|
لغة القصة..رسالة إلى كتاب القصة القصيرة
بقلم أ/ خلف عبد الرءوف
القصة أحد الأجناس الأدبية وأقدمها على الإطلاق وهى كجنس أدبي تشترك مع سائر الأجناس الأخرى في بعض مقوماتها وتختلف عنها في الأخرى.
ومما تشترك فيه الأجناس الأدبية إلى حد بعيد هي اللغة، فلغة الأدب تختلف عن غيرها من أساليب السرد أو الكلام في المجالات الأخرى.
فلا يجزئ الأديب أن يصوغ كلامه بما يوصل المعنى المباشر المراد وكفى.. ولكن ينبغي عليه أن يدقق في اختيار الكلمات بالقدر الذي يدقق به في اختيار المعاني.
فالمعنى والمبنى هما صنوا البلاغة وركنا البيان في القصة وفى غيرها.
* ومما عمت به البلوى بين كثير من كتاب القصة الإسلامية هو فقر اللغة المستخدمة في الكتابة.. من حيث المعاني تارة.. ومن حيث البناء اللغوي المؤدى لهذه المعاني تارة أخرى.
فمبلغ جهد أحدهم أن يضبط الكلمات والحروف من حيث قواعد النحو والصرف وما درى أن القصة لون أدبي كالشعر.. إذا افتقرت إلى الخيال وخلت من أساليب البيان والبديع من تمثيل وتشبيه ومن كناية واستعارة وتورية وتقابل وتضاد ومجاز وغيره من أساليب البناء اللغوي للكلام والطرح الأدبي للمعاني.
* إذا خلت القصة من ذلك كله صارت مجرد حكاية أو سرد لواقعة مهما كان فيها من الأهداف النبيلة.. والعظات البليغة.. والحبكة المتقنة.. والنهاية المفاجئة غير المتوقعة.. فسوف تظل في الكفة الطائشة في ميزان الأدب.
ويحسب البعض أن البلاغة هي مجرد صناعة لفظية محضة قوامها انتقاء الألفاظ الرقيقة أو الكلمات الفخمة الغريبة، أو استعارة بعض ألفاظ القرآن الكريم – وهو الشائع بين كتاب القصة من الإسلاميين – ونثرها بين الكلام دونما عناية بمدى دلالة اللفظ على المعنى المراد.
* فالبلاغة لا تكون لكلمة أو لفظة.. إنما البلاغة في المعنى أي قدرة الأديب على توصيل المعنى للقارئ بما يحقق قناعة العقل ويمس شغاف القلب، ثم يأتي البيان باختيار الأساليب البلاغية والتراكيب اللغوية والألفاظ المتناسقة وتوظيفها في خدمة المعنى.
خذ أمثلة على ما أقول مما قاله إمام الأدباء ومؤسس علم البلاغة بجناحية المعاني والبيان الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه "أسرار البلاغة" (صـ 171، 172).
يقول فوازن: (بين قولك "الدنيا لا تدوم ولا تبقى" وبين قولك " الدنيا ظل زائل وعارية تسترد ووديعة تسترجع" وتذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "من في الدنيا ضيف وما في يدية عارية، والضيف مرتحل والعارية مؤداه " وقول لبيد الشاعر:
وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يوماً أن ترد الودائع)
فهذا لون من ألوان الأساليب والصيغ البلاغية وهو "التمثيل".. انظر كيف فخم المعنى المراد وشرفه وأكمله وجعله يأخذ بمجامع العقل ويستقر في سويداء القلب ويدغدغ المشاعر.. بما رسمه من صور ولوحات فنية مبهرة جعلت للألفاظ معان ومعان ينبثق بعضها من بعض ويشد بعضها بعضاً .
أضرب لك مثلا ً آخر من الأدب المعاصر:
* قارن بين أن تقول مثلاَ "فلانة فتاة فقيرة تجلس في الشارع وأمامها قفص تبيع عليه الحلوى للأطفال وقد جعل لها جمالها وحسنها مع انكسار حالها نتيجة الفقر محبة وعطفاً في قلوب الرجال بينما كان سبباً في حسد النساء لها وحقدهن عليها".
* قارن بين هذا التعبير المباشر الساذج الفقير في معناه ومبناه وبين قول الأديب عبد الحميد جودة السحار في روايته "الشارع الجديد" واصفاً حليمة الفتاه الفقيرة بائعة الحلوى ، يقول السحار " وأطلت فاطمة من الشباك تنتظر عودة يونس، وتلفتت فألفت حلمية جالسة بالقرب من الباب، وأمامها قفص الجريد، صفت فوقه قطع الحلوى التي تبيعها الأولاد، تفرست فيها فمشت إلى قلبها غيرة، كانت شابة طاف بها الجمال فخلف في ملامحها آثاره، ووضع في عينيها بعض أسراره، وكساها الفقر انكساراً تحالف مع جمالها واتحد، فكانت إشعاعات عينيها تنفذ إلى قلوب الرجال، وتبذر في قلوب النساء الحسد".
* لقد حرص الكاتب على ألا يثير غرائز القارئ بوصف جسد فتاة فاتنة، فراح يعبر بهذا التعميم البليغ عن جمال الفتاة بألفاظ ومعانٍ وأخيلة فاقت في جمالها جمال كل "حليمة" وعبر عن تأثير هذا الجمال على رجال ونساء الحارة، وقبل أن يضرب مثلاَ واحداَ لما حدث أو يسوق حدثاَ واحدا قد وقع، رسم في أخيلتنا وصفا ً بديعا ً رقيقا ً جميلا ً لحليمته.. وما كان وما سيكون من رجال ونساء الحارة.. وما قد يحدث من مواقف وأحداث حول "حليمة".
فالمعنى من وراء كلام الأديب يختلف عن المعنى من وراء كلام رجل الشارع أو الشخص العادي.. فيكفى للشخص العادي أن تؤدى ألفاظه المعنى المعجمي لها عند السامع ـ أي المعنى المباشر الموجود في معاجم اللغة والذي يؤديه ظاهر اللفظ ـ.
* أما المعنى الذي ينبغي للأديب أن يوصله للقارئ من اللفظ فهو أن يجعل القارئ يعقل من اللفظ معنىً، ثم يفضى به المعنى إلى معنىً آخر أو معان ثانوية.
* يقول الناقد الإنجليزي المشهور "لاسل أبرو كرومبي" في كتابه "قواعد النقد الأدبي":
(إن المعنى الذي نجده في معاجم اللغة للكلمة ما هو إلا النواة التي يجتمع حولها طائفة من المعاني الثانوية، وكثير من المهارة الأدبية عبارة عن إطلاق تلك المعاني الثانوية لتؤثر تأثيرها في الخيال، فإن أسمى ما يصل إليه فن الأدب أن يجعل الإيحاء اللفظي من القوة والسيطرة وبعد المدى والحيوية والقوة وبمكان عظيم).
* واللغة العربية تفوق غيرها من اللغات في كثرة مفرداتها.. ولا أقول مترادفاتها فكما قال بعضهم أنه لا يوجد في اللغة العربية كلمة ترادف في معناها كلمة أخرى إلى حد التطابق.. بل إن بين هذه المترادفات فروق تدق وتخفى إلا على أهل هذا الفن.. فينبغي على الأديب حين يعبر عن معنىً معين أن يختار له من مفردات اللغة ما يناسب هذا المعنى.. بل وما يتسق مع الجو النفسي للراوي، وكذلك طبيعة الموقف والسياق العام الواردة فيه هذه الكلمة.
* يقول الأديب والناقد والمفكر الإسلامي الشهيد "سيد قطب" في كتابه "النقد الأدبي، أصوله ومناهجه" صـ 34:
(إن وظيفة التعبير في الأدب لا تنتهي عند الدلالة المعنوية للألفاظ والعبارات، بل تضاف إلى هذه الدلالة مؤثرات أخرى يكمل بها الأداء الفني، وهى جزء أصيل من التعبير الأدبي.. هذه المؤثرات هي الإيقاع الموسيقى للكلمات والعبارات، والصور والظلال التي يشعها اللفظ وتشعها العبارات زائدة على المعنى الذهني).
* ويسوق الناقد البليغ لنا أمثلة من أبلغ وأفصح الكلام كلام رب العالمين، أقتطف منها هذا المثال.
يقول الله تعالى: (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنّ) أقول ـ تبسيطاً لمقالة الناقد العظيم ـ قارن بين هذا التعبير القرآني.. وبين ما لو قلنا (وإن منكم البطيئ) أو (وإن منكم من يبطئ) فظاهر هذه الألفاظ جميعا يؤدى المعنى ولكن كلمة.
"لَّيُبَطِّئَنّ" ترسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلها فهي أبطأ في نطقها وأثقل على اللسان حتى يكاد يتعثر ويتلعثم حتى يصل ببطء إلى نهايتها، فأنت مضطر عند قراءتها لأن تبطئ من سرعتك، ثم أنها أكثر حروفا ً من كلمة "يبطئ" وبالتالي فأنت تقطع المسافة بين طرفيها في زمن أطول فضلا عن الحروف المثقلة "الطاء" في وسط الكلمة و"النون المشددة" في آخرها.. والذي يطرح ظلاً ثقيلاً كثيفاً للكلمة يناسب جو التكاسل والتثاقل عن تنفيذ الأمر الإلهي.
* وبعد هذا البيان اقرأ "من يبطئ" و "لَمَن لَّيُبَطِّئَنّ" وانظر مدى قوة دلالة كل منهما على المعنى في نفسك لا بمجرد الدلالة اللفظية.. ولكن من خلال الموسيقى والظل والجو النفسي الذي يوحى به اللفظ.
* خذ مثلا آخر ولكنه مثل أدبي من قصة "يا كافر" المنشورة بموقع الجماعة الإسلامية، في وصف صورة رجل ترك دينه وداس مقدساته في سبيل المال والشهرة يفاجأ بإطلاق الرصاص عليه فيسقط مضرجا ً في دمائه وقد عاين الموت.
يقول الكاتب على لسان الراوي وهو بين الحياة والموت:
(شخصت ببصري وأن فاسي قد انقطعت بها السبل، فشبح الموت يمد ذراعه طويلة معروفة معقوفة المخالب، قد مزقت صفحة السماء لتجوس عبر حلقومي، كأنها تبحث عن روحي الهاربة في أرجاء جسدي فرقاً ، حين اقترب منى أحدهم ، كانت جراحي عيوناً قد تفجرت منها دمائي.. هويت على الطوار تحت غاشية سحائب الموت السوداء ، كأنها مسوح يوشك أن تلفني أكفانه.. لم يرو غليله منى رصاصاته وصاحبه التي أطاحت بي جائحتها إلى أعتاب القبر حتى انطلق من سيارته كالسهم غير مبال بنداء صاحبه له أن يرجع قبل أن يدعه ويهرب.
* أبصرته من بين فتوق سحائب المنية التي غشيت ناظري، كأن وجهه جمرة من شدة ما خالط بياضه من حمرة زادها لهيباً نار الغضب.. الحقد.. الكراهية.. التي امتدت ألسنتها من عينيه الزرقاوين).
كان من الممكن التعبير عن الموقف بطريقة أخرى كأن نقول مثلا ً:
(فوجئت بإطلاق الرصاص على فسقطت على الأرض وبينما أنا بين الحياة والموت نظرت فرأيت الرجل الذي أطلق على الرصاص قد اقترب منى بوجهه الأبيض المشرب بالحمرة وعينيه الزرقاوين وقد بدت على وجهه علامات الغضب والحقد والكراهية).
* فهذا لون من الصياغة قد يؤدى المعنى المقصود ولكن في حدوده الدنيا، مجرد وصف للموقف لا صلة له بلغة الأدب، فقارن بين أن تقول: (سقطت على الأرض وأنا بين الحياة والموت) وبين أن ترسم صورة هذا الموت بما يتناسب وحال الراوي المستمسك بالدنيا، الذي يعلم يقينا أنه يحارب الله ورسوله ويعلم من خلال ما ركز في عقله الباطن وضميره المغيب عمدا المصير المحتوم الذي ينتظره بعد موته فكيف تكون صورة الموت بالنسبة له.. لا شك أنها قاتمة مرعبة بكل ما تعنيه الكلمة.. لذلك كان لا بد للكاتب من رسم هذه الصورة المخيفة القاتمة.. وكان لا بد من استدعاء معاني النار اللهيب السحب السوداء المخالب المعقوفة الهوى على أعتاب القبر.
* أنظر إلى هذه اللوحة المفزعة للموت (فشبح الموت يمد ذراعه طويلة معروقة معقوفة المخالب).
وهذا الانقضاض المباغت للموت على الروح التي تحاول عبثا الفرار من وجه الموت
(قد مزقت ـ أي يد الموت ـ صفحة السماء لتجوس عبر حلقومي، كأنها تبحث عن روحي الهاربة في أرجاء جسدي فرقا ً).
* ثم لوحة أخرى لمشهد الموت الزاحف على الراوي حين يقول: (أبصرته من بين فتوق سحائب المنية التي غشيت ناظري، كأن وجهه جمرة من شدة ما خالط بياضه من حمرة زادها لهيباً نار الغضب.. الحقد.. الكراهية.. التي امتدت ألسنتها من عينيه الزرقاوين).
لوحة تصور الموت سحابة سوداء معتمة قد تفتقت عن وجه كالجحيم الرابض فيما وراء الموت.
وبعد.. فهذه بعض الأفكار حول لغة القصة أردت أن يسترشد بها الإخوة الأفاضل من كتاب القصة من الإسلاميين ليجمعوا بين الأهداف النبيلة والموضوعات الهادفة التي يصوغون قصصهم من خلالها وبين جماليات وحرفية الكتابة الأدبية الراقية في أسلوبها وصياغتها.
مذكرا أصحاب الموهبة في هذا الفن المبادرة بالاشتراك في مسابقة القصة التي أطلقها موقع الجماعة الإسلامية.
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل
ملحوظة هامة
تم تأجيل مسابقة القصة القصيرة بالموقع لمدة 15 يوما ً حتى يتسنى لأكبر عدد من المشاركين المساهمة وإرسال قصصهم للدخول في المسابقة.
المشرف على المسابقة
أ/ خلف عبد الرءوف
عودة الى دراسات أدبية ونقد
|