|
الثبات على السنَّة ــ ج1 إنَّ الثبات على السنَّة معناه الثبات على الإسلام بكليته : أصوله و فروعه عقائده و مناهجه نثبت عليه و نتمسَّك به حتى نلقى الله تبارك و تعالى .
و الآيات الحاثَّة على الإتباع و الالتزام و الاعتصام و الاستقامة كثيرة. و الأحاديث كذلك ترمي كلُّها إلى غاية واحدة و هي ثبات المسلمين على الإسلام .
و إذا قلنا الثبات على السنَّة ليس المراد فقط ما يفهمه كثير من الناس من لفظ السنَّة فإنَّ السنَّة هنا تعني العقيدة و المنهج .تعني الإسلام . تعني الثبات على الإسلام .
هذا الثبات بتوفيق من الله سبحانه و تعالى . التوفيق بيده سبحانه و الهداية بيده و الإضلال بيده سبحانه ( يهدي من يشاء ويضل من يشاء )و يُثبِّت من بشاء و يُزيغ قلب من يشاء . و لهذا علَّمنا الله أن ندعوَهُ بأن لا يُزيغ قلوبنا ( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8)
قال الصحابة –رضوان الله عليهم - : و اللهِ لولا الله ما اهتدينا و لا تصدقنا و لا صلَّينا
يعني أنَّهم معترفون بأنَّ الهداية من الله تعالى منٌّ و فضلٌ منه سبحانه و رحمة منه لمن شاء من عباده ( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (آل عمران:74)
يمتن على من يشاء و يتفضّل على من يشاء بالهداية و يُسدِّدهم و يُوفِّقهم سبحانه و تحفُّهم عنايته تبارك و تعالى من الزيغ و الضلال والانحراف .
( و يُضِلُّ من يشاء ) : إمَّا بالضلال الكامل كالكفر و الخروج من الإسلام –عياذا بالله تعالى
و إمَّا الضلال الجزئي : ضلال من يدخل في الإسلام فيضِلُّ في عقيدته و في منهجه عياذا بالله تعالى- .
فهذا الضلال حصل بمشيئة الله تعالى .و الهداية التي نالها و إن كانت ضئيلة من الله سبحانه و تعالى فالأمر كلُّه له و الحكم له سبحانه و تعالى و نواصي العباد بيده و قلوب الناس بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء سبحانه وتعالى .
و لهذا علَّمنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن ندعوا :( يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك )
الإنسان لا يُوكل إلى نفسه ( و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) لو وُكِل الناس إلى أنفسهم لهلكوا في دينهم و دنياهم ,و لكنَّ الله سبحانه هو الذي بيده كلُّ شيءٍ , و الأمور كلُّها بيده و نواصي العباد بيده ,و قلوب الناس جميعا بين إصبعين من أصابعه .تعالى و تقدَّس سبحانه .
فإذا ثبَّت الله الإنسان على دينه الحقِّ و على منهج الله الحقِّ و على العقائد الصحيحة فهذه نعمة من الله فلا يغترَّ بنفسه ,و يتباهى و يتطاول ,و إنَّما يتواضع لله ربِّ العالمين .و يشكره على ذلك و يضرع إليه أن يحفظ له دينه ,و أن يُجنِّبه المزالق و الزيغ سبحانه وتعالى . و لا يفتر ( ولا يأمن مكر الله إلاَّ القوم الخاسرون )
فنسأله في كلِّ لحظةٍ من لحظاتنا أن يُثبِّت قلوبنا .هذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكان يُكثر من قوله :( يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك ) فقالت عائشة : ( فقلت يا رسول الله إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء فقال : إنَّ قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله عز و جل فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه )
و الثبات مطلوبٌ من المؤمن ,و يجب أن يسأل ربَّه أن يُثبِّته في كلِّ موقف : في الجهاد ,عند الموت يدعو الله تبارك و تعالى و يضرع إليه أن يُثبِّته ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45)
إذا لم يُوجد ثباتٌ ما وُجد جهادٌ ,و لا قيمة للجهاد إلاَّ بالثبات حتى ينزل النَّصر من الله سبحانه و تعالى .
فإذا ثبت المؤمنون على العقائد الصحيحة و المناهج الصحيحة و ثبتوا في القتال أمام أعداء الله عزَّ وجلَّ و قاتلوا لإعلاء كلمة الله لا بُدَّ أن ينصرهم الله تبارك وتعالى بهذا الثبات على الدِّين ,وبهذا الجهاد لإعلائه ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )
و المطلوب منه إذا كان في ساحة الجهاد أن يثبُت ,و لا يفِرُّ ؛ والفرار من الزَّحف إحدى الكبائر المُهلكة – و العياذ بالله- كما سنذكر ذلك في حديث الكبائر إذا اتَّسع له الوقت .
فنسأل الله أن يُثبِّتنا وإيَّاكم على دينه .وكما قلنا : إنَّ الله يأمر بالاعتصام بحبله بعد هذه الآية التي تلوناها :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران:102-103)
الاعتصام معناه الثبات ,أُثـبُتوا و استمسكوا ,يُساعدكم على هذا الثبات على الإسلام الذي أوصانا الله أن نحتفظ به و نُحافظ عليه إلى الممات .
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )
( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ) (لأعراف:3)
( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) (فصلت:30-32)
هذا ثناء من الله على الذين استقاموا على دينه .و الاستقامة هي الثبات على ما جاء به محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ,بل على ما جاء جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من عقيدة ومنهج ,فلهم منزلة عند الله تبارك وتعالى بثباتهم على هذا الدِّين الحقِّ .
قالوا :( ربنا الله ) : آمنوا بالله سبحانه وتعالى حقَّ الإيمان بأسمائه وصفاته وربوبيته وأنَّه هو المعبود الحقُّ فلا يعبدون سواه .
- يُثبتون لله الربوبية : وأنَّه هو خالق هذا الكون ومدبَِّره ومنظِّمه وهو الخالق الراَّزق المُحيِي المميت إلى آخر صفات الربوبية .
- وأسمائه الحسنى : اللائقة بجلاله وعظمته وربوبيته سبحانه وتعالى التي وردت في القرآن وفي السنَّة ,نُؤمن بها كما جاءت ,.وهي داخلة في هذه الاستقامة .
- والإيمان بأنَّه لا إله إلا هو : لا معبود بحقٍّ إلاَّ هو سبحانه وتعالى ,فلا نعبد إلاَّ إيَّاه نُخلص له الدِّين سبحانه وتعالى ,نحبُّه غاية الحبِّ ,ونخافه ونخشاه غاية الخوف والخشية , ونرجوه ونطمع فيما عنده في الدنيا والآخرة سبحانه وتعالى ,ونصلي له ونسجد ونَحْفِد ونزكي ونصوم ونذكر ونقرأُ القرآن ... كلُّ ذلك تقرُّباً إليه سبحانه وتعالى .
وهذه كلُّها من أسباب الاستقامة . ومن دلائل الاستقامة إذا نحن حافظنا على هذه الشعائر وهذه الشرائع . وهذه من الدلائل أنَّ الله قد وفّقك -إن شاء الله- وأنَّك من المستقيمين الذين يستحقُّون من الله سبحانه وتعالى هذا الثناء ,وبستحقون من الله هذا الوعد وهذه العناية الربَّانية : ( تتنزَّل عليهم الملائكة ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا ) متى يكون هذا التنـزُّل ؟ عندما يحتضر العبد ,عندما يُوشك على مفارقة هذه الدنيا وتوديعها ,والرحلة إلى الدار الآخرة يُنزِّلُ الله الملائكة يُبشِّرونهم ويُثبِّتونهم و يُسدِّدونهم ,ويُذهبون عنهم المخاوف ( ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا ) :
لا تخافوا من المستقبل : مما أمامكم ؛فما أمامكم إلاَّ الجنَّة ورضوان الله عزَّ وجلَّ .
و لا تحزنوا على ما خلَّفتم من المال والولد وغير ذلك .
هذه بشائر تأتي الثابتين على دين الله الحقِّ في هذا الظرف العصيب ,فهذه مرحلة خطيرة جداً ,فبعضهم قد تسوء خاتمته –والعياذ بالله- نسأل الله أن يُثبِّتنا وإيَّاكم .
عودة الى السنة والقرآن
|