|
يتطرق الى الجهاد الأحكام التكليفية الخمسة : الواجب و الحرام و.... قد يطرح البعض سؤلا مفاده : أذا كان الجهاد يندرج فى عداد فروض الكفايات ويصير فرضا عينيا فى حالات فهل يعنى هذا انه لا يصير أبدا ممنوعا ؟
والإجابة عندنا ان الجهاد شأنه شان العديد من الأحكام الشرعية قد ينتقل حكمة عند الإنفاذ من الوجوب الى المنع على حسب الأحوال التى تصاحبه .
ونحسب أن هذا السؤال يعبر عن خلط بين قولنا الجهاد فى الأصل فرض على الكفاية ويصير فرضا عينيا فى حالات معينة وحكم الجهاد عند الإنفاذ . أو بعبارة أخرى الخلط بين من يتوجه إلية الجهاد هل هو عموم المسلمين ام بعضهم وما يجب توفرة من أمور كى يكون الجهاد فرضا .
فالحديث على ان الجهاد فرض على الكفاية أو العين بيان لنطاق وجوب هذا الفرض وهل يشمل كل مسلم ام يتوجه الى البعض دون الكل أما الحديث على أن الجهاد قد يجب أو يحرم فهو مرتهن بتوفر الأوصاف الشرعية التي علق الله عليها هذا الحكم , فإذا توفرت فنقول عندها الجهاد فرض على الكفاية أو على العين . أما أذا لم تتوفر فهنا يصير لجهاد ممنوعا ولا نبحث عند ذلك عن وجوب عيني أو كفائى لان الوجوب قد ارتفع وبيان ذلك من أكثر من وجه .
ـ الوجه الأول ارتباط الجهاد المشروع وجودا وعدما بتوفر الأسباب والشروط وانتفاء الموانع شأنه شأن الإحكام الشرعية الأخرى فعلى سبيل المثال : الصلاة فرض عين على كل مكلف لكنها تتحول الى التحريم على المرأة الحائض لان الحيض مانع يمنع من أداء الصلاة فتكون الصلاة محرمة فى حق هذه المرأة الحائض وان كانت فى الأصل فرضا عينيا وكذالك الجهاد الكفائى يحرم على الابن أذا لم يستأذن أبويه لأنه صلى الله علية وسلم قال لمن جاءه يستأذنه في الجهاد (أحى والداك ؟ قال : نعم قال ففيهما فجاهد) .أ . هـ.
ـ الوجه الثاني أن الجهاد المشروع يرتبط بالقدرة على إنفاذه سواء كان المقصود بالقدرة الاستعداد الشخصي أو القدرة الجماعية كما سبق وان ذكرنا ولذلك لم توجب الشريعة الجهاد الكفائى على الأعمى أو الأعرج أو المريض أو الصبي أو المرأة وذلك رغم قولنا أن الجهاد فرض كفائى او عيني .
ـ الوجه الثالث ارتباط الجهاد وجودا وعدما بمدى ما يحقق من مصالح ويدرؤه من مفاسد ولا يعقل أن يظل الجهاد واجبا رغم حدوث مفاسد عديدة تربو عن اى مصلحة يمكن تحصيلها منه ولا يمكن القول شرعا باستمرار وجوبه رغم تخلف الغاية المقصود بلوغها من ورائه وشان الجهاد كشأن الحج الذى يمثل احد أركان الإسلام الخمسة والذي يسقط وجوبه عن غير المستطيع ويسقط وجوبه عن من استطاعه ماديا و جسديا لكن هناك من يقطع علية الطريق ليقتله ويسلب ماله وهو إذا شرع في الحج رغم ذلك فلن يحقق الغرض الذى من أجلة قد خرج وسيسرق ماله وتزهق روحة .
ـ الوجه الرابع أن الجهاد تنطبق علية قاعدة ( كما شرع الله الإحكام شرع روافعها ) هذه القاعدة التي يبنيها لنا الإمام القرافى المالكى بقوله (كما شرع الله تعالى الإحكام شرع مبطلاتها وروافعها فشرع الإسلام وعقد الذمة سببين لعصمة الدماء . والردة والحرابة وزنى المحصن وحرابة الذمى روافع والسبي سبب الملك والعتق رافع له ولا يلزم من شرعه رافعا لحكم سبب أن يرفع لحكم غيرة )أ . هـ. الفروق 1/76
فالله شرع الجهاد لكن على سبيل المثال شرع ما يرفع حكمه مثل الجزية ترفع حكم الجهاد الواجب ليحل محلة المنع من قتال من دفعها.
ـ الوجه الخامس : أن رسول الله صلى الله علية وسلم الذى أنبأنا بان الجهاد فرض كفائى وحيانا عيني رأيناه يترك جهاد اليهود عند نزوله المدينة مهاجرا وأراد مصالحة غطفان فى غزوة الأحزاب كى يفرق جموع الأحزاب ورأيناه عقد صلح الحديبية مع قريش وكل هذا يدل على أن الجهاد يمكن أن يكون جائزا فى حالات وممنوعا فى حالات وواجبا فى حالات أخرى .
ـ الوجه السادس : إن فقهاء الأمة العظام كانوا منتبهين لهذا الامر ولذالك نجد فى أقوالهم ما يؤكد على أن الجهاد قد يكون واجبا تارة ومحرما تارة ومستحبا تارة ومكروها تارة وجائزا فى أحوال أخرى وهذا ما يمكن إدراكه من تأمل أقوال هؤلاء الأئمة الذين سنذكر بعضها كى تتضح هذه القضية الهامة .
ـ قال ابن جزى المالكى : ( و لا يجوز الانهزام إلا إذا زاد الكفار على ضعف المسلمين و المعتبر العدد على المشهور , وقيل القوة , وقيل اذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا لم يحل الانهزام ولو زاد الكفار على الضعف , وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى وان علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم فى نكاية العدو وجب الفرار , وقال أبو المعالى لا خلاف فى ذلك وإذا حصرت المدينة فضعفوا قال ربيعة الخروج الى القتال أحب الى من الموت جوعا ) أ.هـ القوانين الفقهية 109 ونفس المعنى لابن قدامة فى المغنى 10ـ 52 , ونهاية المحتاج 8ـ 66
ـ قال صاحب الدر المختار الحنفى :( فإن علم أنه إذا حارب قتل وإذا لم يحارب اسر لم يلزمه القتال ) أ. هـ الدر المختار 4ـ 127
ـ قال ابن عابدين فى الحاشية : ( " لم يلزمه القتال " يشير انه لو قاتل حتى قتل جاز لكن ذكر فى شرح السير أنه لا باس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئا بقتل او بجرح أو بهزم فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد و مدحهم فأما إن علم أنه لا ينكى فيهم فإنه لا يحل أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بحملته شئ من إعزاز الدين ) أ.هـ
ـ فانظر الى قول ابن جزى ( لم يحل الانهزام ) و ( الانصراف أولى ) و ( وجب الفرار ) و ( الخروج الى القتال أحب الى ) وانظر الى قول ابن عابدين ( لا بأس ) و ( فإنه لا يحل له ) كى يتبين لنا أن الجهاد فى سبيل الله يتطرق إليه الاحكام التكليفية الخمسة من وجوب وحرمة وكراهة وندب وإباحة .
ــ وبناء على ما سبق فيجب علينا ان نتوقع إن الجهاد تارة يكون محرما وتارة يكون واجبا , فإذا ما انتهينا عند النظر فى حكم الجهاد فى واقع معين إلى أنه محرم ؛ لعدم اكتمال شروطه أو لغياب سببه او لوجود مانع من موانعه أو لغلبة الظن على ترجيح حدوث مفاسد كبيرة من جرائه و فعند ذلك لا يصح البحث عن كونه فرضا عينيا ام كفائيا .
وذلك بخلاف لو توفرت الشروط وانتفت الموانع و تحققت المصالح فإن الجهاد عند ذلك يكون واجبا ؛ ثم يتم النظر بعد ذلك فى تحديد هذا الوجوب هل هو عينى أم كفائى .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|