أصداء الوادي بقلم أ.إسماعيل أحمد
كلما رأيت تجاوب إخواني مع مقالاتي أو مقالات بعضهم البعض تذكرت تلك الأيام حين كان كل واحد منا يعقد بطانيته على النافذة أو الباب ليتسامر مع إخوانه، وشعرت وأنا أقرأ تعليقات مهند وأبي سهيل وغيرهما أنهم يربطون حول النت بطاطين كلُ واحد من زنزانته – أعني بيته - وليتني أسمع الآن من يهتف: "صوت الخلافة" فالحنين انقلب الآن لتلك الأيام..! وهذه بعض أحداث كنت شاهداً عليها في سجن الوادي الجديد رأيت أنها تنقل صورةً حية لما كانت عليه أيامنا..فأحببت أن أحكيها..)
(1) تفتيش
كفكف دمعه كعادته حين يشعر أن أحداً ينظر إليه وتشاغل مع إخوانه في جمع شتات أمتعتنا التي تناثرت في كل مكان وتداخلت الأصوات: هذا قميصي..! لمن هذه الصابونية؟ من أخذ منشفتي؟ وأنا أرقبه لعلي اكتشف سبب دموعه.. فهو كما حكي لي ابن امرأة حازمة أحسنت تربيته في وقت انشغل أبوه بزراعته ومركزه العائلي، وتتابعت الساعات كشأنها كل ليلة بين مراجعة الورد اليومي من القرآن وصلاة الظهر والغداء ثم هدوء القيلولة لمن تسمح له أعصابه بغفوة وسط هذا القلق.. وبعد العشاء حين ينتشر الظلام ولا يكون متاحاً سوى ألحكي و النعاس يتسلل إلى المآقي .
اقتربت منه ورحت أحوم بكلامي حول مقصدي فقلت من بين ما قلت: "أعطى الله عباده القدرة على التأقلم، والصبر يبلغنا بر السلامة"..الخ، فقال والبسمة الخجلى تغلف فمه: "لعلك تحسب أنني بكيت جزعاً؟ إنما بكيت لخاطرٍ ملأني حزناً..
ألم تلاحظ أن التفتيشات تزداد كلما أقبلت على القرآن وإذا تركت الحفظ هدأت الأحوال.. تكررت أكثر من مرة خلال الشهر الفائت" ولأن كلامه فاجأني سكتُ برهةً ثم قلت: ولماذا تتصور أن هذا مخصوص بك؟ ثم أنك لا تعيش وحدك حتى يكون القدر مرتبطاً بعملك !ومع ذلك فلو أراد الله لك الفتنة فلا يكون ذلك مع ترغيبك في حفظ القرآن بل يكون مع شعورك بالجزع أو القنوط ولكان صرفك عن الطاعة و كما يعلمنا القرآن "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً" وتتابعت في مخيلتي صور عديدة قبل أن أتذكر حكاية أردت أن أقصها عليه عن أحد الأخوة وقد بدأ التزامه بشعورٍ مماثل فدعا ربه أن يتقبله وأن يجعل علامة قبوله أن يبكي من خشية الله في ليلته هذه إن علم فيه خيراً،
ثم ما لبث أن انفجر في البكاء دون أن يتمالك نفسه، ومازلت به في دروب الأحاديث ندخل في قصةٍ ونخرج من أختها حتى آن أوان النوم فانصرفت عنه.. وفي الصباح التالي بدأ يومنا كالعادة: إفطار ثم انشغال بالورد القرآني حتى يؤذن الظهر.. وقبل الظهر بقليل وكان دور صاحبنا أن يرتل علي ربعين ليصحح تلاوتهما وأنا منشغل مع أخٍ غيره فوجئنا جميعاً بأحد المخبرين ينظر من نظارة الباب ثم يصيح بصاحبنا: "أعطني هذا الذي في يدك!" فتسمرنا جميعاً لأننا لا نراه ولا ندري من المقصود بالكلام وسرعان ما انفتح الباب وانقض المخبر على الأخ ضرباً وسباً ونحن جميعاً لا ندري ما الخبر وامتلأ قلبي غماً وقلت ستزداد نفسه تعقيداً لاسيما وأنا أعرف أنه يكره جداً أن يسب بأمه أو أن يضرب على وجهه - أكثر من غيره – وما إن انصرف المخبر حتى التفتُ إليه وأنا أتصور حزنه وبكاءه ففاجأني تهلل وجهه وإشراقه فقلت مابك؟ فقال لا شيء قلت دعني أنظر إلى ظهرك فآلمني مابه من خطوط (و كان يضربه برجل كرسي مكسور) فقلت لنفسي إن في الأمر سراً !!
وانتظرت حتى هدأت الغرفة وانشغل كل واحد بهمه.. ثم سألته ما الخبر؟ فقال ببساطة: فعلت كما فعل الأخ الذي حكيت لي عنه! قلت: وبم دعوت؟، قال: قلت "اللهم إن علمت في خيراً فاجعلني اضرب في سبيلك اليوم وقد كنت منتظراً بقلمي البنزانيل دوري في تصحيح القراءة أو ليس هذا في سبيل الله؟!" قلت: يرحمك الله، ولم تجد غير هذا.. قد كانت العافية أرحب لك !.. ومرت أسابيع قليلة قبل أن نقيم له احتفالاً بمناسبة ختمه للقرآن وكان من أسرع من ختموا في غرفتنا وكان كلما فترت همته أو عاودته هواجسه القديمة أقول مذكراً لقد ساق الله لك المخبر من آخر السجن ليثبتك على حفظ القرآن.. فيقول مكابراً: من يدري ..لعلها كانت مصادفة !!
(2)إشاعات
في الشهور الستة الأولى ، سرت شائعة تقول أن النزول للمحافظات بعد مرور ستة أشهر من افتتاح السجن (كنا قبل افتتاح سجن الوادي نحصل على إفراجات من القضاء – كده وكده – فيتم ترحيلنا إلى مراكزنا أو محافظاتنا فننعم برؤية أهالينا وبالطعام الملكي – عافاكم الله من الطعام الميري- فنظل أسبوعاً أو أسبوعين وربما أربعة أيام أو ثلاثة.. ولكن عندما افتتحت السجون الجديدة مثل النطرون والوادي توقفت هذه السياسة وسلبنا تلك النعمة) ولما سرت هذه الشائعة تفاءلنا خيراً وما أكثر الخدمات التي خلقتها لنا الشائعات.
لماذا تنتشر الشائعات في تلك الظروف، كنا في كل مناسبة نسمع خبراً ساراً فنتداوله بفرحة فيما بيننا حتى قال أحدنا لأخيه عبر النافذة وربما من عنبرٍ لعنبر:"سامعين ألف طالعين على العيد" فنقلها الآخر: "سبعين ألف"رغم أننا لم نتجاوز ال 16ألف في جميع الفترات، وفي يوم 25/7/1995 أي بتمام الستة أشهر، إذ كان افتتاح سجن الوادي في عيد الشرطة، نودي على عدد ضخم من المفرج عنهم حتى بلغوا 11 من غرفتنا وحدها،
وعلت الجلبة في السجن أن هذا تصديق الخبر ولابد أن الأهالي يعرفون الخبر فتقدموا بالإفراجات في موعدها، وانطلق المفرج عنهم فرحين مستبشرين ومرت ليلتان وفي منتصف الليل فوجئوا بقوة ترحيل تفتح أبواب فرق أمن الوادي ثم تنادي على الأسماء – وكانت للعجب مرتبة تبعاً للمحافظات – وتهللوا أكثر وأكثر وبدئوا يتبادلون العناوين ويتبادلون الأحضان ولما دخلوا سيارة الترحيل انطلقت بهم في براءةٍ إلى الوادي وطبعاً لم تسمح لهم إدارة السجن بالدخول ورجعوا إلى الفرق وبعد عشر ساعات أعادوهم إلينا لنسخر من أنفسنا ومن سذاجتنا .
وإلى الآن كلما تذكرت هذه الحكاية أتعجب كيف اجتمعت هذه الملابسات إفراجات كثيرة في نفس اليوم وترحيل في منتصف الليل - تماماً كما أخذونا إلى الوادي – ثم ترتيب الأسماء.. ولا تسل عن حزن هؤلاء وضيقهم حتى أنستهم مصيبتهم دورة الليل والنهار وانشغلوا بتصديق شائعةً أخرى والغريب أن كل إشاعة تقلل من العدد مرةً ألف ومرة ثلاثة آلاف فقلت يوماً ولماذا نضيق على أنفسنا حتى في الإشاعات قولوا على لساني الإشاعة التالية 15 ألف سيخرجون على العيد، على الأقل لا ننشغل هل سنكون فيهم أم لا؟ مادمنا جميعاً سنخرج.
(3) إفراج
كان كعادته واقفاً عند الباب يتسمع وقع الأقدام على الأرض القاسية المشبعة بالرطوبة وقد بدا الأفق ملبداً بالخطر، لم يكن يتوقع شيئاً معينا لكن روحه الشفافة حدثته بأن شيئاً ما سوف يحدث، كانت اللفافة بين أسنانه – لفافة بحجم الكبسولة بها خمسة جنيهات هي كل ميزانية الغرفة لشراء ما يلزم من أقلام وأمواس حلاقة وغير ذلك – وعلى حين غرة ظهر أمامه الجنائي مسير العنبر وبيده المفاتيح وخلفه أحد المخبرين، وفي لمح البصر انفتح الباب وهتف الجنائي:"فلان الفلاني أنت إفراج" يقصد صاحبنا الرابض خلف الباب في نوبة حراسته وتجمعت على وجهه ألوان متنافرة بين الحمرة والصفرة ثم قال في ارتياب قصدك التأديب؟ أنا كنت حاسس!
قال الجنائي باندهاش إفراج والله أنت مروح قال: وه!! يا عم إفراج مين أنت بتهرج وفي هذه اللحظة تناول اللفافة من بين أسنانه ورماها للجالس خلفه وبسرعة أخرجه المخبر من الغرفة وذهب ينادي بقية المفرج عنهم فأسرعنا جميعاً نهنئه عبر النافذة لكن أمارات الذهول لم تذهب عن وجهه حتى لحق به غيره وأكدوا له أنها إفراجات العيد الكبير..عندها ناداني من جديد وبدأ يوصيني بصاحبه الذي لم يكن يفارقه.. صاحبه هذا أخذ يوصيه أن يفصل له نظارة جديدة وأعطاه مقاساتها وتواعدا أن يرسلها له مع أول زيارة لكنه إلى الآن لم يتسلمها.. ألم يقولوا منذ أمد "الداخل مفقود والخارج مولود".
| الإسم | واحد من الناس |
| عنوان التعليق | كانت ايام |
| فعلا كانت ايام جميلة بس انا شايف مالوش داعي اننا نفتكرها، راحت لحالها وربنا يستر الجميع . زال الالم وبقي الأجر باذن الله. |
| الإسم | ابو العباس |
| عنوان التعليق | لسه فاكر |
| ياااااااه لسة فاكر |
| الإسم | عادل معوض |
| عنوان التعليق | فيك الخير |
| فيك الخير فكرتنا بالذى مضى وبالايام الجميلة التى نسأل الله أن يتقبلها منا ومنك وأن يجعلها فى ميزان حسناتنا يوم نلقاه انه ولى ذلك والقادر عليه وهو حسبنا وكفى بالله حسيبا وكفى بالله شهيدا |
| الإسم | سماح |
| عنوان التعليق | اثابكم الله |
| بالرغم اننا لم نكن معكم فى تلك المحنة الا اننا نعيشها معكم عندما تقصون علينابعض احداثها وندعو الله ان يجعل لها ثوبا فى ميزان حسناتكم وثبتكم الله وايانا على حسن طاعته |
| الإسم | ابو أحمد الحلواني |
| عنوان التعليق | احلى الايام |
| كانت والله احلى الايام فظاهر هذه الايام العذاب والمراره ولكن والله باطنها كانت الرحمه والتى لايقدر أن ينكرها احدا منا ممن عاش هذه الفتره سواء اخوان الوادى او اخوان الفيوم او اخوان النطرون والذى اشرف بأنى كنت منهم ومعهم فقد كان الباطن الرحمه والظاهر للاخريين العذاب فقد كانت رحمة الله تحيط بنا والبركه هى صديقنا الوفى الذى سخرها الله لنا والتى لم تخزلنا فكم من المياه كانت تكفينا فى الفيوم حيث كان لاوجود لماء لعدة اسابيع بل وشهور وكم من الغذاء كان يشبعنا وكم من الدواء كان يشفينا فكانت كل هذا ببركة من الله عز وجل وكانت الرحمه نبراثنا كنا رحماء فيما بيننا فكان الله عز وجل يفيض علينا من رحماته وكنا ايامها نقول لبعضنا البعض بعد الخروج من هذا الاسر فى اول يوم نخرج فيه لو سألنا احد هل شعرتم بضيق او عذاب او غير ذلك ؟
كنا سنقول لا وذلك لذهاب كل ذلك مع اول لحظة حريه
فما بالنا بالله رب العالمين ولله المثل الاعلى حين يخرج اخر اهل النار من النار ويغمس فى نهر الجنه فيوسال نغس السؤال هل لقيت بؤسا قط فيقول لا والله ما رأيت بؤسا قط
مع اختلاف المثلين وتباعدهما فشتان بين نعيم الاخره ونعيم الدنيا والحريه فيها
فهى احلى الايام وادعوا الله عز وجل أن يعيدها لنا فى دار الاخره ونحن جميعا مع بعضنا البعض فى الجنة بأذن الله |
عودة الى المبادرة
|