تدمير البنية التحتية جهاد مشروع ..أم إفساد ممنوع 
بقلم د. عصام دربالة ..لقد جاء الإسلام منحازاً للحرب العادلة النظيفة فالحرب حقيقية واقعية لا مفر من وقوعها أحيانا و من ثم يجب تهذيبها فلا تكون همجية و وحشية يستخدم فيها كل أنواع الأساليب لتحقيق النصر دون التقيد بشىء كحرب البسوس و حرب داحس و الغبراء و التتار و ما كان فيها من أساليب وحشية و وسائل قذرة . و لذلك كان أوْلى الأمور التى تحتاج إلى تهذيب هى الوسائل و الأساليب . فالإسلام قد اختط لنفسه خطة واقعية فى الحرب فهو يوازن بين أمرين :
ـ تهذيب الوسائل والأساليب .
الحفاظ على الفاعلية فى أداء الجيوش .
ـ ويتبدى هذا التوازن فى الآتى :
1- حصر نطاق القتل فى أضيق نطاق ممكن :
فقد ضيق الإسلام دائرة القتل و جعلها محصورة فى الذين يقاتلون دون غيرهم من النساء و الأطفال و المدنيين و الصناع وغيرهم . و للحفاظ على الفاعلية فى أداء الجيوش فقد أباح قتل أى من هؤلاء المدنيين متى شارك أحدهم فى القتال بالفعل أو الرأى أو التدبير .
وكذلك التعامل مع الأسرى فقد جعل لإمام المسلمين خيارات ثلاثة : المن – الفداء – المبادلة
ولم يوجب الإسلام الإجهاز على الجريح إذا أمن عدم معاودته للقتال .
ولم يجز الإسلام عقر الدواب إلا لأكل لابد منه ، ولم يجز لجنوده تغريق النحل ، فقد قال بن قدامة ( أن تغريق النحل وتحريقه لا يجوز فى قول عامة أهل العلم منهم الشافعى والأوزاعى والليث ) . و لقد ورد عن النبى النهى عن قتل النحلة و نهى أن يقتل شىء من الدواب و لأنه إفساد فيدخل فى قول الله تعالى ( وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.... ) .
ولكن من أجل الحفاظ على الفاعلية فقد أجاز الإسلام عقر ما يُعلم أن الكفار يمكن أن يستخدموه حال الحرب ضد جيش المسلمين إذا ما تركوه .
2- حصر نطاق التدمير فى أضيق نطاق ممكن :
وذلك واضح فى وصية أبو بكر ليزيد ( يا يزيد لا تقتلن امرأة و لا صبياً و لا كبيراً هرماً ولا تقطعن شجراً مثمراً ولا تخربن عامراً ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلةٍ ولا تحرق نحلاً ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تجبن ) . وللحفاظ على الفاعلية أباح الإسلام إتلاف الأشجار والمزروعات القريبة من حصون العدو لأمر فيه مصلحة .
3- البعد عن الأساليب القاسية إلا لضرورة :
وهذه الأساليب مثل التحريق والتغريق لا يلجأ إليها إلا عند العجز عن الانتصار على العدو إلا بها . قال ابن قدامة ( وإذا حورب العدو لم يحرقوا بالنار . أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بلا خلاف ) .
4- عدم اللجوء إلى أساليب القتل و التدمير إذا كان الغرض المقصود يمكن أن يتم بدونها .
ذلك لأن هدف الإسلام تقليص القتل و التدمير إلى أدنى حد ممكن ، وفى ذلك يقول ابن قدامة ( وكذلك الحكم فى فتح البثوق عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز ) .
ويقول بن عابدين الحنفى ( لكن جواز التحريق و التغريق مقيد بما إذا لم يتمكنوا من الظفر بهم بدون ذلك بلا مشقة عظيمة فإن تمكنوا بدونها فلا يجوز لأن فيه إهلاك أطفالهم ونسائهم ومن عندهم من المسلمين )
5- إحترام الاتفاقيات المعقودة..
وجواز إعمال قاعدة المعاملة بالمثل بشأن الأساليب والوسائل الممنوعة من القتال وسواء كانت الاتفاقيات ثنائية أو دولية فإن الإسلام يتيح لأتباعه الدخول فيها . ويتيح اتباع قاعدة المعاملة بالمثل بشرط عدم الإخلال بأحكام شرعية قطعية .
يقول بن قدامة ( ولا يقطع شجرهم ولا يحرق زرعهم إلا أن يكونوا يفعلون ذلك فى بلادنا فتفعل ذلك بهم لينتهوا ... ) .
هذه بعض الأحكام و القواعد التى هذَّب بها الإسلام الوسائل و الأساليب القتالية بما يحقق الرحمة و العدالة دون إخلال بفاعلية أداء الجيوش .
تجربة الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر :
لقد قامت الجماعة بأعمال تدمير كثيرة شملت مدارس و منشآت حكومية و محطات كهرباء و غيرها وذلك عندما قام الجيش بإلغاء نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية و التى فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ .
وكان هدف الجماعة من وراء ذلك عدة أمور :
1- إرهاق الدولة الجزائرية .
2- حرمان الجيش من الخدمات التى تقدمها المؤسسات .
3- تشتيت قوات الجيش الجزائرى
وقد ترتب على هذه العمليات كثير من الدمار و الضحايا ، و تزايداً مطرداً فى النقمة الشعبية على الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية .
وللإجابة على مشروعية هذه العمليات يجب أن نعرف المقصود بالبنية التحتية ، و المؤسسات الحكومية و ماذا يعنى تدميرها :
أولا : المؤسسات الحكومية : هى هيئات تقدم خدمات معينة لمجموع المواطنين من خلال مجموعة موظفين تحكمهم أسس و قواعد مقررة سلفاً من قبل الدولة .
ثانيا : البينة التحتية : هى مجموعة المشروعات و الإنشاءات النوعية التى يتم تمويلها من ميزانية الدولة و هدفها وصول الخدمات إلى المواطنين . و من أمثلة ذلك : الترع و الطرق و الكبارى و محطات المياه و الكهرباء و الصرف الصحى و المدارس و المصانع و غيرها .
ومن التوصيف السابق يتضح أن ملكية هذه المؤسسات أو البنى التحتية لا تعود لشخص بعينه أو لبعض الحكام و إنما تعود ملكيتها الحقيقية إلى كل الشعب ، كما أنها تقدم خدمات مباحة لمجموع المواطنين و موظفوها غالباً من أهل البلاد نفسها . و مما سبق يمكن القول أنه لا يجوز القيام بتدمير البنى التحتية أو المؤسسات الحكومية فى ديار الإسلام للآتى :
1- أن التدمير قد يؤدى إلى قتل من لا يجوز قتله .
2- أن التدمير قد يؤدى إلى تدمير ممتلكات لا يصح إتلافها لأنها ملك لكل الشعب و لا خصومة و لا حرب بين هذه الحركات و تلك الجموع الشعبية .
3- أن هذا من الفساد المنهى عنه شرعاً .
4- أن تدمير المؤسسات و البنى التحيتة كمحطات المياه و الكهرباء و المستشفيات يلحق الضرر و المشقة للمسلمين و أبنائهم بدون جريمة ارتكبوها . قال النبى صلى الله عليه و سلم " لا ضرر ولا ضرار " .
5- أن المفاسد الناجمة عن هذا التدمير يربو بكثير عن المصالح المراد تحصيلها من ورائها و من أعظم هذه المفاسد النقمة الشعبية ضد كل ما هو إسلامى خاصة إذا تعطلت مصالح الناس الصحية و التجارية و الزراعية أو نتيجة للمشقة التى تعترى حياتهم إذا ما أصيبوا فى مرافقهم كالمياه و الكهرباء و الصرف الصحى ... إلخ . لا سيما أنه يمكن أن يكون من بينهم من يكون محباً للدين و للعاملين له فيتحول هذا إلى عداء نتيجة لهذه العمليات .
6- إذا كان الفقهاء لم يجيزوا عقر دواب المشركين أو تحريق نحلهم أو قطع شجرهم فى ديارهم أثناء الحرب .. فهل يصح تدمير هذه الأشياء فى ديار الإسلام و هى مملوكة لجموع المسلمين و غيرهم و لا حرب بينهم و بين من يقوم بهذه العمليات .
وأخيراً فإن استهداف مثل هذه المنشآت بالتدمير سيؤدى إلى تعكر صفو العلاقة الطيبة بين الشعب و بين العاملين للإسلام مما يؤدى إلى إنفضاض الناس عن دعوتهم .
أدلة المبيحين لتدمير البنية التحتية و الرد عليهم :
1- القول بأن المسلمين ارتدوا عن الإسلام فليست هذه البنية مملوكة للمسلمين .
و الرد :
أ- أن القول بوقوع المسلمين جميعاً فى رِدَّة جماعية قول يفتقر إلى دليل و يكذبه الواقع . حيث نرى كثير من المسلمين يؤدون واجباتهم الشرعية و لا يتلبسون بأى من المكفرات المخرجة عن الملة عن عمد أو علم أو رضا ، هذا فضلا عن وجود العديد من الحركات الإسلامية الملتزمة بعقيدة أهل السنة و الجماعة فى الأقطار الإسلامية .
ب- أن الاعتماد على المسلمين يفشو فيهم الكثير من الذنوب و المعاصى كالسرقة و الخمر و الزنى للقول بردتهم عن الإسلام و هو قول لا يصح و ذلك لأن مذهب أهل السنة و الجماعة أن فعل هذه المعاصى لا يخرج من ملة الإسلام و أنها تعد من نواقص الإيمان و ليست من نواقضه .قال تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .
ج- أنه لا يصح القول بتكفير شعب من الشعوب الإسلامية بأسره لوجود بعض المسلمين أيا كان عددهم يقعون فى بعض الأفعال الشركية كالذبح و النذر و الدعاء لغير الله و هؤلاء ما وقعوا فى تلك الشركيات إلا من جراء الجهل الذى يعدو عذرا يمنع من لحوق حكم الكفر بهم . و فى ذلك يقول بن تيمية فى عقيدة الموحدين ( .... ولكن لغلبة و قلة العلم بآثار الرسالة فى كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك ) ( أى بدعاء الأموات و الصالحين بلفظ الاستغاثة ) حتى يبين ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم مما يخالفه
د- لا يصح تكفير شعب بأسره إعتماداً على وقوع أفراده فى الموالاة المحرمة لغير المسلمين و الواقع يكذب ذلك لأن هناك العديد من أبناء الشعب يلتزمون بأحكام الموالاة . و إن صور الموالاة التى يقع فيها بعض المسلمين لا تدخل فى عداد الموالاة الموجبة للتكفير و إن كانت موجبة للتأثيم . و هى من جنس الموالاة الممنوعة كالتى وقع فيها الصحابى حاطب بن أبى بلتعة .
ومما سبق يتضح عدم صحة ادعاء ردة الشعوب الإسلامية بأسرها على دين الإسلام .
2- الاحتجاج بأن الرسول أمر بتحريق نخل بنى النضير و أن الفقهاء أخذوا من ذلك جواز إتلاف الأشجار و المزروعات لضرورة الحرب .
والرد : من وجهين :
الأول : أن نخل بنى النضير كان مملوكا لغير المسلمين فى قتال قائم و حرب دائرة ، أما تدمير البنية التحتية موجه لمال مملوك لساكنى البلاد من المسلمين .
الثانى : أن الفقهاء راعوا أمرين عند القول بجواز إتلاف هذه المرافق حتى لغير المسلمين هما :
1- ألا يتضرر المسلمون من هذا الإتلاف أو التدمير .
2- مراعاة المعاملة بالمثل للعدو .
وفى ذلك يقول بن قدامة ( إن ما يحرم قطعه أو إتلافه هو ما يتضرر المسلمون بقطعه لكونهم ينتفعون ببقائه لعلوقتهم أو يستظلون به أو يأكلون من ثمره ... )
ونذكر أخيراً أن النبى صلى الله عليه و سلم نهى عن قتل النحلة ، و علل بن قدامة ذلك بقوله : أنه فساد فيدخل فى عموم قول الله تعالى ( وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ).. الآية .ورحم الله أبا بكر الصديق عندما أوصى يزيد بن أبى سفيان حين بعثه أمير فقال :( ولا تخربن عامراً ) أ . هـ
عودة الى الموسوعة الجهادية
|