الجهاد بين الدفاع و الهجوم 
لا يختلف اثنان على ضرورة جهاد الأعداء إذا ما هاجموا ديار الإسلام و على وجوب دفع و رد هذا العدوان ، و هذا النوع من الجهاد يطلق عليه العلماء ( جهاد الدفع ) و هو ما يندرج فى عداد فروض الأعيان على كل مسلم من المسلمين و يسمى بقتال الاضطرار .
و لكن جهاد الدفع ليس هو النوع الوحيد عند العديد من العلماء ، فهناك ما يسمى بقتال الاختيار . و فى هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين ، فإنه يصير دفعه واجباً على المقصودين كلهم ، و على غير المقصودين ، لإعانتهم ، كما قال الله تعالى ( وان استنصروكم فى الدين فعليكم النصرإلا على قوم بينكم و بينهم ميثاق ) الأنفال : 72 ، و كما أمر النبى صلى الله عليه و سلم بنصر المسلم ، و سواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن ، و هذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه و ماله ، و القلة و الكثرة ، و المشى و الركوب ، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله فى تركه لأحد ، كما أذن فى ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو ، الذى قسمهم فيه إلى قاعد و خارج . بل ذم الذين يستأذنون النبى صلى الله عليه و سلم ( يقولون إن بيوتنا بعورة و ما هى بعورة إن يريدون إلا فرارا ) الأحزاب : 13 هذا دفع عن الدين و الحرمة و الأنفس ، و هو قتال اضطرار ، و ذلك قتال اختيار للزيادة فى الدين و إعلائه ، و لإرهاب العدو ، كغزاة تبوك و نحوها . أ . هـ .
و لعل هذا القول يبين لنا الفارق بين جهاد الدفع و جهاد الطلب :
- فجهاد الدفع أو الدفاع هو قتال اضطرارى و جهاد الطلب هو قتال اختيارى .
- يعد جهاد الدفع فرضاً عينياً ، أما جهاد الطلب فيعد فرضاً كفائياً .
- يفوض إنفاذ جهاد الطلب إلى الحاكم و تقديره للمصلحة المبتغاة من ورائه .
- و إذا ظهر الفارق بين نوعى الجهاد عند أغلب العلماء فهناك من العلماء – خاصة المعاصرين منهم – من يرى أن الجهاد شرع لرد العدوان فقط على ديار الإسلام و أهل الإيمان أما جهاد الطلب فلا وجود له و لم تعرفه الشريعة موقف العلماء من جهاد الدفع و جهاد الطلب :
يمكن أن نميز بين ثلاثة مواقف للعلماء من انقسام الجهاد إلى جهاد للدفع و جهاد للطلب كالآتى :
القول الأول : مشروعية جهاد الدفع و جهاد الطلب :
وهذا القول عليه جل علماء السلف وأكثر العلماء المعاصرين ويستدلون على مشروعية جهاد الطلب بأدلة عديدة من الكتاب و السنة أهمها :
قوله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة )
و قوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين لله ) , وقوله تعالى :( وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) .
و قوله تعالى :( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) .
ولقوله صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) أ . هـ
كما يستدلون لفتوحات المسلمين الأوائل فى عهد الخلفاء الراشدين و الدولة الأموية و الدولة العباسية و التى وصل فيها الإسلام إلى الصين شرقاً و الأندلس غرباً و لا يتصور أن تكون هذه الفتوحات كلها من جنس جهاد الدفاع و رد العدوان .
القول الثانى : مشروعية جهاد الدفع دون جهاد الطلب :
ويتبنى هذا الرأى بعض العلماء المعاصرين على وجه الخصوص و يستدلون بعدة أدلة أهمها :
قوله تعالى : ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
قوله تعالى : ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى ) وجهاد الطلب لنشر الدين يعد إكراهاً ممنوعاً بنص الآية على حد قولهم ، ويعتبرون أن القول بجهاد الطلب فى ظل ضعف أهل الإسلام قد يجلب عليهم عداء الأمم الأخرى التى تمتلك ناصية القوة فى عالمنا اليوم .
القول الثالث :
وهو قول يتوافق ظاهرياً مع القول الثانى ويقترب فى مضمونه من القول الأول حيث يذهب أصحاب هذا القول إلى وجوب جهاد الدفع و يوسعون معنى الدفع المقصود ليشمل صوراً كثيرة عديدة مثل الدفاع عن المظلومين فى العالم ونصرة الأقليات الإسلامية ومقاومة الطغيان والاستكبار العالمى ، أما بالنسبة للجهاد لنشر الدين فهو مرتبط عندهم بوجود عوائق يضعها خصوم الإسلام أمام نشر الدعوة فى بلادهم فإن لم توجد مثل هذه العوائق و سمح لدعوة الإسلام بالانتشار فلا يصح القيام بالجهاد حينذاك و يعتمدون فى هذا القول على ما سبق أن أبداه أصحاب القولين السابقين بالإضافة إلى :
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أمرائه : ( إنك تأتى قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله و أنى رسول الله فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم و ليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم و ترد على فقرائهم ... ) أ . هـ .
و وجه الدلالة من الحديث عندهم أنه طالما أمكن دعوتهم و وجدت الاستجابة منهم فلا يصح الانتقال إلى ما وراء ذلك و المشاهد اليوم فى العالم السماح بعرض دعوة الإسلام دون عوائق فى تلك البلاد والملاحظ أيضاً أن الاستجابة لها تزداد يوماً بعد يوم .
العالم الإسلامى فى اليوم بين جهاد الدفع و جهاد الطلب :
و الذى يتأمل فى حال العالم الإسلامى اليوم سيجد أن هذا الخلاف النظرى بين أصحاب الأقوال الثلاثة لن يكون له أى وجود ، لأنه لا يختلف اثنان على أن الأمة الإسلامية اليوم تعيش مرحلة الدفاع عن وجودها سواء فى ديارها أو فى خارجها حيث تعيش الأقليات المسلمة .
فالأمة تعيش الآن حالة الدفاع عن الذات و الهوية و لا تنظر إلى الجهاد و الهجومى من قريب أو بعيد والنظرة العابرة إلى خريطة العالم الإسلامى حيث أفغانستان و الشيشان و كشمير و العراق و فلسطين و السودان تؤكد تلك الحقيقة ، وتؤكد أن أعداء الأمة الإسلامية اليوم هم الذين يمارسون القتال الهجومى أو الاستباقى على بلدانها ، و هم الذين يخوضون الحروب خارج ديارهم لنهب ثروات أمتنا بالخليج و وسط آسيا و غيرها .
نعم أمتنا هى التى تعانى من المحاولات الأمريكية و الغربية لفرض القيم الغربية عليها و إكراهها على اعتناقها ، ذلك رغم أن كل علماء الأمة سواء القائلين بجواز جهاد الطلب أو الرافضين له لم يقل منهم أحد بجواز الإكراه لأى أحد على دخول دين الإسلام أو فرض عليه اعتناق قيمة أو أفكاره .
ولذلك فلا حرج فى القول بجواز الجهاد للدفاع أو للطلب طالما أنه يتقيد بتلك المفاهيم الإسلامية الراقية التى تنظر إلى نشر الخير للعاملين دون إكراه أو سلب للخيرات ، و لا نجد أفضل من قول الشيخ سعيد رمضان البوطى معبراً عن هذه الرؤية حيث يقول : ذلك لأن الجهاد فى أصل مشروعيته غير ناظر إلى هجوم و لا إلى دفاع ، إنما هو يستهدف إعلاء كلمة الله تعالى و إشادة صرح المجتمع الإسلامى السليم و إقامة دولة الله فى الأرض و أياً كانت الوسيلة المتعينة إلى ذلك و جب إتباعها ,وقد تكون الوسيلة لظروف ما المسالمة و بث النصيحة والتعليم و الإرشاد ، وعندئذ لا يفسر الجهاد إلا بذلك .
وقد تكون الوسيلة لظرف آخر الحرب الدفاعية مع النصح و الإرشاد و التوجيه ، فهذا هو الجهاد المشروع حينئذ .
وقد تكون الوسيلة المتعينة لظروف أخرى الحرب الهجومية فهى عندئذ ذروة الجهاد و أشرفه .
وإنما يقدر الظروف و يعين الوسيلة و يحددها الحاكم المسلم المتبصر الواعى المخلص لله و رسوله و لعامة المسلمين و هذا يعنى أن جميع هذه الوسائل الثلاث مشروعة فى تحقيق الجهاد ، على أن لا يطبق منها إلا ما تقتضيه المصلحة الآنية التى يقدرها الحاكم المخلص ، و يتبادل التطبيق ليس من النسخ فى شىء . أ . هـ .
وينبغى الإشارة إلى أن القول بالجهاد الدفاعى أو الهجومى لا يمنع دخول أهل الإسلام فى صلح مع هذا الطرف أو ذاك أو التعاون مع أى طرف آخر على ما فيه خير يتفق مع مقاصد الشريعة و غاياتها ، فهذه قضية و تلك قضية أخرى ، لأنه ليس هناك ارتباط بين قبول الإسلام للتعايش مع غيره من الأمم و القول بأن الجهاد للهجوم أو للدفاع ، ممثل هذا القول لا يمنع من عقد الدولة المسلمة لمعاهدات مع غيرها من الأمم و لا يحول بين التواصل الحضارى بينها و بين غيرها من الحضارات.
عودة الى الموسوعة الجهادية
|