بدء الجهـــاد... و صنـــــع القرار الرشـــيد. ما أنعم الله على عبد من نعمة أعظم من بصيرة نافذة تنير له الظلمات ، و عقل رشيد يدله على الطريق و يقيمه عليه .ومن ثم قال القوم لشعيب ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) و قال لوط لقومه ( أليس منكم رجل رشيد )
و لما كان خلفاء النبى صلى الله عليه و سلم أبصر الناس قلوباً ، و أرشدهم عقولاً أمر النبى صلى الله عليه و سلم بإتباعهم ، وسماهم الراشدين فقال : ( عليكم بسنتى و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى ).
و لئن كان حقيقياً على كل عاقل أن ينظر فى قوله و عمله و أن يبصر مواضع قدمه ، و أن يسأل نفسه عند كل قول وعمل لم و كيف ؟
فإن قرار الجهاد يستوجب أكثر من ذلك من دقة النظر ، وحسن التأمل و الاعتبار ، ومراعاة مقاصد الشرع وغاياته .
فإن الأمر كلما عظم خطره ، و تدافع نفعه و ضرره كلما كان أحوج إلى عقل راجح ، و بصر نافذ .
و يمر قرار الجهاد عادة عبر ثلاث محطات رئيسية هامة تحتاج كل منها فهماً دقيقاً و تفكيراً عميقاً ، لأن أى إهمال فى ذلك لا يعنى سوى أننا بصدد وقوع مآس أليمة . و تمثل لحظة اتخاذ قرار الجهاد المحطة الأولى التى تليها محطة تحديد أولوياته ثم أخيراً محطة إنهاء الجهاد .
تعد لحظة اتخاذ القرار ببدء العمل العسكرى أخطر اللحظات و أدقها فى تاريخ أى حركة أو دولة ، لما يترتب عليه من نتائج قد تصل إلى تهديد وجود هذه الدولة أو تلك الحركة .
و ما دام الأمر بهذه الخطورة فمن المفترض أن يسبق لحظة اتخاذ القرار و جهد كبير متنوع لصنع هذا القرار و دراسة كل أبعاده و توقع نتائجه و البحث عن البدائل الأخرى التى يمكن أن تقوم مقام الجهاد فى تحقيق ذات الهدف .
و تمثل مرحلة صنع القرار و ما يصاحبها من تفكير عميق فى قرار الجهاد المقدمة الصحيحة و الضمانة الأكيدة للوصول إلى القرار الصائب قبل اقتحام الحروب و المعارك ، و لربما ينتهى التفكير إلى ترجيح عدم إنفاذ الجهاد أو المضى فيه مقدماً .
و كى نتعرف على كيفية اتخاذ القرار الرشيد فى الجهاد ينبغى علينا أولاً التعرف على المقصود بالقرار الرشيد :
تعريف القرار الرشيد :
يقدم علماء الإدارة تعريفات للقرار الرشيد نختار من بينها التعريف الآتى له :
القرار الرشيد هو الاختيار الواعى الذى استقر عليه متخذ القرار من جملة الاختيارات المتاحة أمامه باعتباره أنسب هذه الاختيارات لانجاز هدف معين يبتغيه أو لحل مشكلة يواجهها .
وهذا القرار كى يتسم بالرشد أن يكون أكثر الاختيارات أو القرارات المتاحة أمام متخذ القرار تحقيقاً لأهدافه بأقل تكلفة ممكنة وفى أقصر وقت مع انضباطه بأحكام الشريعة .
معالم على طريق الوصول للقرار الرشيد :
ولكن كيف يمكن الوصول إلى القرار الرشيد ؟
يمكننا تبسيط الإجابة بذكر بعض الخطوات الهامة التى تعد من المعالم الهامة على طريق الوصول للقرار الرشيد ، ومن هذه المعالم :
أولاً : ضرورة التمييز بين المراحل المختلفة التى يمر بها القرار :
اتخاذ القرار يمثل فى الحقيقة اللحظة النهائية فى مسيرة القرار قبل أن يدخل فى مرحلة جديدة تتعلق بتنفيذه و من ثم لا يصح اختزال الأمر كله فى مرحلة اتخاذ القرار فقط الآن ما يسبقها أكثر أهمية و ما يليها لا يقل عنها أهمية ، و يمكن تتبع تلك المراحل التى يمر بها القرار عبر الآتى :
1- مرحلة الإحساس بالحاجة لاتخاذ قرار سواء لتحقيق هدف أول لحل مشكلة .
2- مرحلة صنع القرار و ذلك عبر إسناد مهمة البحث و التفكير عن أنسب القرارات إلى الجهة المتخصصة فى نوعية القرار المراد اتخاذه .
3- مرحلة اتخاذ القرار بحسم الاختيار لأحد البدائل المقدمة من صانعى القرار بناء على مبررات قوية و أسس صحيحة .
4- مرحلة التمهيد لتنفيذ القرار و ذلك بتهيئة جميع الأطراف الذين سيمسهم القرار عند تنفيذه لاستقباله و التفاعل معه .
5- مرحلة تنفيذ القرار بوضعه موضع التنفيذ .
6- مرحلة متابعة التنفيذ .
7- مرحلة تقييم التنفيذ و تطوير القرار أو تعديله .
و من الواضح أن المراحل الثلاث الأولى هى التى تعنينا فيما نحن بصدده ، و بالتأمل فى هذه المراحل – الإحساس بالحاجة إلى اتخاذ القرار و صنع القرار ثم اتخاذه – يمكن أن نضع أيدينا على عدد من الأمور الهامة التى تسهم فى اتخاذ القرار الرشيد ، و هذه الأمور هى :
1- ضرورة إعطاء مرحلة صنع القرار حقها فى رحلة البحث عن القرار الرشيد ، فهى المرحلة الهامة التى يتم فيها استعراض كل وجهات النظر ، و تتاح فيها الفرصة للبحث عن كافة الحلول و استقصائها
2- أهمية الاستقصاء المعلوماتى لكل ما يتعلق بالقرار محل النظر كى يتم التفكير على أساس صحيح يسمح بالوصول إلى القرار الرشيد .
3- ضرورة إسناد مهمة صناعة القرار للمتخصصين فى موضوع القرار الذين يجيدون التعامل مع المعلومات تقييماً و تحليلاً و تفسيراً .
4- تبرز فى هذا أهمية التفكير و التأمل فى البحث عن القرار المطلوب مما يتطلب اتسام هذا التفكير بالموضوعية والعمق و الشمول و الواقعية و عدم الانفعال ، و الإبداع واستحضار الخبرات السابقة .
5- لا يصح بعد توفر ذلك كله أن تسند مهمة اتخاذ القرار إلى من لا ترقى قدراته إلى أهمية أو إلى من لا يلتفت إلى آراء غيره من المستشارين و المتخصصين ، لأن فى ذلك إضاعة لمجهود كل الذين يشاركون فى صناعة القرار فضلاً عن تعريض العمل بأسره إلى مخاطر سوء التقدير و الاختيار من مثل هذا المسئول .
و هنا لابد أن نسأل أنفسنا : هل قرارات الجهاد و القتال التى خاضتها أمتنا أو بعض حكومات شعوبنا أو بعض الحركات الجهادية كانت تتسم بهذه السمات ؟
وبعبارة أخرى هل ما حدث فى نكسة 1967 وقرار غزو العراق للكويت وقرار إعلان الجهاد على الصليبيين واليهود وأمريكا الذى أعلنته القاعدة فى 1998 , هل اتسمت هذه القرارات بتلك السمات ؟
الإجابة واضحة و لا تحتاج إلى تدليل .
ثانياً : ضرورة أن يكون القرار هادفاً :
القرار الرشيد قرار هادف إلى تحقيق إنجاز معين أو إلى حل مشكلة ما .
و لابد أن يتسم مثل هذا الهدف بسمات معينة أهمها :
1- التحديد و الوضوح و البعد عن الغموض .
2- الواقعية بمعنى إمكانية تحقيقه فى ظل الإمكانيات المملوكة و هو ما يستوجب البعد عن الأهداف المستحيلة والخيالية
3- المشروعية التى تعنى عدم اصطدام الهدف مع أحكام الشريعة الإسلامية أو مقاصدها الكلية .
ثالثاً : الاستقصاء المعلوماتى و استقصاء الحلول و البدائل :
لأنه ما من مشكلة إلا و لها أكثر من حل ، و ما من هدف إلا و له أكثر من طريق للوصول إليه ، فإنه من الضرورى القيام هنا بخطوتين أساسيتين هما :
1- الاستقصاء المعلوماتى لكل ما يخص المشكلة التى يبحث لها عن حل ، أو ما يتعلق بالهدف المراد إنجازه و ذلك برصد كل المعلومات التى لها علاقة بالهدف أو المشكلة محل النظر .
و لهذا الاستقصاء المعلوماتى أهمية كبرى فى تحديد الحلفاء و الأعداء و ترتيب أولويات الجهاد إذا ما وجدت دواعيه ، بالإضافة إلى أنه يسهم فى إدراك المستجدات المؤثرة على قرار الجهاد من حيث الدخول فيه أو الانصراف منه .
2- استقصاء البدائل المتاحة لحل المشكلة أو لتحقيق الهدف و هو ما يتطلب تفكيراً عميقاً و خبرات واسعة و عقلية إبداعية ، و هذا الاستقصاء للبدائل يمثل واحدة من أهم الخطوات للوصول للقرار الرشيد .
رابعاً : إختيار أنسب البدائل :
وفى هذه الخطوة يتم اختيار أنسب البدائل أو الحلول التى تم استقصاؤها ، و هذا الترجيح لبديل معين لا يتم مزاجياً أو عشوائياً و لكن هناك أسساً و معايير تحكم هذا الاختيار ، و أهم هذه المعايير هى :
1- الفعالية : ويقصد بها قدرة كل بديل من هذه البدائل على تحقيق الهدف المراد تحقيقه جزئياً أو كلياً .
2- الكلفة : ويقصد بها الإمكانيات التى يتطلبها كل بديل لتنفيذه .
3- الزمن : ويقصد به الزمن الذى يستغرقه كل بديل كى يتم تنفيذه .
4- الإيجابيات والسلبيات : وتعنى حصر الإيجابيات المتوقع حدوثها نتيجة تنفيذ كل بديل ، والسلبيات المتوقع وجودها عند تنفيذ أى بديل منها .
5- الإمكان و الواقعية : ويقصد بها مدى توفر القدرة على تنفيذه ومدى قابليته كل بديل للتطبيق والإمضاء .
6- المشروعية : ويقصد بها التأكد من موافقة كل بديل للقواعد والأحكام الشرعية ، ومن ناحية أخرى البحث عن توفر الأسباب واكتمال الشروط وانتفاء الموانع كى يمكن القول بأن الجهاد مشروع ولا شك فى أن الجهاد قد يكون أحد الخيارات الموجودة والتى تم استقصاؤها ولربما تأتى نتيجة هذه الموازنة بين هذه البدائل باستبعاد الجهاد ، سواء لعدم مشروعيته أو لعدم فاعليته أو لوجود بديل آخر أكثر فاعلية منه فى تحقيق الهدف أو لكلفته الزائدة أو لاستحالة تنفيذه أو لعدم وجود متسع من الوقت لانفاذه .
والأمر يتوقف فى ترجيح بديل عن غيره على اختيار البديل الذى يتصف بكونه أكثر فاعلية فى تحقيق الهدف بأقل كلفة وتتوفر القدرة على تنفيذه فى أقل وقت ممكن ، مع تحقيقه لأكثر إيجابيات و أقل سلبيات و بما يتوافق مع المشروعية الإسلامية .
خامساً : عدم الخضوع للضغوط التى تمارس لاتخاذ قرار خاطىء :
قلما ينجو متخذوا القرار من التعرض لضغوط تمارس عليهم من جهات شتى ، لتهدف إلى استصدار القرار على نحو يحقق رغبات هذه الجهة أو تلك .
و تارة تأتى هذه الضغوط من داخل الحركة التى يمثلها متخذ القرار ، و تارة أخرى قد تأتى من خارجها
و تظهر هذه الضغوط بقوة عندما يتعلق الأمر بقرارات هامة مصيرية كقرار الجهاد ، فهنا يجد متخذ القرار نفسه أمام ضغوط متنوعة و متعارضة ، فالمتحمسون و المتهورون عادة يضغطون من أجل المسارعة إلى إعلان الجهاد و اقتحام الأهوال ، و فى المقابل قد يد متخذ القرار نفسه أمام ضغوط معاكسة تأتى من جانب المخذلين الذين يخوفونه من ممارسته حتى لو كان لمقاومة المستعمر الغاشم أو المحتل الآثم .
و ربما تأتى الضغوط من جماعات أخرى فى صورة هجوم على الحركة التى يمثلها متخذ القرار بوصمها بالانهزامية و الجبن و دعوة أتباعها للانفضاض عنها .
و قد يتعرض متخذ القرار لضغوط ناجمة عن استفزاز مقصود من بعض الأجهزة لتوريطه فى مواجهة لا جدوى له منها و لا خير لحركته فيها .وهكذا تتنوع الضغوط على متخذ القرار مما يجعل مهمة اتخاذ القرار أكثر صعوبة و تعقيداً .
ومتخذو القرارات ليسوا على شاكلة واحدة فى تعاملهم مع هذه الضغوط ، فمنهم من ينثنى لها ويخضع ، ومنهم من يرفضها ويمضى لا يلوى على شىء دونما إعارتها أدنى اهتمام .
ولا شك فى أن المسلك الأمثل فى التعامل مع هذه الضغوط يتمثل فى النظر فيها و التعرف عليها ومعرفة أهداف أصحابها وتقييمها بشكل موضوعى لفرز ما يعبر عن آراء صادقة صحيحة عن ما يمثل ضغوطاً مغرضة لها دوافع خبيثة ، و فى كل الأحوال لا ينبغى الخضوع لأى ضغوط تسعى لاستصدار قرار خاطىء ، وهذا يتطلب أن يتسم متخذ القرار بالموضوعية فى التقييم والقوة النفسية لتحمل هذه الضغوط والأناة وعدم العجلة مع العزم الممزوج بالحزم .
سادساً : قرار الجهاد و القيادة الرشيدة :
لعله اتضح لنا أن قرار الجهاد قرار خطير و له أبعاد كثيرة متعددة و يحتاج لخبرات و كفاءات كثيرة متنوعة ، و لذا ينبغى أن يسند هذا القرار إلى هيئة قيادية تتسم بالرشد و المعرفة و الخبرة و التخصص و لها إلمام بالأبعاد المركبة المعقدة لمثل هذا القرار .
ومن أكبر الأخطاء التى نراها اليوم إسناد مثل هذا القرار لغير المؤهلين أو المتخصصين أو استبداد أحد الأفراد باتخاذه ، وكل هذا يمثل تضييعاً للأمانة وهو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن تضييع الأمانة ، فقال : ( أن يوسد الأمر إلى غير أهله ) .
فالقرار الرشيد يحتاج إلى قيادة رشيدة متعقلة تستوعب عصرها و واقعها ، و تدرك التحديات التى تواجه الأمة ، و تعى مؤامرات الأعداء و استراتيجيتهم مع تحديد الأولويات ، و تحسن توظيف القدرات ، و تبدع فى اختيار الحلول ، و تثابر حتى تحقق الأهداف دون كلل أو ملل .
و لنا أن نكرر السؤال الآن بعد أن أشرنا إلى أهم سمات القرار الرشيد و أوضحنا بعض المعالم على طريق الوصول إليه : هل نجد فى واقع الممارسة الجهادية اليوم إلتزاماً بتلك السمات ؟
و لا شك أن قرار الجهاد لا يصير قراراً رشيداً إلا إذا روعى فيه أولويات الجهاد المطلوبة .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|