ذكرياتي مع المـبادرة...الحلقة الأولى
بقلم/ سمير العركى
ـ لم تكن المبادرة مجرد حدث عابر فى مسيرة حياتي الشخصية ، ولكنها كانت محطة هامة أحدثت تغييرا فى الكثير من قناعاتي الشخصية وفتحت الباب أمامي للإطلال على الكثير من المفاهيم الجديدة ، كما أنها أحدثت تغييراً فى نمط تفكيري وتحليلي للأحداث والأشخاص والمواقف .
ـ كانت المبادرة ـ كما وصفها قادة الجماعة ـ شبيهة بمن ألقى حجراً فى الماء الراكد ، ذلك ما حدث فى يوليو عام 97 كنت آنذاك فى سجن استقبال طره ، وفور سماعنا بنبأ المبادرة وما حدث فى جلسة المحكمة العسكرية بدأنا نتلمس الأخبار الآتية من سجن الليمان تشرح لنا ما حدث وتفسر ما قيل فلاحظنا أن مشايخ الجماعة متحفظون فى الحديث مع من يلتقون به وكانت العبارات المعتادة من عينة : بإذن الله خير .. قولوا للإخوة يدعون لنا ... الأخوة تستبشر خيراً .... الخ ، وكان الأخوة الذين يذهبون إلى المحكمة هم المصدر الوحيد للأخبار فكنا نتلقاهم عند رجوعهم نسمع منهم ما قد يكونون قد سمعوه عن المبادرة .
ـ ثم كان حادث الأقصر بتداعياته وآثاره السلبية فانتابني وقتها شعور بأن كل الجهود المبذولة لحل تلك الأزمة ، وإنهاء حالة الاحتقان المستشرية فى مصر سوف تذهب أدراج الرياح ... ولكني كنت على يقين بأن الله سيجعل لنا من لدنه مخرجاً ... وظللنا ننتظر الأخبار لنعرف ما هو مصير المبادرة بعد تلك الحادثة ولكن ظلت الكلمات المتداولة على ألسنة المشايخ كلما قابلوا أحد الإخوة من عينة .. المبادرة مازالت مستمرة ... قل للإخوة يدعون لنا ... الإخوة تستبشر خيراً .. الخ.
ـ وفى رأيي الشخصي أن ما فعله المشايخ من إخفاء تطورات سير المبادرة قد ساهم إسهاما كبيراً فى إنجاحها ، لأن أي تسريب للأخبار وهى مازالت وليدة كان من الممكن أن يؤدى إلى فشلها كما حدث فى جهود عام 93 .. المهم ظلت الأحداث تسير على نفس الوتيرة طيلة أربعة سنوات تالية مما أدى إلى تسرب نوع من اليأس إلى نفوس الكثيرين ،
ـ وكنت فى ذلك الوقت قد انتقلت إلى سجن الفيوم العمومي ... وكنا نسمع بين الحين والآخر أخباراً متداولة بين الشاويشية وأمناء الشرطة عن خير عظيم سيأتي لنا ، فقد كانت الفسحة اليومية عبارة عن ساعة لكل غرفة بمفردها دون الاختلاط بباقي الغرف ، كما أن الزيارة كانت تتم من وراء سلكين يفصل بينهما طرقة عرضها حوالي متر .... إلى أن جاء يوم وترددت أخبار فى السجن عن خير سيأتي لنا على بداية الأسبوع التالي !! فقابلها البعض باهتمام وتعامل معها البعض الآخر بعدم اهتمام ولسان حاله يقول : دعونا نرى وكنت من هذا القسم .
ـ وفوجئت يوم السبت التالي على بداية الأسبوع بأنني زيارة فذهبت إلى مكان الزيارة ووجدت أن هناك دفعة من الإخوة قد دخلت مكان الزيارة وعندما سألت عن طبيعة الزيارة وجدت أنها كما هي من وراء سلكين ، فقد كانت أكبر أمنية لنا وقتها أن تم الزيارة من وراء سلك واحد فقط !! فعرفت أن الأخبار التي كانت منتشرة فى السجن كانت خاطئة ، وبعد قليل خرجت الدفعة الأولى من مكان الزيارة ودخلنا نحن الدفعة الثانية وكانت الزيارة كما هي بلا جديد فقد كنا نسمع القليل من كلمات أهلينا وتضيع معظم الكلمات من جراء الصياح والزعيق ، وانتهت الزيارة كما كانت تنتهى وودعنا أهلينا وخرجنا من مكان الزيارة ... وكان المعتاد أن ننتظر قليلا ريثما يتم تفتيش الزيارة من مخبري السجن وندخل لأخذها .... ولكننا فوجئنا بما لم يكن فى الحسبان ... وما لم نتوقعه أبدأ .. فقد كانت أقصى أمانينا أن نرى أهلنا من خلف سلك واحد فقط .. فإذ بالله الكريم العظيم يدخر لنا ما هو أفضل من كل ذلك .
ـ فقد فوجئنا بإدراة السجن تنادى علينا وتأخذنا فى صف واحد إلى حيث لقاء أهلنا وذوينا وجهاً لوجه دون أية أسلاك أو عوائق وكان اللقاء مؤثراُ أيما تأثير فالجميع لم يصدق نفسه ... لم يصدق الأب أنه ها هو ذا يأخذ ابنه فى صدره مرة أخرى بعد أن ظنها ضرباً من المستحيل ... لم تصدق الأم أنها تحتوى ابنها بين ذراعيها بعد طول حرمان وهى التي ظنت أنها ستموت دون أن تلمس فلذة كبدها مرة أخرى .... لم تصدق الزوجة أنها ستنعم بلحظات تمسك فيها بيد زوجها مرة أخرى ... كان الموقف مؤثراً اختلطت فيه أصوات البكاء بزغاريد الفرح .. ظننا أننا نحلم وبعد قليل سنفيق كعادة أحلام السجون ولكن المشهد حقيقي ولأول مرة منذ سنوات تجلس الأسرة مع ابنها .. وهى التي ظنت أنها لن تراه مرة أخرى .... ووصل الخبر إلى الإخوة فى العنابر فضجت بالتكبير والتهليل والجميع غير مصدق ما حدث ...
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيـــــا
ـ وسبحان من أمره بين الكاف والنون ، فبين عشية وضحاها انقلب حالنا وتبدلت أوضاعنا ، وتحسنت معيشتنا فقد فوجئنا بعدة إجراءات متلاحقة تهدف إلى تحسين أوضاعنا المعيشية داخل السجن من فسحة وتسكين .. وخلافه ولكن بقى السؤال على ألسنة الجميع .. لماذا يحدث كل هذا ؟!! ودارت عجلة التخمينات والتحليلات ولكنها لم تأت بشيء ذي فائدة .. فقد كان كل صباح يحمل معه بشرى لنا سارة وجميلة إلا أن رجع أحد إخواننا من الزيارة ذات يوم وأخبرنا أن أهله كانوا يزورون أخاه فى سجن الوادي الجديد ووجدوا مشايخ الجماعة هناك وأنهم ـ أي المشايخ ـ يعقدون ندوات للإخوة ويحدثونهم عن أحداث ضرب السياحة ، واستهداف رجال الشرطة .... فبدأت الصورة تتضح لنا شيئا قليلاً خاصة وأن أهل الأخ أخبروه بأنهم سيأتون إلى سجن الفيوم عقب الانتهاء من سجن الوادي الجديد ... وفى تلك الآونة حصلت على إفراج قضائي وعدت بعد عدة أيام إلى السجن مرة أخرى بعد أن أعيد اعتقالي مرة أخرى لأجد السجن سجناً غير الذى تركته فقد وجدته عند دخولي إليه قد امتلأ بقيادات مصلحة السجون وجموع غفيرة من العساكر وعندما سألت عرفت أن المشايخ قد حضروا إلى السجن وأنهم بصدد عقد ندوات ليلية للإخوة ... وفى مساء نفس اليوم عقدت أول ندوة وخرجنا فى صفوف إلى المكان المعد لذلك وكم كانت فرحتنا عظيمة عندما خرج المشايخ علينا أحسسنا أن محتنا قد انتهت ، وشعرنا وقتها أن تعب وألم السنوات الماضية قد ولى إلى غير رجعة ... كانت الكلمات مؤثرة ومعبرة لأنها خرجت من قلب وعقل الأستاذ والمعلم والمربى إلى من أحبهم وعاش معهم محنتهم وتحمل مسؤوليتهم بشجاعة منقطعة النظير قل أن توجد فى هذا الزمان .. لم تكن مهمتهم سهلة كما يظن البعض فهذه الجموع الجالسة أمامهم قد قضت أجمل سنوات عمرها خلف القضبان من أجل فكرة معينة وضحت وتحملت الكثير والكثير .. فليس من السهل أن تأتى إليها لتقول لها : إنك أخطأت فى كذا وكذا ... ولكن الله ـ تعالى ـ وفق قادة الجماعة ومشايخها فى هذه المهمة الصعبة كما لايفوتنى هنا أن أشير إلى أبناء الجماعة الإسلامية وتجردهم التام لله ـ تعالى ـ وإيثارهم للحق على ما سواه ، وهذا انعكاس للتربية الإيمانية لديهم ...
ـ كانت الفترة التي سيقضيها قادة الجماعة فى سجن الفيوم قصيرة حتى يتمكنوا من الذهاب إلى بقية السجون ، لذا حرصوا على تكثيف الندوات فى العنابر لجموع الإخوة ، كما حرص د./ ناجح إبراهيم على الجلوس مع مجموعة من الإخوة كانت ستتولى شرح كتب المبادرة الأربعة لجموع الإخوة عقب رحيل المشايخ ، كانت هذه الجلسات تبدأ عقب الانتهاء من ندوات العنابر بعد منتصف الليل وتستمر إلى قرب الفجر تقريباً ، وكان الشيخ ـ حفظه الله ـ حريصاً على إيصال أكبر كم من المعاني التربوية والإيمانية والخبرات الحياتية إلينا فى تلك المدة الوجيزة إضافة إلى أفكار المبادرة التي سنقوم بشرحها باستفاضة للإخوة ، كانت جلسات ممتعة استفدنا منها كثيراً ، والعجيب أن الدكتور ناجح كان يواصل شرحه لنا إلى قرب الفجر بنشاط وحيوية بعد يوم حافل من الاستماع إلى مشاكل الإخوة ، وإعطاء الندوات والرد على الاستفسارات وهو الذى كان يقف على عتبة الخمسين من عمره .. فى الوقت الذى كنا نتساقط منه من التعب ونحن مازلنا فى سن الشباب .
ـ كانت الأيام التي قضاها المشايخ فى السجن ، والتي قضيناها معهم خلال إقامتهم فى مستشفى السجن أياماً ممتعة مضت سريعة أحسسنا بعدها أننا كنا فى حلم سرعان ما انقضى ، وأصعب أوقات الحلم الجميل وقت الاستيقاظ منه .. ولقد استيقظنا من ذلك الحلم الجميل الممتع على مشهد المشايخ وهم يودعوننا ويستقلون الحافلة التي ستقلهم ، كان المشهد صعباً على نفوسنا رغم أنه معروف ومتوقع ، كنا نودع معهم أسبوعا كان الأجمل علينا منذ سنوات طويلة فى السجن ، كنا نودع معهم حلقات العلم الممتعة التي استفدنا منها علمياً وتربوياً وإيمانيا
ـ كنا نودعهم ولا نعرف متى سنلتقي بهم مرة أخرى ... ودعناهم والشوق إليهم يملأ القلب ، والدمع يملأ العين
ـ مضى المشايخ إلى سجن الليمان يستعدون لجولة أخرى فى سجن آخر .. وبقينا نحن نشرح المبادرة ونوضحها لجموع إخواننا ... إلى أن جاء يوم فوجئت فيه بانتقالي إلى سجن دمنهور على غير رغبة منى ... وهناك يبدأ فصل جديد من ذكرياتي مع المبادرة ...
| الإسم | أحمد عبد الله عبد القادر |
| عنوان التعليق | اللهم اجمع الشتات |
| ذكرتنى هذه الذكريات بأحوالنا فى السجون
وطول مكثنا فيهالسنوات وما مر فيهامن حرمان حتى ظن البعض ( أن لن ينقلبوا الى
اهليهم أبدا.....)
ثم جاءت حلاوة العافية لتنسينا كل هذه
الالام وأفاض الله علينا النعم وأسبغها علينا
فكان الامر كما حدثناالشيخ الفاضل د. ناجح
أن الله يفتح على الاسير بعد خروجه فتحاعظيما وأجمل هذه النعم نعمة الامن
وكفى بها نعمه
فجزى الله مشايخنا وأساتذتنا خير الجزاء
عنا وعن الاسلام والمسلمين
ودعاء من القلب (أن يجمع الله الشتات)
وأن يردنا الى مساجدنا ردا جميلا. انه ولى
ذلك والقادر عليه
أخوكم فى الله /أبو صفوت المنياوى |
عودة الى المبادرة
|