الخميس 26 شعبان 1429     28 أغسطس 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلتقرير جديد للبنك الدولى يقول ان 1.4 مليار شخص فى العالم يعيشون تحت خط الفقر
خبر وتعليق

بعد حريق مجلس الشورى بالقاهرة , يجب
اخلاء القاهرة من الوزارات
تأمين المبانى الهامة
تطوير الدفاع المدنى
اقتراعات سابقة

عالم وطاغية " سعيد بن جبير والحجاج بن يوسف "

بقلم/هشام النجار

إذا أردنا التعريف ، فكلاهما غنى عن أن يعرف ، فمن منا لا يعرف سعيد بن جبير ، الإمام ، التابعي ، المفسر ، المحدث ، الفقيه ، يقول عنه الإمام النووي فى كتابه القيم " تهذيب الأسماء واللغات " : هو سعيد بن جبير بن هشام وينسب الى بني والبة من بني أسد نسبة ولاء ، فهو مولى لهم ، وواليه هو ابن الحارث بن ثعلبة بن داودان ، وهم بطن من بني أسد ، وأسد هو إبن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر ، ولد رحمه الله سنة 45 هجرية ، واستشهد سنة 95 هجرية ، ويقول أيضا عنه فى نفس الكتاب " وكان سعيد من كبار أئمة التابعين ومتقدميهم فى التفسير والحديث والفقه والعبادة والورع وغيرها من صفات أهل الخير " ، ويقول عنه الإمام الذهبي فى " سير أعلام النبلاء " : " سعيد بن جبير ، الإمام ، الحافظ ، المقرئ المفسر الشهيد " ، ويقول أيضا عنه : " وكان من كبار العلماء الزهاد وكان ابن عباس رضي الله عنه يعظمه " ، ويقول عنه ابن حبان فى " الثقات " : " كان فقيها ، عابدا ، ورعا " .....

...، وعن عبادته يروى عبدالله بن مسلم بن هرمز عن حال صلاته فيقول : " وما رأيته يصلى الا كأنه وتد " ، ويقول القاسم ابن أبى أيوب : " كان سعيد بن جبير يبكى بالليل حتى عمش " ، ويروى أبو نعيم فى الحلية بسنده عن سعيد بن عبيد قال : " كان سعيد بن جبير إذا أتى على هذه الآية : " فسوف يعلمون إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون فى الحميم " رجع فيها ورددها ببكاء ونحيب ، ..... وفى زهده وورعه رويت قصص كثيرة ، منها ما حكاه بكير بن عتيق ، قال : " أتيت سعيد بن جبير بقدح فيه شربة عسل ، فشربه ثم قال : لأسألن عن هذه ، قلت : لما ؟ قال : أنى شربت واستلذذت به ، والله جل وعلا يقول : " ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم "

..، أما عن علمه ، فيقول عنه تلميذه خصيف : " كان أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب ، وبالحج عطاء وبالحلال والحرام طاووس وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد جبر ، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير " ، وذهب الى ذلك أيضا على ابن المدينى فقد قدمه على مجاهد وطاووس وذكر بأنه أعلم تلاميذ عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، وليس أدل على تقدمه وعلو منزلته ورسوخ قدمه فى العلم من شهادة عبد الله ابن عباس رضي الله عنه له ، فقد كان أهل الكوفة إذا حجوا وسألوه ، قال لهم : " أليس فيكم سعيد بن جبير ؟ "

وكان سعيد رحمه الله الى جانب مكانته العلمية وتحديثه وفقهه وورعه وتقواه ، مستجاب الدعوة ، من ذلك ما يرويه أبو نعيم فى حلية الأولياء بسنده عن أصبغ بن زيد قال : " كان لسعيد بن جبير ديك ، يقوم الى الصلاة إذا صاح ، فلم يصح ليلة من الليالي ، فأصبح سعيد ولم يصلى ، فشق ذلك عليه ، فقال سعيد : ما له قطع الله صوته ، فما سمع ذلك الديك يصيح بعدها ، فقالت له أمه : أى بني لا تدع على شيء بعد ذلك ، وقد دعا على الحجاج ألا يسلطه على أحد بعده ، واستجاب الله له ، وقد تمنى رحمه الله الشهادة وطلب من الله أن ينالها ، فاستجاب الله له ، كما فى " صفة الصفوة " عن داود بن أبى هند قال : " لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال : ما أرانى إلا مقتولا ، وسأخبركم أنى كنت وصاحبان لى دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء ثم سألنا الله الشهادة ، فكلا صاحبى رزقها ، وأنا أنتظرها " .........

هذا باختصار عن سعيد بن جبير رحمه الله ، وأما الحجاج ، فمن منا أيضا لا يعرفه ، من منا لم يسمع بخطبته الشهيرة فى بداية توليته على العراق والتي مبدؤها : " انى والله لأرى أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة ورؤوسا قد أينعت وحان قطافها واني أنا صاحبها ، كأني أنظر إلى الدماء ترقرق بين الجماجم واللحى ، ان أمير المؤمنين نثر كنانته فوجدنى أمرها طعما ، وأحدها سنانا ، وأقواها قداحا ، فان تستقيموا تستقم لكم الأمور وان تخونوا تجدونى لكل مرصد مرصدا ، والله لا أقيل لكم عثرة ولا أقبل منكم عذرة ...." ، وفى " الكامل " لابن الأثير ، قال الأوزاعى : قال عمر بن عبد العزيز : " لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم " ، وقال الإمام الشافعي : " بلغني أن عبد الملك بن مروان قال للحجاج : ما من أحد الا وهو عارف بعيوب نفسه ، فعب نفسك ولا تخبئ منها شيئا ، قال : يا أمير المؤمنين ، أنا لجوج ، حقود ، فقال عبد الملك : إذا بينك وبين إبليس نسب ، فقال : إن الشيطان إذا رآني سالمني ، .. وقد أحصى من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة وعشرين ألفا .

المواجهة إذا هنا بين رجلين ، أحدهما طغى ، وبغى ، وأفسد فى الأرض ، وظلم وتجبر ، وأولع فى دماء الخلق ، ورجل آخر ملأ الإيمان قلبه ، وأقبل على ربه ، وزهد فى الدنيا ومتاعها ، وفرغ همه كله للآخرة ، .. ، مواجهة بين حق وباطل ، بين هدى وضلال ، بين نور وظلمة ، بين رقة وقسوة ، بين انقياد واستسلام لأمر الله وتمرد وتكبر وعصيان ، فيا لها من مواجهة .

وكلا الرجلين لم يرغب فى هذه المواجهة ، فقد كان سعيد رحمه الله حريصا ، أشد الحرص على عدم إثارة الفتن ، وكان يرفض المطالبة بخلع الحجاج والخروج على عبد الملك بن مروان ، لما يرى فيها من إراقة لدماء المسلمين واستباحة لمحارمهم ، لذلك كان يقول لهم عندما سألوه عن رأيه فيها ، كما فى " تذكرة الحفاظ " للذهبي : " الرأي أن تكفوا عما تريدون فان الخلع فيه الفتنة ، والفتنة فيها سفك الدماء ، واستباحة للمحارم ، وذهاب الدين والدنيا " ، فقال له الناس : انه الحجاج ، وقد فعل ما فعل ، وراحوا يذكرون له بشاعة ما ارتكبه ، ولم يزالوا به حتى سار معهم وهو كاره ......... ، خرج سعيد مع من خرجوا مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فلما هزمه الحجاج ، هرب سعيد إلى أصهبان ، ثم إلى أذربيجان ، ثم إلى مكة ، فلما وليها خالد بن عبد الله القسرى ، قيل لسعيد : انه رجل سوء ، فلو سرت عن مكة ، فقال : والله لقد فررت حتى استحييت من الله ، وسيجيئني ما كتب الله لى .

أما الحجاج فقد كان يعرف جيدا مكانة بن جبير العلمية وتقواه وورعه ، فهو الذي أقعده للقضاء مع أبى بردة بن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه ، وأمر أبا بردة ألا يقطع أمرا دون مشورة سعيد ، وهو الذي جعله على عطاء الجند فى جيش عبد الرحمن بن الأشعث قبل خروج ابن الأشعث عاده ، لذلك كان الحجاج يخشى هذه المواجهة ولا يريدها ، فلما جئ بسعيد ورآه أمامه مقيدا شتم خالد بن عبدا لله القسرى لأنه هو الذي أرسله ...

أقبل الحجاج على سعيد وهو مكبل بالقيود ، وقال له مستهزئا به : أنت شقي بن كسير ؟

قال سعيد : بل كانت أمي أعلم باسمي منك

قال الحجاج : شقيت وشقيت أمك

قال سعيد : الغيب يعرفه غيرك

قال الحجاج : أما قدمت الكوفة وليس يؤم بها إلا عربي فجعلتك إماما ..، أما وليتك القضاء ، وأمرت أبا بردة الأشعري ألا يقطع أمرا دونك ..، أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرقها على أهل الحاجة فى أول ما رأيتك ثم لم أسألك عن شيء منها ؟ ، قال سعيد : بلى ، قال : فما أخرجك على ؟

قال سعيد : بيعة كانت فى عنقي لابن الأشعث ...

قال الحجاج : أما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فى عنقك من قبل ؟ .. فلأبدلنك بالدنيا نارا تلظى

قال سعيد : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها

قال الحجاج : لأقتلنك ... ، اختر لنفسك ، أي قتلة شئت

قال سعيد : بل اختر لنفسك يا حجاج فان القصاص أمامك

قال الحجاج : اذهبوا به فاقتلوه

قال سعيد : أشهد ألا اله إلا الله ، أستحفظكها يا حجاج حتى ألقاك يوم القيامة ، فلما ذهبوا به ضحك ، قال الحجاج : ما أضحكك ؟ ، قال سعيد : عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك ، ثم قال : دعوني أصلى ركعتين ، فلما توجه الى القبلة قال : " انى وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين "

قال الحجاج : حولوه عن القبلة

قال سعيد : " فأينما تولوا فثم وجه الله "

قال الحجاج : اضربوا به الأرض

قال سعيد : " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى "

قال الحجاج : اذبحوا عدو الله فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم

قال سعيد : أشهد ألا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، ثم دعا ربه قائلا " اللهم لا تسلطه على أحد بعدى ".

كان سعيد رحمه الله أثناء تنفيذ حكم الإعدام شامخا ، ثابت الجنان ، لم يتردد ، ولم يهن ، ولم يضعف ، ولم يرعبه الموقف ، بل كان واثقا بربه ، مستعليا بإيمانه ويقينه ...، يقول الحافظ الذهبي فى " تذكرة الحفاظ " : ولما علم من فضل الشهادة ثبت للقتل ، ولم يكترث ، ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له رحمه الله تعالى ..، فلما قتله الحجاج لم يزل دمه يجرى حتى علا وفاض ، ففزع الحجاج من هول ما رأى ، واستدعى الأطباء ، وسألهم عن حال سعيد وحال من قتله قبله ، فانه كان يسيل منهم دم قليل ، فقالوا له : لأنك قتلته ولم يفزع ولم يخف ففاض دمه ولم يجمد فى جسده ، والدم تبع النفس ، ومن كنت تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف فلذلك قل دمهم .

ولم يعش الحجاج بعد قتله لسعيد بن جبير إلا أربعين يوما ، وقيل خمسة عشر يوما ، التبس عليه فيها عقله ، وكان الناس يسمعونه يردد دائما " ما لى ولسعيد بن جبير ، ما لى ولسعيد بن جبير "

وكان لمقتل هذا الإمام الفذ أثرا بالغا فى نفوس العلماء فى عصره ، فقد قال الحسن البصري رحمه الله لما بلغه الخبر : " اللهم العن فاسق ثقيف ، اللهم العن فاسق ثقيف ، والله لو أن من بين المشرق والمغرب اشتركوا فى قتله لكبهم الله فى النار " ، وقال ميمون بن مهران : لقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه ..

رحم الله الإمام الفقيه المحدث المفسر المقرئ الشهيد : سعيد بن جبير ، وجمعنا معه ومع أئمة الهدى من الصحابة والتابعين فى مستقر رحمته ، انه ولى ذلك والقادر عليه .



عودة الى الطريق الى الله


حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._