خامساً : الهجرة
وهى الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام أو إلى دار أمن و أمان لأهل الإيمان و لا يجهل أحد جواز هذا الأمر ، فالكل يعلم بهجرة الرسول صلى الله عليه و سلم إلى المدينة و هجرة المسلمين إليها ، و قبل ذلك كانت هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة لما ازداد اضطهاد قريش لهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ، وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه " أ . هـ .
يقول ابن قدامة المقدسى – رحمه الله – عن حكم الهجرة : وحكم الهجرة باق إلى يوم القيامة فى قول عامة أهل العلم ، و قال قوم قد انقطعت الهجرة أ . هـ .
ثم انتصر للقول ببقائها ، ثم شرع فى بيان تفصيل حكمها فقال : " فالناس فى الهجرة على ثلاثة أضرب :
أحدهما : من تجب عليه و هو من يقدر عليها و لا يمكنه إظهار دينه و لا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقول الله تعالى : " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم ؟ قالوا كنا مستضعفين فى الأرض ، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم و ساءت مصيراً " .
و هذا وعيد شديد يدل على الوجوب ، لأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه ، و الهجرة من ضرورة الواجب و تتمته و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
الثانى : من لا هجرة عليه و هو من يعجز عنها ، إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف من النساء ، و الولدان ، و شبههم ، فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى : " إلا المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم و كان الله عفواً غفوراً " و لا توصف باستحباب لأنها غير مقدور عليها .
و الثالث : من تستحب له و لا تجب عليه و هو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه و إقامته فى دار الكفر فتستحب له ليتمكن من جهادهم و تكثير المسلمين و معونتهم و يتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم و رؤية المنكر بينهم و لا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة و قد كان العباس عم النبى صلى الله عليه و سلم مقيماً بمكة مع إسلامه و روينا أن نعيم النحام حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدى فقالوا له أقم عندنا و أنت على دينك و نحن نمنعك ممن يريد أذاك و اكفنا ما كنت تكفينا ، و كان يقوم بيتامى بنى عدى و أرامله فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد فقال له النبى صلى الله عليه و سلم : " قومك كانوا خيراً لك من قومى لى ، قومى أخرجونى و أرادوا قتلى ، و قومك حفظوك و منعوك " فقال يا رسول الله بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله و جهاد عدوه و قومى ثبطونى عن الهجرة و طاعة الله ، و نحو هذا القول . أ . هـ .
فالهجرة قد تجب أو تستحب أو لا تجب على حسب أحوال أهل الإسلام و المصالح المترتبة عليها ، ويوضح ذلك ما أجاب به الإمام الرملى الشافعى على سؤال عن مدى وجوب الهجرة على المسلمين الساكنين ببلدة أراغون الأندلسية " وهم تحت ذمة سلطان نصرانى قد سلط عليها و يأخذ منهم خراج الأرض بقدر ما يصيبون منها و لم يتعد عليهم بظلم لا فى أموالهم أو أنفسهم ، و لهم جوامع يصلون فيها و يظهرون شعائر الإسلام عياناً و يقيمون شعائر الله جهراً .. فقال الإمام الرملى : بأنه لا تجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم ، لقدرتهم على إظهار دينهم به ، و لأنه صلى الله عليه و سلم بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينهم بها ، بل لا تجوز الهجرة منه ، لأنه يرجى بإقامتهم به إسلام غيرهم ، و لأنه دار إسلام فلو هاجروا منه صار دار حرب " . أ . هـ .
سادساً : طلب النصرة
فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، يعرض نفسه الكريمة على أحياء العرب فى مواسم الحج ليؤوه و ينصروه و يمنعوه ممن كذبه و خالفه و لم يجبه أحد لما ذخر الله تعالى للأنصار من الكرامة .
يقول الإمام ابن كثير – رحمه الله – قال بن إسحاق : ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أى من الطائف بعد أن رفضوا نصره ) مكة و قومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلاً مستضعفين ممن آمن به فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه فى المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الله – عز و جل – و يخبرهم أنه نبى مرسل و يسألهم أن يصدقوه و يمنعوه حتى يبين على الله ما بعثه عنه ( .... ) و قال موسى بن عتبة عن الزهرى : فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم فى تلك السنين يعرض على قبائل العرب فى كل موسم ، و يكلم كل شريف قوم ، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه و يمنعوه و يقول : " لا أكره أحداً منكم على شىء ، من رضى منكم بالذى أدعوه إليه فذلك ، و من كره لم أكرهه ، إنما أريد أن تحرزونى فيما يراد لى من القتل حتى أبلغ رسالة ربى ، و حتى يقضى الله لى و لمن صحبنى بما شاء " فلم يقبله أحد منهم . و ما يأت أحد من تلك القبائل إلا قال : قوم الرجل أعلم به ، أترون أن رجلاً يصلحنا فقد فسد قومه و لفظوه ؟! و كان ذلك مما ذخره الله للأنصار و أكرمهم به .
و قد روى الحافظ أبو نعيم عن طريق عبد الله بن الأحلج ويحيى بن سعيد الأموى كليهما عن محمد بن السائب الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس عن العباس . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أرى عندك ولا عند أخيك منعة فهل أنت مخرجى إلى السوق غداً حتى نقر إلى منازل قبائل الناس " و كانت مجمع العرب ، قال : فقلت : هذه كندة و لفها و هى أفضل من يحج البيت من اليمن ، و هذه منازل بكر بن وائل ، و هذه منازل عامر بن صعصعة ، فاختر لنفسك ؟ قال : فبدأ بكندة فأتاهم ، فقال ممن القوم ؟ قالوا : من أهل اليمن . قال : من أى اليمن ؟ قالوا : من كندة . قال : من أى كندة ؟ قالوا : من بنى عمرو بن معاوية ، قال : فهل لكم إلى خير ؟ قالوا : و ما هو ؟ قال : " تشهدون ألا إله إلا الله و تقيمون الصلاة و تؤمنون بما جاء من عند الله " قال عبد الله بن الأجلح : و حدثنى أبى عن أشياخ قومه أن كندة قالت له إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن الملك لله يجعله حيث يشاء " فقالوا : لا حاجة لنا فبما جئتنا به . وقال الكلبى : فقالوا : أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا و ننابذ العرب . إلحق بقومك فلا حاجة لنا بك . فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من بكر بن وائل . فقال من أى بكر بن وائل ؟ قالوا من بنى قيس بن ثعلبة قال : كيف العدد ؟ قالوا : كثير مثل الثرى . قال : فكيف المنعة ؟ قالوا : لا منعة ، جاورنا الفرس فنحن لا نمتنع منهم و لا نجير عليهم . قال " فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم و تستنكحوا نساءهم و تستعيدوا أبناءهم أن تسبحوا لله ثلاثاً و ثلاثين ، و تحمدوه ثلاثاً و ثلاثين ، و تكبروه أربعاً و ثلاثين " قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا رسول الله . ثم انطلق فلما ولى عنهم قال الكلبى : و كان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله ، ثم مر أبو لهب فقالوا : هل تعرف هذا الرجل ؟ قال : نعم ، هذا فى الذروة منا ، أى شأنه تسألون ؟ فأخبروه بما دعاهم إليه و قالوا : زعم أنه رسول الله قال : ألا لا ترفعوا برأسه قولاً ، فإنه مجنون يهذى من أم رأسه . قالوا : قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر . أ . هـ .
ثم أذن الله فى قدوم الأنصار عاماً بعد عام فبايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم على نصرته و تحول إليهم فى دارهم و أقام دولته .
سابعاً : الصلح و الهدنة و الموادعة
و هو خيار نبوى جاء مصداقاً لقوله تعالى : " و إن جنحوا للسلم فاجنح لها " الانفال ـ 61 قال الإمام ابن قدامة – رحمه الله – و معنى الهدنة أن يعقد لأهل الحرب عقداً على ترك القتال مدة بعوض أو بغير عوض و تسمى مهادنة و موادعة و معاهدة و ذلك جائز بدليل قول الله تعالى : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) وقال سبحانه ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) .المغنى 10ـ 517
و يقول أيضاً : و إذا عقد الهدنة لزمه الوفاء بها لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) و قال تعالى : ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) و لأنه لم يف بها لم يسكن إلى عقده و قد يحتاج إلى عقدها أ .هـ .المغنى 10ـ521
و قال الأمير الصنعانى تعليقاً على صلح الحديبية : الحديث دليل على جواز مهادنة المسلمين و أعدائهم من المشركين مدة معلومة لمصلحة يراها الإمام و إن كره ذلك أصحابه أ . هـ سبل السرم 4ـ 1379
و يقول الإمام بن القيم – رحمه الله – عن الفوائد الفقهية فى صلح الحديبية :و منها جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه و لا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم . أ . هـ .زاد الميعاد 2ــ 128
و المهادنة رغم أنها خيار نبوى قد نجد من يرفض إمكانية وقوعها بل و قد يأنف من مجرد ذكر لفظها ، لأنه يعدها من قبيل التنازل عما لا يصح التنازل عنه من أحكام الدين و يعتبرها نوعاً من الموالاة الممنوعة ، و صاحب هذا الفهم جانبه الصواب ، فلا حرج فى القول بجواز المهادنة فهذا تعبير لم يأنف أحد من الفقهاء من ذكره لأنهم يعلمون أن النبى صلى الله عليه و سلم قد هادن و وادع أقواماً له مخالفين .
و نعجب ممن يرفض هذا الخيار رغم أنه من هدى النبى الكريم صلى الله عليه و سلم كما نعجب من غفلته عن حكمة تقرير هذا الخيار و التى تدور حول تحقيق مصالح أهل الدين و التى تفرضها معطيات الواقع و مستجداته و التى ربما أدت إلى ظهور أعداء جدد أو طروء تهديد من جهة أخرى أشد خطورة من طرف آخر ، أو حدوث تغير فى المواقف مما يرجى معه ممن يصالح أن يصير نصيراً للدين أو يصبح سيفاً على من يريده بسوء إلى غير ذلك من الأمور التى قد تطرأ و تحتاج إلى تفاعل شرعى سديد معها .
و لا تناقض بين إتمام المهادنة و المصالحة و الاستمساك بأحكام الشرع الحنيف و الحفاظ على الموالاة ، ففارق بين وضع القتال و تصحيح مذاهب و عقائد من تقع معهم المعاهدة ، فقد صالح رسول الله صلى الله عليه و سلم قريشاً و لم يكن فى ذلك إهدار لحكم شرعى أو وقوع فى موالاة ممنوعة أو تصحيح لمذاهب باطلة و على هديه صلى الله عليه وسلم فلنسر .
ثامناً : التعايش
لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الخيار لأصحابه المهاجرين إلى الحبشة : بعدما اشتد الإيذاء عليهم فى مكة فقال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ، وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه " أ . هـ . ومن المعلوم أنهم سيذهبون إلى بلد تدين بغير الإسلام و ملكها لا يحكم بما أنزل الله وكان من المتوقع أن تؤلب عليهم قريش هذا الملك حتى تستعيدهم وهو ما حدث و وقع .
ولقد استمر المهاجرون إلى الحبشة على تلك السياسة حتى بعد أن هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وشرع الله الجهاد ، لقد استمرت هذه السياسة ولم يرسل إليهم النبى صلى الله عليه و سلم بتغييرها رغم أن النجاشى كان فى ظاهر الأمر على دين قومه ولم يكن حاكماً بشريعة الإسلام ، لأن صحابة النبى صلى الله عليه و سلم كانوا يدركون أنه فى حكم المكره على ذلك ، وأن المصلحة فى بقائه على هذا الحال الذى يوفر لهم الأمان وأنهم لو حاولوا أن يحملوه على الحكم بما أنزل الله فلن يستطيع أو يستطيعوا ، وإن وافقهم على ذلك لخلعه قومه و نكلوا به وبالمسلمين هناك .
فتعايش صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحبشة مع النجاشى قبل أن يسلم وأيضاً مع النظام القائم هناك بعد أن أسلم واخفى إسلامه ، ولقد كانوا فى الحالين مخلصين لدينهم محافظين على عقيدتهم لا يداهنون أحداً على حسابها ، ويكفى أن نستمع إلى الحوار الذى دار بين جعفر بن أبى طالب و النجاشى لنعلم و لنتعلم كيف يكون الدفاع عن العقيدة والثبات عليها وعدم التفريط فيها ،
يروى ابن كثير فى البداية والنهاية : وأرسل إليهم النجاشى فجمعهم ولم يكن شىء أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة من أن يسمع كلامهم فلما جاءهم رسول النجاشى إجتمع القوم – أى المسلمين – فقالوا : ماذا تقولون ؟ فقالوا : وماذا نقول ؟ نقول : والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان ، فلما دخلوا عليه كان الذى يكلمه منهم جعفر بن أبى طالب – رضى الله عنه – فقال له النجاشى : ما هذا الدين الذى أنتم عليه ؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا فى يهودية و لا نصرانية .
فقال له جعفر : أيها الملك كنا قوماً على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسىء الجوار ويستحل المحارم بعضنا من بعض فى سفك الدماء و غيرها ، لا نحل شيئاً و لا نحرمه . فبعث الله لنا نبياً من أنفسنا نعرف وفاءه و صدقه و أمانته . فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ، و نصل الأرحام ، و نحمى الجوار ، و نصلى لله عز وجل ، ونصوم له و لا نعبد غيره .
وقال زياد عن ابن اسحاق : فدعانا إلى الله لنوحده و نعبده و نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان ، و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الأرحام و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء ، و نهانا عن الفواحش و قول الزور و أكل مال اليتيم و قذف المحصنة و أمرنا أن نعبد الله و لا نشرك به شيئاً ، و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام . قال – فعدو عليه أمور الإسلام – فصدقناه و آمنا به و اتبعناه على ما جاء به من عند الله ، فعبدنا الله وحده لا شريك له – لم نشرك به شيئاً و حرمنا ما حرم علينا و أحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا فعذبونا يفتنونا عن ديننا و يردونا عن عبادة الأوثان من عبادة الله ، و أن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا و ظلمونا و ضيقوا علينا و حالوا بيننا و بين ديننا خرجنا إلى بلادك و اخترناك عن من سواك ، ورغبنا فى جوارك و رجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قال : فقال النجاشى : هل معك شىء مما جاء به ؟ و قد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله .
فقال له جعفر : نعم ، قال : هلم فاتل على مما جاء به ، فقرأ عليه صدراً من سورة مريم فبكى و الله النجاشى حتى اخضلت لحيته و بكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم ثم قال : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التى جاء بها موسى ، إنطلقوا راشدين ، لا و الله لا أردهم عليكم و لا أنعمكم عيناً . فخرجنا من عنده و كان أبقى الرجلين فينا عبد الله بن ربيعة فقال عمرو بن العاص : و الله لآتينه غداً بما استأصل به خضراءهم ، و لأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذى يعبد ، عيسى بن مريم عبد . فقال له عبد الله بن أبى ربيعة : لا تفعل فإنهم و إن كانوا خالفونا فإن لهم رحماً و لهم حقاً ، فقال : والله لأفعلن ! فلما كان الغد دخل عليه فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون فى عيسى قولاً عظيماً ، فأرسل إليهم فسلهم عنه . فبعث و الله إليهم و لم ينزل بنا مثلها ، فقال بعضنا لبعض : ماذا تقولون له فى عيسى إن هو يسألكم عنه ؟ فقالوا : نقول و ال فدخلوا عليه و عنده بطارقته فقال : ما تقولون فى عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر : نقول هو عبد الله و رسوله و روحه و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، فدلى النجاشى يده إلى الأرض فأخذ عوداً بين إصبعيه فقال ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته . فقال و إن تناخرتم .البداية والنهاية 2ـ88
إن هذه العلاقة التعايشية التى تحقق الأمان للفئة المؤمنة مع احتفاظها بتميزها و صفاء عقيدتها خيار جدير بالانتباه إليه متى وجد الطرف الآخر الذى لا يظلم عنده أحد له الذى قاله الله فيه ، و الذى أمرنا نبينا أن نقوله فيه
تاسعاً : الإعتزال و الحياد
و لا يقصد به اعتزال الناس و ترك مخالطتهم و لكن نقصد اعتزال الدخول فى صراع قائم بين أطراف آخرين و الوقوف على الحياد بينهم . وهذا الخيار دل عليه أمر النبى صلى الله عليه و سلم باعتزال المقاتلين فى قتال الفتنة والصراع على الدنيا و الملك و لقد وردت فى هذا أحاديث كثيرة نكتفى بأحدها :
عن عبد الله بن حباب رضى الله عنه قال : سمعت أبى يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (تكون فتنة فكن فيها عبد الله المقتول ولا تكن القاتل) اخرجه أحمد و الدارقطنى قال الأمير الصنعانى: والحديث دليل على ترك القتال عند ظهور الفتن والتحذير من الدخول فيها ، قال القرطبى : إختلف السلف فى ذلك ، فذهب سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمرو و محمد بن سلمة و غيرهم إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة ، فمنهم من قال أنه يجب عليه أن يلزم وقالت طائفة يجب عليه التحول من بلد الفتنة أصلاً ، ومنهم من قال يدافع عن نفسه وعن أهله وعن ماله وهو معذور إن قَتَل أو قتل وذهب جمهور الصحابة و التابعين إلى وجوب نصر الحق و قتال الباغين و حملوا هذه الأحاديث على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة الحق ، وقال بعضهم بالتفصيل وهو أنه إذا كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم فالقتال حينئذ ممنوع وتنزل الأحاديث على هذا وهو قول الأوزاعى .
وقال الطبرى : إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه فمن أعان المحق أصاب و من أعان المبطل أخطأ و إن أشكل الأمر فهى الحالة التى ورد النهى عن القتال فيها و قيل : إن النهى إنما هو فى آخر الزمان حيث تكون المقاتلة لطلب الملك . أ . هـ . سبل السلام 4ـ 1328, 1329
و هذا الاعتزال يحتاج لتدقيق كى يقع فى موقعه الصحيح حتى لا يحجم المرء عن أمر واجب عليه أو يقدم على أمر و هو مأمور بالبعد عنه
عاشراً : الردع و الجهاد
وهذا الخيار ينطلق من قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم و ما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم و أنتم لا تظلمون الانفال 60 و قوله تعالى: إنفروا خفافاً و ثقالاً و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون التوبة 41
و الآيات و الأحاديث الدالة على ذلك الخيار كثيرة و متعددة و سيرة النبى فى الجهاد واضحة و بينة .
فهذه بعض الخيارات و السياسات النبوية الراشدة ذكرنا منها عشرة خيارات لكل خيار منها فقهه و أحكامه التى تنظمه و توضحه ، و تحدد للمؤمنين متى يسلكونه و متى ينتهون عن انتهاجه .