الخميس 22 ذو القعدة 1429     20 نوفمبر 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلمركز دراسات بريطانى يقول ان سلمان رشدى والكثير من زملائه المتحررين , يتعرضون لضغوط
خبر وتعليق

انهيار الحوار الفلسطينى فى القاهرة مسئولية
حركة حماس
حركة فتح
كل الاطراف
اقتراعات سابقة

الخيارات النبوية الراشدة فى التعامل مع الواقع " 1".

لم يكتف الإسلام بالتبشير بغايات سامية و نبيلة فحسب ، إنما شرع بجوارها من المبادئ و الوسائل ما يجعلها واقعاً حياً معاشاً ، فأتت الغايات سامية و تعددت الوسائل الموصلة إليها بما يتلاءم مع كافة الأحوال . فلم يكن الإسلام غافلاً – و كيف يغفل و هو وحى من رب العالمين – عن اختلاف الأحوال كسمة لصيقة بالدنيا و البشر ، و لم يكن أيضاً غافلاً عن تجدد الواقع لحظة بعد لحظة و ما يفرضه ذلك من مستجدات قد تحتاج تفاعلاً جديداً معها ، و من هنا كان منطقياً أن تتعدد الوسائل التى يقدمها الإسلام لأبنائه لترشيد تعاملهم و علاقتهم بالواقع المعاش و أيضاً لجعلهم أكثر فاعلية فى تحقيق الغايات

والإسلام و هو يسعى لتغيير الواقع و تزيينه بقيم الإيمان يعلم أنه سيصطدم بمن يجهله و أيضاً بمن يرفضه ، و سيواجه من يعاديه و من يحاول محقه ، و من ثم كان العلاج الذى يقدمه الإسلام حتماً متنوعاً و مختلفاً ، فعلاج الجاهل المعرفة و علاج الرافض الإقناع ، و علاج العداء سل الخصومة ،  و دواء العدوان رد الاعتداء و قمع الأعداء .

والإسلام و هو يأمر أتباعه بترجمة منهج الله إلى واقع حى معاش يدرك أنهم تارة يقدرون و تارة لا يستطيعون ، و من ثم سلحهم بالوسائل التى تليق بكل حال ، و إذا لم يفعل ذلك لكان ديناً خيالياً متعنتاً يوقع أتباعه فى الحرج و يصيبهم بالعنت .

وكيف يتصور هذا وقد قال الله سبحانه ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج ) وصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ... )

الجهاد بين الفكر الحتمى و الخيارات النبوية الراشدة :

نعم لم يكن الإسلام ديناً واقعياً يعطى لأتباعه الأدوات المتنوعة للتعامل مع الواقع ، و يخطئ من ينسب نفسه للإسلام و يختزل تلك الأدوات فى أداة واحدة يلزمها و لا يتعداها و يجعلها حلاً لكل موقف حلاً أليق به يجب أن يبحث عنه و يتعرف عليه من بين الحلول و الوسائل التى تقدمها الشريعة للتعامل مع الواقع . لكن هذا الواجب هناك من لا يلتفت إليه فالمسألة عند البعض لا تحتاج لبحث فالجهاد هو الحل ، و القتال هو الطريق ، و قد ينطلق فى ذلك من فهم خاطىء يذهب إلى أن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة التى أتت بها الشريعة ، أو من تقدير خاطئ ينطلق من عدم جدوى غيره من الوسائل .

ولو تمعن هؤلاء الأحبة فى آيات القرآن و سيرة المصطفى عليه الصلاة و السلام لكفونا عناء المناقشة معهم ، و لعلموا أن الخيار العسكرى ليس هو الخيار اللازم دائماً أو الوسيلة الوحيدة الفريدة ، و لأدركوا أن الجهاد خيار من الخيارات ، و وسيلة ضمن وسائل لكل منها فقهها و أحكامها و ندعوهم للتعرف على الخيارات و السياسات النبوية الراشدة المؤيدة بالوحى و التى تزخر بها سيرته العطرة  و التى ترسم لنا معالم الطريق .

الخيارات النبوية الراشدة :

كانت إقامة الدين و تعبيد الناس لربهم محورا لحياة النبى صلى الله عليه و سلم من أجلها يتحرك ، وعلى أساسها يوالى ويعادى ، ولتحقيقها سلك كل سبيل فترك للمؤمنين ثروة من الخيارات والوسائل التى يتاح لهم أن يسلكوها وفقاً لما يحتاجه واقعهم وبما يحقق غايتهم .

وقبل أن نستعرض تلك الخيارات النبوية فإننا نعجب أشد العجب ممن يلزم أحد هذه الخيارات دون غيرها و لربما نجده يأنف من قبول بعضها – جهلاً بمشروعيتها – و ربما قد ينكر على من يطرحها ، و إنا لنعجب من هؤلاء و كأنهم لم يسمعوا قول ربهم : ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيراً ) .

 يقول الإمام بن كثير رحمه الله : هذه الآية الكريمة أصل كبير فى التأسى بالنبى صلى الله عليه و سلم فى أقواله و أفعاله وأحواله ، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى الناس بالتأسى بالنبى صلى الله عليه و سلم يوم الأحزاب فى صبره و مصا برته ومرابطته وانتظاره للفرج من ربه عز وجل أ . هـ .

لنسلط الأضواء الآن على تلك السياسات الشرعية و الخيارات النبوية و الوسائل الراشدة و ليكن لنا فى رسول الله أسوة حسنة  .

أولاً : الدعوة لدين الله : إستراتيجية الإقناع :

ولقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم ، دعوة لدين الله سبحانه و تعالى لقوله : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) و قوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ) و قوله تعالى : ( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين ) .

وهل ننسى جولاته الدعوية مع قريش و رحلته إلى الطائف و ما لاقاه من أذى فى سبيل نشر دعوة التوحيد ، حتى أذن الله و أرسل مصعب بن عمير داعياً هادياً إلى المدينة ففتح الله به ، حتى احتضنت المدينة دولة الإسلام الأولى بقيادة النبى صلى الله عليه و سلم ، ليواصل دعوته لكل القبائل من حوله  و أرسل الرسل إلى فارس و الروم دعاة و هداة لهذا الدين .

ثانياً : الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر : إستراتيجية التغيير و التصحيح :

جاء استجابة لقوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) وقوله : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )  .و أبان صلى الله عليه و سلم لأمته أهمية هذا الغرض العظيم و أوضح لها متى تأمر أو تنهى ، ومتى لا يصح أمر أو نهى ، كل ذلك التفصيل فى الأحكام المنظمة لهذه الوسيلة لدورها الحيوى فى تخليص المجتمع من سلبياته و تقوية مناعته .

ثالثاً : الصبر و المصابرة :

ولقد لزم الرسول صلى الله عليه و سلم هذا الخيار فى كثير من الأوقات قبل أن يؤمر بالجهاد و هو بمكة ، و أيضاً صبر على المنافقين و أذاهم بالمدينة و اليهود و مكرهم قبل أن يخرجهم منها ، و أمر بلزوم الصبر فى قتال الفتنة و إن لحقه أذى أو قتل مظلوماً .. ، و جعله الله خياراً للمستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلاً .

رابعاً : التعاون على البر و التقوى و التحالف على الخير و رد الظلم و العدوان :

ويأتى هذا الاختيار النبوى استجابة لقوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) .

وقد يرى البعض أن هذا التعاون أو التحالف على ما فيه خير أو لرد العسف و الظلم مقصور على التعاون أو التحالف مع المؤمنين دون غيرهم من العصاة أو الظالمين أو حتى الكافرين ، و هذا خطأ كبير لا يتفق مع سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم ، فطالما كان الأمر مشروعاً ويعد مما يحبه الله و رسوله فلا حرج فى التحالف أو التعاون على تحقيقه مع أى أحد كائناً من كان .

وذلك مأخوذ من أدلة عديدة نذكرها تباعاً :

الدليل الأول :

قول النبى صلى الله عليه و سلم عندما علم أن قريشاً تريد منعه من العمرة فى عام الحديبية : (  و الذى نفسى بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إيها ) أ . هـ .   و يستنبط الإمام ابن القيم – رحمه الله – من هذا حكماً دقيقاً بديعاً فيقول :  و منها أن المشركين و أهل البدع و الفجور و البغاة و الظلمة إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى أجيبوا إليها وأعطوه وأعينوا عليه و إن منعوا غيره ، فيعاونون على تعظيم حرمات الله تعالى لا على كفرهم و بغيهم  و يمنعون مما سوى ذلك ، فكل من التمس المعاونة على محبوب الله تعالى مرضٍ له أجيب إلى ذلك كائناً من كان ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه و هذا أدق المواضع و أصعبها و أشقها على النفوس و لذلك ضاق عنه من الصحابة ما ضاق  أ . هـ .

الدليل الثانى :

قوله صلى الله عليه و سلم :  ما كان من حلف فى الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة  أ . هـ .  و قوله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول الذى كان فى الجاهلية : ( لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لى به حمر النعم و لو ادعى به فى الإسلام لأجبت ) أ . هـ .

يقول الإمام أبو الحسن الماوردى :  هذا و إن كان فعلاً جاهلياً دعتهم إليه السياسة فقد صار بحضور رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما قاله فى تأكيد أمره حكماً شرعياً و فعلاً نبوياً  أ . هـ .

قال بن الأثير :  مادة حلف  فيه : أنه عليه السلام حالف بين قريش و الأنصار .

و فى حديث آخر : قال أنس رضى الله عنه : حالف رسول الله صلى الله عليه و سلم بين المهاجرين  و الأنصار فى دارنا مرتين ( أى آخى بينهم و عاهد) 

و فى حديث آخر ( لا حلف فى الإسلام ) و أصل الحلف : المعاقدة و المعاهدة على التعاضد و التساعد و الإنفاق ، فما كان منه فى الجاهلية على الفتن و القتال بين القبائل و الغارات فذلك الذى ورد النهى عنه فى الإسلام بقوله صلى الله عليه و سلم ( لا حلف فى الإسلام ) ، و ما كان منه فى الجاهلية على نصرة المظلوم و صلة الأرحام كحلف المطيبين و ما جرى مجراه فذلك الذى قال فيه صلى الله عليه  و سلم   (وأيما حلف فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) يريد من المعاقدة على الخير و نصرة الحق و بذلك يجتمع الحديثان ، و هذا هو الحلف الذى يقتضيه الإسلام ، و الممنوع منه ما خالف حكم الإسلام  . أ . هـ .

قال السهيلى بعد أن أورد قصة حلف الفضول وقوله صلى الله عليه وسلم :  (لو دعيت به اليوم لأجبت ) : يريد لو قال قائل من المظلومين يالحلف الفضول لأجبت ، و ذلك أن الإسلام إنما جاء بإقامة الحق و نصرة المظلومين ، فلم يزدد به هذا الحلف إلا قوة ، و قوله عليه السلام ( و ما كان من حلف فى الجاهلية فلن يزده الإسلام إلا شدة ) ليس معناه : أن يقول الحليف يالفلان لحلفائه فيجيبوه بل الشدة التى عنى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، إنما هى راجعة إلى معنى التواصل و التعاطف و التآلف ، و أما دعوى الجاهلية فقد دفعها الإسلام إلا ما كان من حلف الفضول كما قدمنا  أ . هـ .

الدليل الثالث :

قوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)   وقول النبى صلى الله عليه و سلم : ( أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) قيل يا رسول الله : هذا نصرته مظلوماً ، فكيف أنصره إذا كان ظالماً ! قال : ( تحجزه و تمنعه من ظلمه فذلك نصره)  أ . هـ .

الدليل الرابع :

المسيرة العملية لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، قد اشتملت على تعاون و تحالف على ما هو مشروع و ما فيه خير للإسلام و المسلمين مع غير المسلمين و ذكر من ذلك الوقائع الآتية :

1- عندما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كتب كتاباً بين المؤمنين من المهاجرين والأنصار واليهود ونقتطف منه بعض بنوده التى تبين طبيعة التحالف الذى نشأ فى ظله و بين أطرافه

24- و أن اليهود ينفوقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .

25- و أن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم و للمسلمين دينهم ، مواليهم و أنفسهم إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوقع إلا نفسه و أهل بيته .

37- و أن على اليهود نفقتهم و على المسلمين نفقتهم و أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، و أن بينهم النصح و النصيحة و البر دون الإثم ، و أنه لا يأثم امرىء بحليفه ، و أن النصر للمظلوم .

44- و أن بينهم النصر على من دهم يثرب .

47- وأنه لا يحول هذا الكتاب ودن ظالم أو آثم ، و أنه من حرج آمن و من قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم و أثم ، و أن الله جار لمن بر و اتقى .   محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم .

وهذه الصحيفة تحتاج لوقفة طويلة لتأمل العبقرية النبوية فى ترتيب أوضاع الجماعة المسلمة و تثبيت دعائم الدولة الإسلامية الناشئة ، وما ذكرناه عن طبيعة العلاقة التحالفية مع اليهود .

2- ميثاق الأمان الذى عقده رسول الله صلى الله عليه و سلم مع بنى ضمرة فى غزوة الأبواء فى صفر من السنة الثانية للهجرة .. و قد جاء فيه : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبنى ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم و أنفسهم و أن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا فى دين الله ما بل بحرٌ صوفه . وأن النبى إذا دعاهم لنصره أجابوه عليهم بذلك ذمة الله و ذمة رسوله و لهم النصر على من بر و اتقى  أ . هـ .

فهذه الوقائع و غيرها تؤكد مع أدلة الكتاب و السنة جواز التحالف كخيار للفئة المؤمنة تعقده مع من تشاء طالما كان يحقق مصلحة للدين ، و لا يخالف ما هو مشروع ، و لا يكون فيه مبغض لله أو يؤدى إلى مبغض لله أكبر من المحاب التى قصد بها .

و هذا الخيار يحتاج إلى نظر دقيق فى الأمور و تقدير صحيح للمصالح المرجوة و المفاسد المتوقعة  و موازنة متجردة بينهما ، وينبغى ألا يقوم به إلا أصحاب القلوب التقية و النفوس النقية و الإرادة القوية كى لا تدفع إليه أهواء النفوس أو تمنع منه تردد العقول ، و هو كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله :  وهذا من ادق المواضع و أصعبها و أشقها على النفوس و لذلك ضاق عنه من الصحابة ما ضاق  أ . هـ   

 

 

 

 

 



عودة الى الموسوعة الجهادية

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._