إنهاء الجهاد... ضوابط و أحكام ـ الجزء الثانى. هناك من داخل الحركة الإسلامية من يرفض رفضاً قاطعاً أن يتم صلح بين أى تيار إسلامى والنظام الحاكم بالدولة التى يوجد بها هذا التيار وينطلق فى ذلك الرفض من أحد المقولات الآتية :
- لا يجوز عقد صلح ينهى القتال بين المسلمين و غيرهم و أن مثل هذا الصلح لهو من قبيل الخيانة و المراهنة المحرمة فى الدين و الضعف و الوهن .
- إذا جاز الصلح بين المسلمين وغيرهم فهؤلاء لا يصح أن يكون مع المرتدين بحال من الأحوال .
- وإذا جاز أن يتم صلح فلا يصح أن يكون دائماً .
وهذه المقولات تطرح بدورها أسئلة عدة تحتاج إلى إجابة عليها .
- هل الإسلام اعتمد استراتيجية الصلح مع أعدائه ؟
- هل يجوز الصلح مع كل أصناف المحاربين حتى لو كانوا مرتدين ؟
- هل الصلح له مدة محددة لا يجوز الزيادة عليها أم يجوز عقده إلى أجل غير مسمى ؟
كل هذه الأسئلة سنتعرف على إجابتها خلال الصفحات الآتية :
أولاً : الصلح .. خيار شرعى
قد تصاب بالضيق و بالعجب عندما تجد نفسك فى حاجة لإثبات ما هو ثابت و مستقر وبديهى .وهذا هو حالنا مع من أنكر جواز الصلح بين المسلمين و خصومهم ، فالمسألة أوضح من أن يمارى فيها ممار ، وأدلتها مبسوطة فى الكتاب والسنة ، وباب الصلح والموادعة من أبواب أى كتاب فقهى يقع بين أيدينا وما دام الأمر كذلك فمن أين جاء الخطأ لهؤلاء ؟
والمتأمل فيما يرددونه من استدلالات يجدها تدور حول الاحتجاج ببعض الآيات القرآنية كقوله تعالى: (فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ) والتى ظاهرها يدل على منع اللجوء إلى السلم والصلح أو الاحتجاج ببعض الأدلة العامة التى تنحصر عن تولى الكفار ، ومن ثم يعتبرون أن الصلح نوع من الموالاة الممنوعة . ومن الواضح أن خطأ هؤلاء نجم عن إهمال تفسير هذه الأدلة على ضوء باقى الآيات و الأحاديث و سيرة النبى صلى الله عليه وسلم التى تمس ذات الموضوع . و لو تأمل هؤلاء فى قوله تعالى : " و إن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله
وفى قوله تعالى : " و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما .. " وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم عن الحسن بن على رضى الله عنهما " إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين " .
لو تأملوا فى ذلك لعلموا أن الصلح أمر جائز قررته الشريعة و مارسه الرسول صلى الله عليه و سلم عملياً مع اليهود تارة و مع مشركى مكة فى الحديبية تارة أخرى و السؤال الذى يفرض نفسه عليهم : هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم بدلالة قوله تعالى : " فلا تهنوا وتدعوا للسلم وأنتم الأعلون " و هو الذى أنزل عليه القرآن و بلغه لأمته وطبقه عملياً بين ظهرانيهم ؟! هل كان الرسول صلى الله عليه و سلم وهو يعاهد قريشاً أو اليهود واقعاً فى موالاة ممنوعة ؟! حاشا و كلا والأجدر بهم أن يتهموا أنفسهم و فهمهم بدلاً من أن يزعموا زعماً يوقعهم فى اتهام النبى المعصوم صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعرون
بل إن الفقهاء كافة قد قرروا جواز المصالحة بل قد أوجبوها فى حالات معينة وفى ذلك يقول الشافعى الصغير كتاب الهدنة : من الهدون و هو السكون لسكون الفتنة بها إذ هى لغة المصالحة ، و شرعاً : مصالحة أهل الحرب على ترك القتال المدة الآنية بعوض أو غيره و تسمى موادعة ومسالمة و معاهدة و مهادنة و الأصل فيها قبل الإجماع أول سورة براءة و مهادنته صلى الله عليه و سلم قريشاً عام الحديبية و كانت سبباً لفتح مكة لأن أهلها لما خالطوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلم منهم خلق كثير أكثر ممن أسلم قبل و هى جائزة لا واجبة أصالة و إلا فالأوجه وجوبها إذا ترتب على تركها لحوق ضرر لنا لا يمكن تداركه . أ . هـ .
و يقول صاحب الهداية الحنفى فإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقاً منهم و كان فى ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به لقوله تعالى ( و إن جنحوا للسلم فاجنح لها و توكل على الله ) الأنفال : 61 و وادع رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه و بينهم عشر سنين و لأن الموادعة جهاد معنى إذا كان فيه خير للمسلمين لأن المقصود هو دفع شر حاصل به ، و لا يقتصر الحكم على المدة المروية لتعدى نبى إلى ما زاد عليها أ . هـ
وقد نجد من يقول أن الصلح لا يجوز إلا إذا جنح الخصوم إليه وطلبوه من أهل الإسلام وذلك لقوله تعالى : ( و إن جنحوا للسلم فاجنح لها ) وهذا فهم ليس بسديد يجيب عنه الإمام ابن القيم الجوزية عند استعراضه للفوائد الفقهية المأخوذة من صلح الحديبية فيقول : " ومنها جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه و لا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم أ . هـ .
وهذا أمر واضح مأخوذ من فعله صلى الله عليه وسلم عندما عرض ابتداءاً على غطفان إعطاءهم ثلث ثمار المدينة كى ينصرفوا عن قتاله و محاصرتهم المدينة مع الأحزاب فى غزوة الخندق .
هل الصلح جائز فقط فى حالة الضعف ؟
يقصر البعض جواز الصلح على حالة واحدة و هى قيام حالة الضعف بالمسلمين ، و الصواب أن الصلح جائز متى كان يحقق مصلحة الدين و أهل الإسلام بغض النظر عن توفر القوة أو الضعف و فى هذا المعنى يقول الشافعى الصغير: وإنما تعقد لمصلحة كضعفنا لقلة عدد و أهبة إذ هو الحامل على المهادنة عام الحديبية ، أو رجاء إسلامهم ، أو بذل الجزية ، أو إعانتهم لنا أو كفهم عن إعانة علينا ، أو بعد دارهم ، و لو مع قوتنا فى الجميع أ . هـ .
و قول الشافعى الصغير السابق يبين آفاق الصلح كحكم شرعى يمكن أن يلبى احتياجات الدولة المسلمة لمواجهة الظروف المختلفة التى قد تجعل من الصلح فائدة تربو على مصلحة القتال . و من تأمل فى تجدد الأحداث و الوقائع علم أن الواقع قد يأتى بأمور توجب الكف عن قتال البعض لظهور أعداء جدد أو لحدوث تغيير فى المواقف بما يرجى معه ممن يصالح أن يصير نصيراً للدين إلى غير ذلك مما يحتاج إلى تعامل شرعى سديد و حساب دقيق و نظر عميق
ثانياً : ضوابط الصلح مع المرتدين
يذهب البعض إلى أن الصلح جائز مشروع مع كل أحد إلا المرتدين ، لأن الصلح معهم يمثل إقراراً لهم على ردتهم ،
ويستدلون فى هذا الصدد بأقوال بعض العلماء الذين أشاروا إلى هذا المعنى مثل ما ذكره الإمام الماوردى فى قوله : فأما ما تفارق به دار الردة دار الحرب فمن أربعة أوجه : أحدهما : أنه لا يجوز أن يهادنوا على الموادعة فى ديارهم ويجوز أن يهادن أهل الحرب ،و الثانى : أنه لا يجوز أن يصالحوا على مال يقرون به على ردتهم و يجوز أن يصالح أهل الحرب أ . هـ .
وقد يظن البعض منهم أن عدم جواز الصلح مع المرتدين محل إجماع بين العلماء وهذا ظن فى غير محله ومن تتبع أقوال علماء المذاهب سينتهى إلى خطأ هذا الظن بدون كثير عناء . يقول صاحب الدر المختار الحنفى : ونصالح المرتدين لو غلبوا على بلدة و صارت دارهم دار حرب لو خيراً بلا مال و الا يغلبوا على بلدة ، لأن فيه تقرير المرتد على الردة و ذلك لا يجوز أ . هـ .
و لاحظ تفريق صاحب الدر المختار بين جواز مصالحة المرتدين إن كانت خيراً للمسلمين و عدم تجويز إقرار المرتد على ردته . و يقول ابن عابدين معلقاً على ذلك فى حاشيته على الدر المختار : قوله بلا مال أى بلا أخذه منهم لأنه فى معنى الجزية و هى لا تقبل منهم ، و لم يذكر صلحهم على أخذهم المال منا و لا شك فى جوازه عند الضرورة كما فى أهل الحرب أ . هـ .
و يقول ابن عابدين فى موضع آخر عند حديثه عن البغاة : قوله لو طلبوا الموادعة أى الصلح ترك قتالهم ، و قوله ولا يؤخذ منهم شىء أى على الموادعة لأنهم مسلمون و مثله فى المرتدين أ . هـ ، و يقول صاحب كتاب الهداية الحنفى : أما المرتدون فيوادعهم الإمام حتى ينظر فى أمرهم أ . هـ
ومع إطباق علماء المذهب الحنفى على جواز الصلح مع المرتدين تسقط دعوى الإجماع بدون أدنى عناء والمتأمل فى أقوال علماء المذهب الحنفى يجد أنها تتوافق مع الجواز العام للصلح المقرر فى الشريعة مع أهل الحرب وأهل الكتاب والبغاة وغيرهم ، وأن استثناء المرتدين من ذلك الجواز العام مع قيام مقتضيات الصلح معهم يحتاج لدليل مستقل وهذا الدليل مفتقد فى هذه المسالة ، و من ناحية أخرى فإن تجويز الصلح مع المرتدين لا يعنى بحال إقرارهم على ردتهم أو الرضا بمقولاتهم أو تحسين مذهبهم .
يقول صاحب بدائع الصنائع : و تجوز موادعة المرتدين إذا غلبوا على دار من دور الإسلام و خيف منهم ، و لم تؤمن غائلتهم لما فيه من مصلحة دفع الشر للحال و رجاء رجوعهم إلى الإسلام و توبتهم ، و لا يؤخذ منهم على ذلك مال ، لأن ذلك فى معنى الجزية ، و لا يجوز أخذ الجزية من المرتدين ، فإن أخذ منهم شيئاً لا يرد ، لأنه مال غير معصوم أ . هـ .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|