التميـيز بين المحاربيـن والمدنـيـيـن 
نظر الإسلام إلى الحرب نظرة واقعية , فاعترف بوجودها ولم يحاول إنكارها ولم يعارض دواعيها , لأنه يعلم أن طبيعة البشر وسنة الاجتماع الانسانى كثيرا ما تفضيان إلى التنازع و البغى والفتنة فى الدين ومادام هى كذلك فمن الواجب أن يصبغ الإسلام هذه الحروب بصبغته المتميزة التى تتجاوب مع مقتضيات الواقع من تطلع الفطرة الإنسانية لدفع الظلم , وفى نفس الوقت تضبط إيقاع هذه الحروب بما يجعلها ممزوجة بقيم الإسلام الأصيلة كالعدل والتسامح والرحمة .
وتتجلى روعة هذا النموذج الاسلامى فى أخطر قضايا الحروب , وأعنى بها قضية من يستهدف بالقتل أثناء الحرب , ففى ظل الوحشية التى كانت علما على الحروب قبل الإسلام , قدم الإسلام تصوره للحرب كيف تكون ومن يقتل فيها ومن لا يقتل , ورفض الإسلام إتباع الخطة البربرية التى كانت تقضى بقتل الأطفال كحال بعض الفراعنة ممن قص القران الكريم قول أحدهم : (قال سنقتّل أبنائهم و نستحى نساءهم وإنّا فوقهم قاهرون ) , كما رفض الاسلام السياسة التتارية التى تقضى بتدمير الأخضر واليابس وتفخر بإراقة أكبر قدر من الدماء البشرية .
هذب الاسلام الحروب تهذيبا جميلا وظهر ذلك جليا فى رؤيته المنظمة لحركة الجيوش والضابطة لتصرفات جنوده فى إطار فلسفة إنسانية راقية وحكمة بليغة .
ــ فلسفة التمييز بين المحاربين والمدنيين فى القتال :
وأبرز ملامح هذه الرؤية التهذيبية للحروب التى قدمها الإسلام للبشرية ذلك التفريق بين من يحارب ويقاتل ومن لا ينتصب للقتال أو يقاوم أو بعبارة أخرى التمييز بين المحاربين و المدنيين .
وكان هذا التمييز يعنى أمورا كثيرة :
1ـ أن الحرب فى الاسلام ليست ثأرية أو انتقامية تهدف إلى إفناء الخصم عن بكرة أبيه .
2ـ أن الاسلام يحترم النفس البشرية ويصونها و لا يستبيح إزهاقها إلا بقدر ما يحتاج إليه فى صلاح الخلق و رد العدوان على حد تعبير شيخ الاسلام ابن تيمية : فمن قاتل و اعتدى يقاتل دون ان يعتدى على غيره ممن لم يقاتل , وذلك أيضا امتثالا لقوله تعالى : ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
و يحمل هذا التمييز بين المحاربين والمدنيين حكمة جليلة تظهر حرص الإسلام على إحترام النفس البشرية التى جاء الاسلام لإصلاحها , فكيف يتوسع فى إزهاقها , ولذا كان منطقيا ألا يأمر الإسلام بقتل من لم يقاتل جيوشه , لان هذه الجيوش ما انطلقت إلا لصالح هؤلاء جميعا , فان أبى البعض منهم إلا مقاتلته فقد اختاروا هذا الموقف منهم , أما من لم ينتصب منهم للقتال فهذا له شان آخر و له معاملة لها منطق آخر .
فهؤلاء الذين لم ينتصبوا للقتال لا يسعى الإسلام لاستئصالهم , كما لا يسعى لإجبارهم على اعتناق عقيدته و التخلى عن دينهم إنما يريد أن يعطيهم فرصة لمراجعة أنفسهم , فلربما يدخل الإسلام قلوبهم طواعية .
ـ ولا يختلف اثنان على أن هذا الحكم ـ عدم استهدافهم ـ يمنع من توحدهم بصورة كاملة مع المقاتلين من قومهم, مما يجعلهم أكثر قابلية لقبول دعوة الإسلام .
ـ بالإضافة الى أن ترك قتالهم بيان لعدل الإسلام ورحمته وقطعا لكل قول يمكن ان يتهم الإسلام بالقسوة , وما أجمل قول الإمام ابن قدامة بهذا الصدد : وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن قتل النحلة , ونهى أن يقتل شئ من الدواب صبرا و لأنه فساد فيدخل فى عموم قوله تعالى : ( و إذا تولى سعى فى الأرض فسادا والله لا يحب الفساد ) .
فإذا كان الإسلام يعتبر قتل النحلة فسادا فهل يتصور منه قتل النحال ومن كان فى معناه ممن لم يقاتل .
ـ وقد يقول قائل ولكن هذا المنع من قتل المدنيين قد يؤدى إلى دخول فى قتال مع المسلمين ماداموا لن يقتلوا , والحق أن الإسلام كان واقعيا فى مواجهة هذا الاحتمال , إذ أباح قتل كل هذه الأصناف إذا ما شاركت فى القتال , قال الإمام الكاسانى : و الأصل أن كل من كان من أهل القتال يحل قتله سواء قاتل ام لم يقاتل وكل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأى و الطاعة و التحريض و أشباه ذلك .
| الإسم | baker |
| عنوان التعليق | جزاك الله خيرا |
| نشكر لك يا استاذ هذا الموضوع القيم الذي نحن في هذه الاوقات اشد ما نكون بحاجة للتفقه في احكام شريعتنا وفكركم في هذا الموقع فكر موضوعي واع متفهم يسعى جاهدا لمصلحة الدين وادنيا وشكرا |
عودة الى الموسوعة الجهادية
|