمر فشاور المسلمين.
فقال علي رضي الله عنه: أنت أفضلنا رأياً و أعلمنا بأهلك.
فقال: لأستعملن على الناس رجلاً يكون لأول أسنّة يلقاها،-أي أول من يتلقى الرماح بصدره، كناية عن شجاعته- ياسائب اذهب بكتابي هذا إلى النعمان بن مُقرِّن.. فليسر بثلثي أهل الكوفة.. وليبعث إلى أهل البصرة، و أنت على ما أصابوا من غنيمة.. فإن قُتل النعمان فحذيفة الأمير.. فإن قُتل حذيفة فجرير بن عبد الله، فإن قُتل ذلك الجيش فلا أراك.
وكأن عمر - رضي الله عنه – قد ألقى الله في روعه أن النعمان سيسقط في ذلك اليوم شهيداً.
وبدأ الفرس يستعدون لهذا اليوم المشهود.. فقد جمعوا للمسلمين جموعاً عظيمة وانكسار تلك الجموع يعني أنه لن تقوم لهم قائمة بعد نهاوند.
فجاءوا بحسك الحديد – مثل الشوك يكون من الحديد – حول مدينة نهاوند.
فبعث النعمان عيوناً فساروا لا يعلمون بالحسك (أي الشوك الحديدي)، فزجر بعضهم فرسه فدخلت في يده حسكة.. فلم يبرح الفرس مكانه.. فنزل صاحبه ونظر في يده فإذا في حافره حسكة.. فعاد وأخبر النعمان بالخبر.
فاستشار جيشه فقال: ما ترون؟ فقالوا: انتقل من منزلك هذا حتى يروا أنك هارب منهم، فيخرجوا في طلبك.
فانتقل النعمان من منزله ذلك.. وكنست الأعاجم الحسك فخرجوا في طلبه.. فرجع النعمان ومن معه عليهم.
وقد عبأ الكتائب ونظم جيشه وعدده ثلاثون ألفاً.. وجعل على مقدمة الجيش نعيم بن مقرن.. وعلى المجنبتين: حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن.. وعلى المجردة القعقاع بن عمرو.. وعلى الساقة مجاشع بن مسعود.
ونظم الفرس قواتهم تحت إمرة (الفيرزان)، وعلى مجنبتيه (الزردق) و(بهمن جاذويه) الذي ترك مكانه لـ( ذي الحاجب).
أنشب النعمان القتال يوم الأربعاء.. ودام على شكل مناوشات حادة إلى يوم الخميس.. والحرب سجال بين الفريقين.. وكان الفرس خلالها في خنادق لا يخرجون للقتال.
وخشي المسلمون أن يطول الأمر فاستشار النعمان أصحابه.. فتكلم قوم فردت آراؤهم.. ثم تكلم طليحة فقال: أرى أن تبعث خيلاً مؤدبة، فيحيطوا بهم.. ثم يرموا لينشبوا القتال ويغضبوهم حتى يخرجوا من خنادقهم للقتال.. فإذا أغضبوهم واختلطوا بهم وأرادوا الخروج انضموا إلينا استطراداً – أي خديعة.. وأقر الجميع هذا الرأي.
فأمر النعمان القعقاع أن ينشب القتال فأنشبه.. فخرج الفرس من خنادقهم.. فلما خرجوا نكص القعقاع بجنده، ثم نكص ثم نكص، وخرج الفرس جميعاً فلم يبق أحد إلا حرس الأبواب، حتى انضم القعقاع إلى الناس، والنعمان والمسلمون على تعبئتهم في يوم جمعة في صدر النهار.
وأقبل الفرس على الناس يرمونهم حتى أفشوا فيه الجراحات، والمسلمون يطلبون من النعمان الإذن بالقتال، وبقي النعمان يطلب منهم الصبر.. فلما جاء الزوال وتفيأت الأفياء (أي ألقت الأشجار بظلالها) وهبت الرياح أمر بالقتال.. كل ذلك إحياء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يختار هذا الوقت للقتال.. وعندئذ ركب فرسه وبدأ يحرض المسلمين على القتال، ثم قال: فإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، وإن قتل فلان.. وعد سبعة.
وكبر النعمان التكبيرة الأولى ثم الثانية، ثم قال: اللهم اعزز دينك وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك.. اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام، أمنوا رحمكم الله.. فبكى الناس.
فقد كان رحمه الله يتوق للقاء ربه وهو مجندل في دمائه..
وكبر النعمان التكبيرة الثالثة.. وبدأ القتال.
وأثناء تقدم القائد بدأ الفرس يتركون الساحة وزلق بالقائد فرسه من كثرة الدماء في أرض المعركة فصرع بين سنابك الخيل، وجاءه سهم في جنبه، فرآه أخوه نعيم فسجاه بثوب.
وأخذ الراية قبل أن تقع وناولها حذيفة بن اليمان فأخذها، وقال المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننتظر ما يصنع الله فينا وفيهم؛ لئلا يهن الناس.
ولما زلق فرس النعمان به لمحه معقل بن يسار فجاءه بقليل من الماء، فغسل عن وجهه التراب، فقال النعمان: من أنت قال: أنا معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم، قال: الحمد لله اكتبوا بذلك إلى عمر.. وفاضت روحه.
ولما أظلم الليل انهزم الفرس وهربوا دون قصد فوقعوا في واد.. فكان واحدهم يقع فيقع معه ستة، فمات في هذه المعركة مائة ألف أو يزيد، قتل في الوادي فقط ثمانون ألفاً، وقتل ذو الحاجب، وهرب الفيرزان، وعلم بهربه القعقاع فتبعه هو ونعيم بن مقرن.. فأدركاه في واد ضيق فيه قافلة كبيرة من بغال وحمير محملة عسلاً ذاهبة إلى كسرى، فلم يجد طريقاً فنزل عن دابته وصعد في الجبل ليختفي، فتبعه القعقاع راجلاً فقتله.
وحزن المسلمون على موت أميرهم وبايعوا بعد المعركة أميرهم الجديد حذيفة، ودخلوا نهاوند عام 21هـ في رمضان بعد أن فتحوها.
وكان المسلمون على مستوى المسئولية بعد استشهاد أميرهم.. فها هو نعيم بن مقرن- رضي الله عنه-، يسارع إلى حملها، وسلمها إلى حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه-، وأخفي نبأ استشهاد النعمان عن جنده لئلا يفت في عضدهم.. وقد كانوا يكنون له صادق الحب، وتسلم حذيفة الراية.. وكان عمر- رضي الله عنه- قد عينه في القيادة خلفا للنعمان في حال استشهاده، ليقود المسلمين خلفا للقائد الشهيد.
وبعد أن انقشع غبار المعركة بانتصار المسلمين وانطلق البشير يحمل البشرى إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-
قال: ابشر يا أمير المؤمنين، بفتح أعزَّ الله به الإسلام، وأذل به الكفر وأهله.
فحمد عمر الله عز وجل، ثم قال: آلنعمانْ بعثك؟.
قال البشير: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين.. فبكى عمر واسترجع وقال: ومن ويحك؟
قال البشير: فلان وفلان… وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم.
فبكى عمر وقال: لا يضرهم ألا يعرفهم عمر ولكن الله يعرفهم.. وقد أكرمهم الله بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر؟
نعم ما ضرهم ألا يعرفهم أحد ولكن الله الذي خلقهم هو أعلم بهم وأدرى بما قدموه وما بذلوه من أجل خدمة الإسلام.
فالله – تعالى – يعرفهم ويعرف مواطن بذلهم وعطائهم.. وكم من إخوة لنا عاشوا يعطون بلا مقابل ويجودون بدون انتظار الذكر في الدنيا.. ثم رحلوا عنا في صمت.
والآن قد لا يعرفهم أحد.. ولا يتذكرهم أحد.. ولكن الله يعرفهم .. وهذا يكفيهم.
| الإسم | أسامة |
| عنوان التعليق | هؤلاء هم الرجال حقا |
| بارك الله فيك أستاذ سمير .... تاريخ مجيد لصحابة كرام ....
(( لا يضرهم ألا يعرفهم عمر ولكن الله يعرفهم.. وقد أكرمهم الله بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر؟))
أولئك هم الرجال حقا ’ اللهم احشرنا في زمرتهم !!
|
| الإسم | ياسر سعد |
| عنوان التعليق | رد العدوان |
| وجاء الإسلام بتحريم العدوان بين الأفراد والأمم ; وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ; ( البقرة 190 ) ..
ولقد اعتدى على المسلمين كفار قريش ثم الفرس والروم فقد كانت دولة الفرس والروم تستبيحان الأرض , فالأرض لمن تغلب عليها وكانوا يرون أنهم أقوى قوتين وكان من العرب من يتبع الفرس و أيضا من يتبع الروم , وكانوا يغيرون على المسلمين فما قاتل المسلمون إلا ردا للعدوان .
|
| الإسم | osama |
| عنوان التعليق | السلام عليكم |
| جزاك الله خيرا أستاذ سمير على هذه التذكرة العظيمة |
عودة الى الذين سبقونا
|