الجهاد و عبث المبطلين. لا تعانى فريضة الجهاد من جناية المبطلين المخطئين فى حقها فحسب لكن يأتى عبث المبطلين مسبباً لها نوعاً جديداً من المعاناة أشد ضراوة و أكثر خطورة .
فالمبطلون - على اختلاف ألوانهم – يريدون حذف الجهاد كلياً و جزئياً من المنهج الإسلامي نظرياً ، و من واقع الأمة عملياً ، و هذا نوع من العبث بالمنهج الرباني و مستقبل الأمة الإسلامية فى آن واحد
و عبث المبطلين لون ، و القول بعدم جواز الجهاد فى واقع ما أو وقت ما لون آخر ، فالمبطلون يرومون إلغاء الجهاد عبر الزمان أو المكان ، بينما القول بعدم جواز الجهاد فى واقع ما , لا يعنى سوى نفى صحة الجهاد فى هذه الواقعة دون غيرها لعدم توفر الشروط الشرعية المتطلبة لإنفاذه . و لذلك فنحن نتفهم قول القائل : إن الجهاد فى ديار المسلمين و فى ظل الحكومة المسلمة العادلة يبطل لانتفاء أسبابه .
و نحن نتفهم أن الجهاد فى ديار المسلمين قد يحرم لانتفاء شروطه أو وجود موانع تمنع منه ، و أيضاً نتفهم أن التاريخ الإسلامى على مدار عصوره يعلمنا أن جهاد الحكام الظالمين غالباً ما يؤدى إلى مفاسد عظيمة على الأمة و أبنائها و أن المصلحة غالباً غير متحققة فيه مما يجعل الجهاد فى هذه الحالات يسقط أو يحرم ، إذا كنا نتفهم كل ذلك فنحن لا يمكن أن نتفهم إبطال جهاد أعداء الأمة و الملة من الكفار و المشركين و الملاحدة الذين يسعون إلى احتلال أراضيها و نهب ثرواتها و سحق هويتها ..
و من هنا كان لزاماً علينا فضح المبطلين و كشف عبثهم و بيان أقوالهم و البحث عن الأسباب التى تقف وراء دعواهم تلك لتطويق و علاج آثارها السلبية .
وهذا ما سنستعرضه عبر العناوين الآتية :
ـ إبطال الجهاد " تعريف و تحديد "
ـ عبث المبطلين للجهاد " المخاطر "
ـ ما الأسباب التى تقف وراء دعوى إبطال الجهاد
و ما السبيل لمواجهتها ؟
إبطال الجهاد ... تحديد و تعريف كى نتصور جسامة الأخطار المترتبة على عبث المبطلين فلابد أن يمر ذلك عبر التعرف عليهم ،والوقوف على آرائهم ..والمبطلون لا يجمعهم رأى واحد ، ولا ينطلقون من مقدمات مشتركة و لا تتوحد أهدافهم ، و لذلك يمكن أن نميز بين نوعين من الإبطال لفريضة الجهاد يطرحهما هؤلاء المبطلون .. و هما :
النوع الأول : الإبطال الكلى للجهاد .
النوع الثانى : الإبطال الجزئى له .
و لنستعرض على عجالة التصور بكل منهما :
أ- دعوى الإبطال الكلى للجهاد :
يسعى أصحاب دعوى الإبطال الكلى للجهاد إلى إلغاء فريضة الجهاد من المنظومة الإسلامية ، ويقدمون الإسلام للناس كدين لا علاقة له بامتشاق الحسام أو مجالدة الأعداء أو نصرة المستضعفين أو مقاومة المحتلين و المستعمرين مبررين ذلك القول بأن الإسلام دين جاء لنشر السلام و تقوم دعوته على الحجة و البيان دون قهر أو إكراه ، و الجهاد عندهم نوع من الإكراه الذى تأباه شريعة الإسلام و عقيدته ، و من ثم فلا جهاد فى الإسلام .
و غالباً ما يكون أصحاب دعوى الإبطال الكلى للجهاد من أعداء الإسلام أو من بعض الفرق الضالة المنتسبة إليه ، و التى قد يصل بعضها فى ضلاله إلى حد الخروج من الإسلام ذاته .
ب- دعوى الإبطال الجزئى للجهاد :
أما أصحاب دعوى الإبطال الجزئي للجهاد فتنصب دعوتهم على إبطال الجهاد بتقييده زمانياً أو مكانياً أو باشتراط شروط إضافية مما يؤدى فى الحقيقة إلى إبطاله رغم تأكيدهم على أن الجهاد فريضة إسلامية غير قابلة للإلغاء أو الإبطال .
فبعض هؤلاء نراه يرجىء الجهاد إلى حين ظهور المهدى المنتظر فى آخر الزمان و قبل قيام الساعة ، و هو ما يعنى أن جهاد المستعمرين و المحتلين لديار الإسلام كفلسطين أمر لا يقره دين الإسلام و لا تجيزه شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم .
و بعضهم يقول لا جهاد الآن و إلى أن يعود الإمام الغائب و المختفى فى سرادب بالعراق منذ عام 260 هـ لأنه لا جهاد إلا بإمام على حد ما تعتقده فرقة الأمامية الإثنى عشرية من الشيعة .
و منهم من حاكى قول الشيعة الإمامية السابق و نقله إلى فلسطين و قضى بأن المقاومة الفلسطينية المسلحة و العمليات الاستشهادية غير جائزة لأنه لا يوجد إمام مسلم ممكن فى فلسطين يصدر عنه مثل هذا الجهاد و شرط الجهاد المشروع وجود الإمام المسلم الممكن .
و هناك من يرى أن الجهاد لا يصح إلا فى حالة الدفاع عن الأوطان و كأن الشريعة لم تأت بنصرة المستضعفين أو المظلومين خارج الحدود ، و عند هؤلاء تعد مشاركة الجيوش العربية المصرية أو السورية فى مواجهة إسرائيل أو لتحرير الكويت من احتلال العراق عام 1990 مشاركة غير جائزة شرعاً .
و أخيراً و ليس آخراً نجد من يقصر الجهاد فى الإسلام على أحد معانيه الصحيحة ، فيقول إن الجهاد الذى يعرفه الإسلام هو جهاد النفس و الفقر و المرض و التخلف ، أما جهاد السيف فهو أمر غريب على الإسلام و تأباه سماحته ..
فهذه بعض نماذج من أقوال الذين يروجون لإبطال الجهاد جزئياً سواء كان ذلك عن عمد أو علم ، أو خطأ أو جهل .
و من الواجب القول بأن أكثر القائلين بإبطال الجهاد جزئياً يغلب عليهم الانتماء لملة الإسلام ، و كثير منهم يصدر عنهم ذلك القول نتيجة لتأويل تأولوه أو خطأ فهم وقعوا فيه أو لمصلحة توهمونها ، و إن كان هذا لا يعنى أننا لن نجد من خارج ملة الإسلام من لا يسعى إلى إبطال الجهاد جزئياً ، لأن هناك بعض المستشرقين الماكرين الذين يعلمون عدم جدوى القول بإبطال الجهاد كلياً فيعدلون إلى القول بالإبطال الجزئى لإفساد ما يمكن إفساده .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|