والتقينا.. فى ظلال المبادرة 
بقلم د.أسامه عبد العظيم
ـ الزمان:ليلة الأربعاء الحادي عشر من يوليو 2002
ـ المكان : سجن دمنهور العمومي
ـ كانت الأجواء هادئة ساكنة .. الليل يغطي الكون بظلامه .. وخيوط الفجر البيضاء قد قاربت علي البزوغ، ولكن النوم لم يداعب أجفان مئات المعتقلين في هذه الليلة.. فقد ترامت إلي مسامعهم أنباء عن قرب وصول قادة ومشايخ الجماعة الاسلامية إلي سجن دمنهور .. وذلك في إطار جولتهم التي بدءوها في أوائل شهر سبتمبر عام 2001 م، واستهلوها بسجن الوادي الجديد الذي كان يضم أكبر حشد من قادة وأفراد الجماعة .. وها هو الدور قد جاء علي سجن دمنهور
ـ جلس المئات يترقبون ذلك اللقاء الذي طال انتظاره .. فمنذ أطلق قادة الجماعة نداءهم بوقف العنف في الخامس من يوليو 1997 م، ونفوس الأخوة تمور بكثير من التساؤلات حول هذه الخطوة ..وصدورهم تختلج بالعديد من الأسئلة والاستفسارات .. وها هو الوقت قد حان ليطرح الجميع ما في جعبته ، حتى تسكن ثائرة النفوس , وتطمئن حيرة القلوب
ـ وما هي إلا لحظات قليلة .. إلا وسمع الجميع صوت جلبة وضوضاء في ساحة السجن .. فأدرك الجميع أن مشايخهم قد وصلوا بسلامة الله تعالي .. وهنا تعالت الأصوات داخل الغرف بالتكبير ترحيبا ً بالضيوف الكرام .. وحقا كم كانت النفوس تشتاق لرؤية أولئك القادة الأفاضل ، وتتوق إلي الحديث إليهم ، والتحاور معهم حول كثير من الأمور.. كان الوقت متأخرا ً للخروج من الغرف , فتأجل السلام علي المشايخ إلي صباح اليوم التالي , وحتى يأخذ الوافدون قسطا ً من الراحة بعد رحلتهم المضنية .
ـ وفي صباح يوم الأربعاء خرج الإخوة أفواجا ً أفواجا ً للترحيب بالمشايخ ، والتسليم عليهم .. وكانت لحظات السلام والعناق لحظات نادرة المثال ، أذهلت كل الحاضرين .. ورغم حرارة الجو، إلا أن المشاعر الفياضه التى سكبتها قلوب الإخوة كانت أشد حرارة ..وامتزجت حرارة المشاعر بدموع الفرحة والشوق , فصنعت مزيجا ً من الحب في الله تعالي قلما يوجد مثله في دنيا البشر .. فهؤلاء القوم لم تجمع بينهم سابق معرفة , ولا وشيجة قرابة , اللهم إلا أخوة الدين , ومحبة المولي عز وجل ، والسعي لنصرة دينه وإعلاء شريعته .
ـ المهم , فرغ الإخوة من التسليم علي المشايخ، وجلس الجميع ينتظرون كلمة الترحيب التي سيلقيها د/ ناجح إبراهيم نيابة عن بقية المشايخ .. لم يكن أغلب الإخوة قد رآه من قبل .. ولكن القلوب كلها كانت مجمعة علي حبه من قبل أن تراه .. فلطالما ذرفت أعين الكثيرين بالدموع وهي تقرأ رسائله وكتاباته التي كانت تفيض بالمعاني القلبية , واللفتات الإيمانية .. ولطالما هدي الله قلوبا ً شاردة بعد أن قرأت رسالته القيمة :" رسالة إلي كل من يعمل للإسلام ".. كانت القلوب صاغية قبل الآذان ، وبدأ د/ ناجح حديثه بعد أن تلا أحد الإخوة بضع آيات من القرآن الكريم بصوت شجي مؤثر .
ـ " تحية للصابرين والمتحملين والراضين بقضاء الله تعالى مهما كان مرا ً ".
ـ " أنتم زهرات المجتمع التى تشع بعطر الإيمان ، والتى حرم منها ذلك المجتمع المسلم الذى يحب دينه ، ولا يستغنى عنه وعنكم .. ولقد عرفنا ثقتكم فينا ، وآذانكم الصاغية ، وحبكم للحق .. لذا جئناكم لنبدأ حديثنا إليكم عن المبادرة ......
ـ كانت هذه الكلمات الرقيقة الحانية التي رطبت القلوب فاتحة الحديث الذي بدأه د/ ناجح حول المبادرة .. ثم انطلق بعدها يشرح للإخوة مبررا ت ذلك القرار، وأسباب طرحه ، فكان مما قال :
ـ أطلقنا المبادرة حقنا ً لدمائكم ودماء المسلمين فى مصر .. حفاظا ً على الأنفس أن تهلك فى غير ميدان ، أو تقتل فى غير مصلحة .. رأبا ً للصدع ، وحماية للحق ، وبداية لفجر جديد وفرج كبير "
ـ " أطلقناها خدمة للإسلام والمسلمين ، لا لأهواء شخصية .. فها نحن فى السجون ، وحتى لو مكثنا فيها أكثر من ذلك فلن نرجع عن مبادرتنا ..لأن الأصل هو تحقيق مصلحة الإسلام حتى لو لم تتحقق مصالحنا الشخصية ولو كانت صحيحة
ـ أطلقنا المبادرة صونا ً لحرمات البيوت والأسر المسلمة أن تتهدم .. أطلقناها تفريجا ً لكرب آلاف المعتقلين ، ومن أجل مئات اليتامى والأرامل من الطرفين "
ـ انتهت كلمة الإ فتتاح وتتالت بعدها كلمات باقي المشايخ .. وحرص كل واحد منهم على تناول المبادرة فى حديثه من منظور معين ، حتى تكتمل الصورة ويتضح المراد ..ومكث شيوخ الجماعة فى سجن دمنهور أسبوعين كاملين لم يذوقوا فيها طعم الراحة ليلا ً ولا نهارا ً .. فالجميع منهمك فى شرح وتوضيح أبعاد المبادرة .. وكل واحد منهم قد التف حوله جمع من الأخوة ، فهو ما بين إجابة سؤال ، أو توضيح غموض ، أو حل مشكلة ، أو إزالة لبس .. وحقا ً ، لقد كانت فترة ثرية أفاد منها الأخوة أيما إفادة .. وطرح كل واحد منهم ما فى جعبته من تساؤلات ، فكان يجد له الإجابة الشافية .
ـ لم يكن الأمر سهلا ً كما يتصور البعض .. فأصعب شيء على النفس أن تواجه بأخطائها وعيوبها ، وأن تراجع مسيرتها بصدق شديد وتجرد تام .. كانت الحوارات جد ساخنة .. وكان حدة المناقشات تعلو تارة وتنخفض أخرى ، ولكن – الحق يقال – فقد تحلى المشايخ بقدر كبير من الصبر والحلم ،وتمثلوا روح الأبوة الحانية وهى توجه أبنائها بحب وإخلاص ، فتصبر على أذى البعض منهم ، وتراعى نفسية البعض الآخر .. وكانت فترة الأسبوعين كافية تماما ً حتى تتضح فكرة المبادرة ، وحتى تترسخ أبعادها وجوانبها فى نفوس الأخوة .. وكان من ثمرة ذلك أن أعلن الجميع اقتناعهم بالفكرة مستجيبين لنداء الشرع الحنيف ، ومتفهمين لملابسات الواقع الجديد الذى تحياه أمة الإسلام، ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر .
ـ واليوم ، وبعد مرور عشر سنوات بعد إطلاق المبادرة ، وخمس سنوات على ذلك اللقاء الذي جمع بين القادة وأبنائهم فى سجن دمنهور ، مازالت ذكريات هذه الأيام حية فى النفوس ، وما زالت كلمات الشيوخ الأفاضل يتردد صداها فى الآذان ، وكأنها والله كانت البارحة .. ومن هذه الكلمات ......
ـ إن مجرد القتال لا يدعو للفخر ، فالوحوش فى البراري تتقاتل ، ويسفك بعضها دماء بعض .. ولكن ما يدعو للفخر هو أن تقاتل فى سبيل الله نصرة للدين وإعزازا ً للإسلام والمسلمين .
ـ فرق كبير بين الثبات والعناد .. فالثبات هو أن تدور مع الحق حيث دار .. والعناد هو التمسك بالشىء وإن تبين خطؤه ، وبدت مجانبته للصواب لكل ذي عينين.
ـ إننا لن نستطيع أن نحيا حياتين ، أو نعيش أعمارنا مرتين : عمر نجرب فيه ونخطئ.. وعمر نتعلم فيه من أخطائنا ، فلنعش إذا ً مع دروس التاريخ ، ولنستوعب تجارب الآخرين ودروس حياتهم .
ـ إن مهمتنا هي هداية الخلائق، والأخذ بأيديهم إلى جنة عرضها السموات والأرض .. إن مهمتنا هي تضميد جراح أمتنا بإعادة عصاة المسلمين برفق وأناة إلى حظيرة الإسلام
ـ عيشوا – أيها الأخوة- بقلوبكم وجوارحكم مع قول النبي الرفيق الحليم " صلى الله عليه وسلم " :" إن الرفق لا يكون فى شيء إلا زانه ".. فزينوا دعوتكم بالرفق.. فهو الإطار الجميل الذي تحملون من خلاله دعوتكم إلى الناس .
ـ إن البلاد فى أمس الحاجة إليكم الآن أكثر من أي وقت مضي ، وهى تواجه سيلا ً جارفا ً من الفساد المالي والأخلاقي والانحدار القيمى .. وإن لم نتكاتف جميعا ً فى مواجهته :أغرق البلاد والعباد ، وقضى على الأخضر واليابس فى هذا الوطن الحبيب .
ـ فرق كبير بين المراجعة والمداهنة .. فالمراجعة هي الإقبال على صحيح الدين وترك ماعداه ، أما المداهنة فهي ترك شيء من الدين من أجل دنيا فانية، أو من أجل الآخرين .
ـ انظروا إلى الأمام ، فأحلى الأيام لم تأت بعد .. وأسعد الساعات لم نهنأ بها بعد .. وأجمل الأماني والأحلام لم تتحقق بعد .. اليوم خير من الأمس ، وغدا ً إن شاء الله سيكون خيرا ً من اليوم .
ـ ولقد صدقتم والله أيها الشيوخ الكرام .. وصدق ظنكم بالله الكريم ، وها هي خيرات الله تعالى ورحماته تتنزل علينا يوما ً بعد يوم .. فلم يعد فى السجون معتقل واحد من أبنائكم .. وها هو ملف الإخوة المحكوم عليهم قد بدأ يتحرك ، وأملنا فى الله تعالى أن يخفف عنهم ويفرج كربهم .. وها هي دماء قادة أفاضل قد حقنت وحفظت عليهم أرواحهم بفضل من الله عز وجل ، بعد أن كانوا قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ حكم الإعدام .. فاللهم لك الحمد على نعمك وآلائك التي لاتعد ولا تحصى.
ـ عشر سنوات مضت على إطلاق المبادرة .. ولكن ،تبقى تلك المبادرة المباركة حية فى النفوس يزداد بريقها يوما ً بعد يوم .. ويتأكد توفيق الله فيها يوما ً بعد يوم .. وتعظم قيمتها يوما ً بعد يوم .. لم تكن مبادرة وقف العنف مجرد قرار اتخذه بعض القادة لإنقاذ أبنائهم من محنة عاتية .. ولكنها كانت قرارا ً تاريخيا ً فى مسار العمل الإسلامي .. ونقلة نوعية فى مسيرة الحركة الإسلامية.. وتأسيسا ً لأسلوب جديد من أساليب التفكير الإبداعي طالما غاب عن عقول أبناء الصحوة الإسلامية .. ولسنا مبالغين حين نقول : إن المبادرة أحيت فى نفوس العاملين للإسلام ألوانا ً من الفقه كانت على وشك الضمور والانكماش مثل : فقه الموازنات ، وفقه الأولويات ، وفقه مآلات الأعمال ، وفقه الواقع الذي يزداد صعوبة وتعقيدا ً مع مرور الأيام .
ـ حقا ً ، لقد علمتنا المبادرة الكثير والكثير .. ولن تستطيع تلك السطور أن تستوعب - بقلتها ومحدوديتها - عمق هذه الخطوة الموفقة .. فالحمد لله أولا ً وآخرا ً فهو وحده صاحب الفضل والمن .. وجزي الله عنا وعن كافة العاملين للإسلام خيرا ً من أقدموا على إطلاق هذه المبادرة بكل صدق وشجاعة.. مضحين بجاههم وسمعتهم وتاريخهم فى سبيل إحقاق الحق، وإقرار الصواب .. فما كان من الله الكريم إلا أن زادهم جاها ً وشرفا ً وعلوا ومكانة .. فالجزاء من جنس العمل .. ومن ترك لله تعالى شيئا ً عوضه الله خيرا ً منه .
ـ وجزي الله خيرا كل مخلص وشريف من أبناء هذا الوطن .. ممن تجاوبوا مع تلك المبادرة ، ووثقوا فى قادة الجماعة وأبنائها .. وها هي الأيام والسنون تثبت لهم وللجميع أن ثقتهم كانت فى محلها .. وأن أصحاب فكرة المبادرة كانوا صادقين فى مواقفهم ، أوفياء بعهودهم ، مخلصين فى حب الخير لهذا الوطن الكريم ..
| الإسم | asmaa_mo |
| عنوان التعليق | اهم شىء |
| اهم شىء انكم خرجتم يا شيخ اسامة |
| الإسم | حمدى @ أبو عاصم |
| عنوان التعليق | شكر وعرفان |
| الحمد لله أن رأيناكم بعد طول غياب وأسأل الله أن يأجركم خيراعلى صبركم وثباتكم طوال هذه المحنة العصيبة ..فهنيئالكم فائزين برضا ربكم إن شاء الله . ً |
| الإسم | مصطفى |
| عنوان التعليق | صدق العلماء |
| نعم إنها كلمات صادقة من مشايخنا ونحن نشكرهم على مجهودهم الرائع الذى بذلوه مع الأخوة ونشكر الأخ د/أسامة لعرضه هذاالموضوع ونرجومن باقى العلماء التى تصغى آذانهم إلى حب الدنيا وحب المناصب الصدق مع أنفسهم. |
| الإسم | ابوبكربلال |
| عنوان التعليق | هي رحمه ويكفي |
| هي رحمه ويكفي |
عودة الى المبادرة
|