صدى الوجدان.. حوار مع الشيخ محمود الضامر حاوره وقدم له أ. رجب حسن
قليل من الناس من إذا صحبته زانك.. وإذا خدمته صانك وإذا نزلت بك مؤنه مانك.
وقليل منهم من إذا سكت ابتداك، وإذا سألته أعطاك, وإذا نزلت بك نازلة واساك.
وقليل منهم من يكون في كل حال معك.. ومن يضر نفسه لينفعك.. ومن إذا ريب الزمان صدعك.. شتت فيك شمله ليجمعك.
ومن هؤلاء الشيخ الأستاذ الكريم / محمود الضامر.
عرفته في زمن قل ناصروه.. وكثر واتروه، فكان صديقاً حميماً، وبراً كريماً، ومعيناً علي نوائب الدهر.
عرفته في السجن وهو مختبر المعادن ومسبار أخلاق الرجال.. فرأيت قوة في دين وصبراً في يقين.. ونجدة في شدة.. وإنفاقاً في غير منه.. وتواضعاً في غير ضعف أو هوان.
هكذا هو والله ولا أزكيه علي الله.
منذ زمن بعيد لم أنل شرف اللقاء به حتى ساقه القدر ـ وما ألطفه وأجمله ـ وقد نزل مدينة المنيا مصححاً لامتحانات الثانوية التجارية.. فاقتنصت الفرصة الذهبية لأجري معه ذلك الحوار الشيق الممتع.. لنرى كيف قدم الإسلام للدنيا رجالاً أوفياء يصنعون النهار من خيوط ظلام الليل.. ويشرقون علي الدنيا بأعمالهم الصالحة، وأخلاقهم الجميلة.
في البداية قلت للشيخ محمود الضامر:-
قدم نفسك؟
الاسم: محمود أحمد عبد الحليم عبد الكريم الضامر.
المهنة: حاصل علي بكالوريوس تجارة جامعة أسيوط 1984 وأعمل مدرس ثانوي تجاري بمدرسة أبنوب الثانوية التجارية المشتركة.
مواليد: 7/12/1959 عزبة الضامر- قرية عرب القداديح- مركز أبنوب.
متزوج من ابنة عمي.. ومعي مروة 19سنة وأحمد بكلية التجارة، ومصطفي بالثانوية العامة، وخالد بأولى ثانوي.
الشيخ محمود حدثنا عن نشأتك وبداية التزامك وتعرفك على الله: .....
نشأت في بيئة متدينة تحب الصلاة وتحث على حفظ القرآن في القرية مع والدي وجدي.. ولذ رأيتني ألتزم الصلاة منذ الصف الرابع الابتدائي وأخطو خطواتي الأولى في حفظ القرآن حتى بلغت المرحلة الإعدادية.
وكنت أسافر في الأجازة للقاهرة للعمل في محلات العصير عند عمي بإمبابة.. وهناك كنت أؤدي الصلوات في مسجد الجمعية الشرعية بإمبابة وأحضر دروس الإخوة الملتحين وأحببتهم وتأثرت بهم.
وبدأ اهتمامي بالدين وتعلم أحكامه حتى التحقت بجامعة أسيوط كلية التجارة علم 1978- 1979 وهناك بدأت معرفتي بالإخوة في الجماعة الإسلامية.
كيف كانت رؤيتك للجماعة الإسلامية قبل 1981؟
كانت الجامعة في هذه الأوقات مرتع الكثير من التيارات.. وكانت تمتلئ بمظاهر الفساد.
ولم يكن هناك دعوة بارزة تقنع الشباب الجاد إلا دعوة الجماعة الإسلامية.. والتي قامت بدور عظيم في توجيه الشباب في هذه السن واستغلال طاقاته في الخير وعمل الطاعات من صلاة وصيام وقيام الليل وحفظ القرآن والاعتكاف والإفطار الجماعي وأيام إسلامية ومعسكرات إسلامية ودعوة إلي الله في المساجد والجامعة ومؤتمرات ورحلات حج وعمرة ومشاركة فاعلة في كل ما يجري من حولنا.. وعمل دءوب يشعرنا بأهمية المشاركة الايجابية والمساهمة بدور فعال في قضايانا.
هذا بخلاف أعمال اجتماعية أخرى كثيرة كقوافل الدعوة والقوافل الطبية وذبيحة الفقراء.. وجمع زكاة الفطر وتوزيعها على المستحقين.. وعمل المدارس العلمية لتعليم الشباب أمور دينهم.. ومجموعات التقوية للمدارس الثانوية والإعدادية.. وطبع مذكرات امتحانات وإجاباتها لجميع الكليات مليئة بالكثير من الأحاديث والتوجيهات الدينية الجميلة.
كل هذه الأعمال تجذب الشباب وتسخر طاقاته في عمل الخير بدلاً من الانحراف في تيارات أخرى كالتيارات الشيوعية.. أو الانخراط في الفساد والمخدرات والزواج العرفي والتعلق بالبنات الذي يملأ ساحات الجامعات تلك الأيام.. فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.. فأحببنا الجماعة من قلوبنا لأنها آخذت بأيدينا إلي الله وقربتنا من منهج الله وأفهمتنا كتاب الله وحفظتنا إياه.
أهم الشخصيات التي تأثرت بها قبل1981م ولماذا؟
بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلي الله عليه وسلم.. تأثرت بكل مشايخ الجماعة الذين كنا نسمعهم في ذلك الوقت ولمسنا فيهم الإخلاص والصدق والعمل بما يقولون في زمان قل فيه العالم العامل بعلم والشاب المطيع المستقيم. وعلى رأس هؤلاء:
فضيلة د. ناجح إبراهيم كنا نرى فيه نموذج الشاب المسلم الملتزم الداعي إلي الله عز وجل.. الذي لم تشغله دراسته في كلية الطب ولا شبابه الغض ولا وظيفته بعد التخرج عن الدعوة إلي الله وإنفاق وقته وجهده وماله في سبيل الله عز وجل.. فكان حبيباً إلي نفوسنا جميعاً.
فضيلة الشيخ كرم زهدي كنا نراه في خطب الجمعة وفي المعسكرات.. وكنا نتأثر ببليغ خطابه وحماسته للدين وشجاعته.
كان معنا في الكلية فضيلة الشيخ رفاعي طه والشيخ على الشريف.. وهؤلاء كانوا يعلموننا أحكام التلاوة ويعينوننا على حفظ القرآن الكريم.
وكان الشيخ أسامة حافظ بتواضعه وعلمه وكنا نشعر أن مشايخ الجماعة هؤلاء يمثلون بنياناً متكاملاً.. ونشعر بالحب الشديد الذي بينهم وحبهم الصادق لهداية الشباب ولدينهم ولدعوتهم.
في فترة ما بعد(81) الثمانينات والتسعينات عشت طبيعة عمل الجماعة من موقع فاعل جداً كقيادة ودعوة.. فهل يمكن أن تلقي لنا الضوء على تلك الفترة وطبيعة عمل الجماعة فيها ؟
في سنة 84 وبعد هدوء أحداث 81 انطلقت الدعوة قوية من جديد بداخل جامعة أسيوط ومنها لغيرها من الجامعات.. وانطلقت الدعوة للمراكز والقرى .
وانتشرت الدعوة انتشاراً واسعاً في كل مكان وبدأ تنظيم العمل الدعوي في المدن والقرى.. وكان يتم تغيير المنكرات في كثير من الأماكن.
وإن كان يحدث في بعض الأحيان تجاوزات.. ولكن كان في البعض الآخر كان يوجد التزام بالضوابط الشرعية في تغيير المنكرات.. وكان هناك توسع في كثير من أعمال الخير كالقوافل الطبية ودعوة الناس لصلاة العيدين في الخلاء.. ومسيرات العيد مساء وصباح العيد.. وخطب العيد الموسمية القوية وذبيحة الفقراء.. وحل مشاكل الناس بسهولة ويسر وبطريقة شرعية.
ووفق أنباء الجماعة في كثير من الأماكن لإنهاء خصومات كبيرة بين عائلات كبيرة في الثأر وخلافه.. وكان الكل يرضي عن قناعة وفرحة.
وكان يغلب على الخطاب الديني لكثير من شباب الجماعة الحماس والتعبئة.. ولكن في نهاية فترة الثمانينات سعت الجماعة لعقد ندوات توعية لإعادة توجيه الخطاب الديني وترشيده ليهتم ويركز على البناء التربوي.
وعلى ما أذكر أن الشيخين على الديناري وعبد الآخر حماد كانا يركزان على المعاني التربوية الجميلة والأخلاق الحسنة وبناء الشخصية المسلمة بناءا سليما متزناً لنواجه مرحلة جديدة بشخصيات قوية متوازنة لا مندفعة ولا مترددة.
كيف كانت المبادرة نقطة تحول في تاريخ الجماعة ـ وفي شخصية الشيخ محمود ـ وما دورك في ترسيخ المبادرة؟
في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ونتيجة للخطاب الحماسي والتعبوي حدثت بعض الصدامات التي ساقتنا للفعل ورد الفعل.. وتطورت في أوائل التسعينات.
وكان هذا على غير رغبة الكثير من أبناء الجماعة حتى بدأت تنحو بالجماعة منحى بعيداً عن خطها الدعوي والإصلاحي شيئاً فشيئاً.
ثم ازدادت وتيرة التصعيد حتى بدأت تأتي على أبواب الدعوة في كل مكان باباً باباً حتى عام 1994 كانت قد أغلقت كل أبواب الدعوة السلمية.. وكنا نحن قد دخلنا السجن في عام 1992.. ونرقب عن كثب تطور الأحداث في الخارج.. وندعو الله عز وجل أن تنتهي هذه المشكلة وتعود الدعوة من جديد ويعود الهدوء لبلادنا ونضع حداً للصراعات والفعل ورد الفعل.
كان هذا هو الجو النفسي السائد في تلك الفترة لدي الكثيرين.
وفي عام 97 سمعنا بانطلاق مبادرة تدعو لوقف العمليات من جانب قيادات الجماعة بليمان طرة.. والتي تمثل بالنسبة لكل أبناء الجماعة أعلى سلطة وأحكم قرار.
وظللنا حتى عام 2001 نتحدث فيما بيننا حول هذه الخطوة الكبيرة وأسبابها وأبعادها ومنطلقاتها ونتائجها وأخذت وقتاً وجهداً في التباحث فيما بيننا والآخذ والرد.
حتى كان اللقاء مع المشايخ في سجن الوادي الجديد في أكتوبر 1981 والذي بدأ فيه تفعيل المبادرة داخل السجن مع القاعدة العريضة من أبناء الجماعة في كل السجون.
والحق وقبل أن نتكلم عن المبادرة أننا استشعرنا في داخلنا بعد أحداث سبتمبر 2001 حسن استشراف قيادة الجماعة للمستقبل في قراراتها عموماً والمبادرة خصوصاً.
والحق أيضاً أن قرار المبادرة هذا كان توفيقاً من عند الله سبحانه وتعالي أولاً وأخيراً لأن الله علم في هذه القلوب إخلاصاً وحباً لدينه وحرصاً على البلاد.
والحق أيضاً أن قرار المبادرة كان أشجع وأخطر قرار للجماعة الإسلامية فهو أخطر في نظري من قرار المواجهة في 81.
أما من وجهة تأثيرها علىّ شخصياً فهي كانت تتوافق مع طبيعتي التي تحب الرفق في كل شيء.. وتري أن أفضل معالجة للأمور الهدوء والاتزان والحوار.. وأن جو الهدوء هو الذي يساعد على انتشار الدعوة ويشجع الناس على الإقبال عليها دون خوف, وفرحت بالعودة للبداية الأصلية للجماعة كما كانت في أواخر السبعينات من تركيز على الدعوة إلي الله عز وجل.
أما دوري في ترسيخ المبادرة.. بعد مغادرة المشايخ لسجن الوادي ومن منطلق قناعة شخصية وتوافق طبيعي داخلي مع ما طرحه المشايخ اتفق الإخوة في سجن الوادي على إعادة شرح كتب المبادرة مرة أخري للإخوة داخل السجن.. وكنت واحداً ممن اختيروا لإعادة الشرح ولم نكتفي بهذا فحسب بل كنا نتغلغل أكثر وأكثر بين إخواننا ونبيت معهم ونستمع لاستفساراتهم ونستخرج مكنوناتهم حول المبادرة.
وكنا نلخص مفهوم المبادرة في عبارة موجزة جميلة وهي أنها "صلح بين المسلمين" وكيف لا يجوز هذا الصلح بين المسلمين بعضهم البعض وقد أجاز الفقهاء عقد الصلح حتى مع أهل الحرب والديانات الأخرى وحتى مع المشركين.
وقد عشنا هذا الصلح واقعاً علمياً فيما بيننا كإخوة وفيما بيننا وبين إدارة السجن من ناحية أخري في جو جديد تماماً يسوده الحب والألفة والعفو والصفح والتسامح والتماس الأعذار
لك من أبناء الجماعة أصدقاء تأثروا بك وتأثرت بهم من هم وما هي مواقفك منهم؟
قبل السجن: الأصل الحب الشديد بيننا كإخوة عاملين لله تعالي.. وإن كنت أخص بالذكر أخي وحبيبي سيد بدير زميل دراسة وخدمة عسكرية في الجيش.. والتي ارتبطنا فيها معا ارتباطاً شديداً توثقت علاقتنا في الله تعالي نتعاون على الصيام والقيام وحفظ القرآن.. فكان الجيش بالنسبة لنا كمعسكر إسلامي أحببناه وأحببنا فترة خدمتنا فيه التي جمعتنا على طاعة الله وتوثقت علاقتنا بعد ذلك في كل الميادين واستمرت حتى هذه اللحظة.
وهناك شيخي وأستاذي وحبيبي د. أحمد عبده الذي أحببته كثيراً في الله وتأثرت به كثيراً ولا زلت.. فهو من القليلين الذين ستشعر فيهم صدق وقوة علاقتهم بالله تعالي وإنكاراً لذاته العظيمة الجميلة.. ومثال للتفاني في العمل لدين الله تعالي والزهد في هذه الدنيا وزخارفها.. دكتور أحمد تعلمت منه الكثير واستفدت منه الكثير أسأل الله أن يرده سالماً غانماً ويجمعنا في الدنيا على طاعته وفي الآخرة في مستقر رحمته.
هناك فضيلة الشيخ شعبان على إبراهيم والذي تستشعر فيه الوالد والأخ والصديق والشيخ كل هذا مجتمعاً في شخص واحد يمتلئ قلبه بالرأفة والحب لكل من حوله.
هناك أخي وحبيبي وزميل عمري الشيخ محمود رشوان حفظه الله والذي لمست فيه الرجولة والشهامة والكرم والإخلاص لدين الله تعالي.
بعد دخول السجن في داخل سجن الوادي:
على رأس من عرفت وأحببت يأتي رجل أحسبه من خارج هذا الزمان أحسبه من السلف الصالح ولا أزكيه على الله هو الحبيب أبو ضياء إبراهيم ياسين قمة في الرأفة والحكمة والاتزان والمودة والطاعة والحنكة وكل ما تجد من خصال الخير تجدها قد اجتمعت في إبراهيم ياسين حفظه الله.
والشيخ رجب حسن قمة في العلم والتواضع وخفة الروح والأدب الراقي وكان يهون بخفة روحه وعلمه كل الآلام داخل السجن وخارجه.. إن الحياة بجوار إبراهيم ياسين ورجب حسن لا تشعر فيها بملل أبداً تستشعر لذة الصحبة المؤمنة الفاهمة الواعية لحقائق الدين والدنيا.
هناك الحبيب الغالي جداً رجب عطا قمة التفاني والعطاء وإنكار الذات شخصية تتصاغر بجوارها، رجل كالجبل الراسخ في ثقته في الله وحبه للدين وتحمل الأذى لا تملك إذا عاملته إلا أن تحبه في الله حباً عظيماً حفظه الله.
ولا يمكن أن أنسى مسك الختام أخي الأكبر الشيخ الكريم الحبيب الشيخ صلاح رجب لم يكن مجرد أخ بل كالوالد في حبه لنا وحرصه على مصالحنا واهتمامه بأمورنا مع عقل واع مدرك للكثير من الأمور وخبره كبيرة في الحياة والاجتماعيات.
فالشيخ صلاح رجب مدرسة عظيمة قل أن تتكرر.. ولا يتسع المجال لذكر الكثير والكثير ممن عرفت وأحببت فكل إخوة الوادي بلا استثناء أحببتهم وتأثرت بهم.
وكم كانت تنعكس مشاعر الحب هذه عند الفراق في فترة الإفراجات بكاءً شديداً على ألم الفراق برغم أنهم خارجون للإفراجات التي انتظروها كثيراً.
ولا يمكن أن أنسى موقف الوداع الذي ودعني به إخواني في سجن الوادي وأنا خارج إفراج فهذا الموقف لا يمكن أن يمحي من ذاكرتي مهما مضت السنون وتلاحقت الأحداث.
أنت رجل اجتماعي من الطراز الفريد كما يقول عنك الجميع.. حدثنا عن حياتك الأسرية والعائلية.. وكيف تغيرت الأحوال في فترة الاعتقال؟
بالنسبة لحياتي الأسرية فأنا كنت أعيش مع والدي ووالدتي وزوجتي وأولادي.. والحمد لله كانت تجمعنا أواصر قوية فهي أسرة مترابطة وغير مفككة.
فالوالد كان يحبني حباً شديداً وهو مع ذلك قوي الشخصية صاحب إرادة لا تلين ومبادئ جميلة.
والوالدة رحمها الله كانت تحبني حباً شديداً حتى أنها كانت تقول لي: يا ولدي إنك لم تتعبني أبداً في حياتك، لا وأنت صغير ولا وأنت كبير وقد ماتت وأنا في السجن سنة 1993 وهي راضية عني.. وقد زارتني قبل وفاتها بيومين.
أما زوجتي وأولادي: فزوجتي هي ابنة عمي في نفس الوقت وقد شعرت في خلال فترة الاعتقال بتوفيق الله لي في قرار الزواج هذا، وهذا درس لكل من يريد أن يتزوج أن يدرس قراره جيداً ويتأني فيه ولا يتعجل.
وقد ظللت أستخير في موضوع زواجي هذا سنتين كاملتين ولا أرى إلا الخير في الإقدام.. برغم وجود بدائل كثيرة لكني قدمت صلة الرحم وتقوية العلاقة بين أبي وأعمامي على اعتبارات أخري.
فهذا الزواج والحمد لله كان فيه الخير الكثير.. فقد كانت نعم الزوجة الصابرة المحتسبة.. وقد اتفقنا منذ أول يوم على ما تواصي به أبو ذر رضي الله عنه وزوجته "إذ غضبت رضيني وإذا غضبتي رضيتك وإلا لن نجتمع".
وكنت حريصاً وعازماً من قبل الزواج على أن يكون بيتي أسعد البيوت بطاعتنا لله عز وجل.. وبالفعل سارت حياتنا كما كنت أتمني بين كل الأطراف والدي وزوجتي وأمي وأعمامي وزوجات أعمامي.
والحمد لله وكنت حريصاً على عدم مغادرة البيت على خلاف أو غضب.. فحتى إذا حدث ذلك كنت أعود بعد خطوات قليلة خوفاً من ألا أعود مرة أخرى.. فأرجع سريعاً لتصفية الأمر البسيط حتى نفترق على حب ورضا وتسامح.. حتى قالت لي زوجتي يوماً "لو كان كل الناس مثلك ما زعل أحد من أحد" والحمد لله على ذلك.
أما أولادي: فقد تركتهم صغاراً وكنت أتمني أن أعيش معهم اللحظات الجميلة وأنا أراهم يكبروا شيئاً فشيئاً أمام عيني أربيهم على طاعة الله وكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.. ولكن الحمد لله على كل حال جاءت محنة السجن فحالت بيني وبينهم وقلت " فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " .
وقيض الله لهم من هو خير مني..ألا وهو والدي الكريم الذي رفض أن يتزوج بعد وفاة أمي وقال: سأتفرغ لتربية أولاد ابني محمود وبالفعل أحسن تربيتهم على الرجولة والشهامة وتحمل المسئولية.. فخرجت لأراهم رجالاً أشداء يتحملون المسئولية وأحمد الله على ذلك كثيراً.
أما فترة الاعتقال فحتى شهر أكتوبر 1993 كان هناك تواصل بيني وبينهم عن طريق الزيارات في سجن أسيوط.. ثم نقلنا لسجن شديد الحراسة بطرة.. ومن وقتها انقطع التواصل بيننا إلا والدي على فترات متباعدة حسب ظروف السجن.. وظل ذلك حتى نهاية عام 2001.. ثم بدأ التواصل مرة أخري بالزيارات والرسائل حتى فرج الله عني في 28/3/2006.
لك زوجة صبورة ومحتسبة حدثنا عن مواقفها الجليلة وصبرها وكيف كانت وقفتها بجانبك في المحنة.. وكيف تري مخرجاً من محنتها الحالية؟
كما أسلفت فهي كانت من اختيار الله لي وقد ظهر معدنها الأصيل في هذه المحنة.. فقد صبرت صبراً جميلاً ويكفي أنها لم تتسخط ولم تشكو طوال 14 عاماً.. وحفظتني في أولادي وعرضي وحافظت على صورتي أمامهم.. ولم تشوهها مهما قاست أو عانت.
وللعلم فإنني لم أرها أو تراني منذ أكتوبر 1993 حتى ديسمبر 2002 .. وذلك لصعوبة الزيارة السلك والوالد يرفض الزيارة في هذه الظروف.
ولما جاءتني الزيارة بعد هذه الفترة الطويلة حدثت لها حادثة حيث وقعت علي قدمها في المنزل وحدث لها كسر في عنق مفصل الفخذ الأيمن.. وأجريت لها عمليتان دون أن أعلم بشيء.. وعندما احتاجت للعملية الثالثة أخبرت بذلك وأجريت الثالثة ثم الرابعة.
وشاء الله أن لم يحدث التئام للعظام رغم العمليات وقالوا: أنها تحتاج لمفصل صناعي.. وظلت تعاني حتى خرجت أنا وعرضت حالتها على الأطباء والأساتذة فأجمعوا على ضرورة المفصل.
وبالفعل تم إجراء العملية في أبريل 2007 ولم يكتب لها النجاح أيضاً والحمد لله على كل حال وتم خلع المفصل وهي الآن تعيش من غير مفصل وقد حدد لنا الطبيب المعالج يوم 3/8/2008 موعداً لبداية إجراءات العملية الجديدة والتي نسأل الله عز وجل أن يكتب لها النجاح والشفاء بإذنه تعالي ولا أرى مخرجاً من هذه المحنة إلا صدق اللجوء إلي الله تعالي الذي يحيي العظام وهي رميم ودعوات أحبتنا المخلصين أن يعافيها الله وألا يحوجنا لأحد من خلقه ورجاء من كل زوار الموقع الأحبة أن يتابعونا بالدعاء.. والحمد لله الآن أجريت العملية بنجاح ونسأل الله أن يتم لها الشفاء.
لك أباً يضرب به المثل في الصبر والجلد وتحمل المشاق.. حدثنا عن مآثره الجميلة؟
أحب أن أقول أنني بمجرد أن التزمت ونبتت لحيتي وحرض الناس والدي علىّ بدعوي الخوف علىّ.. فشاء الله أن يري والدي رؤيا أننا نجلس في حلقة مع إخوة نرتدي جميعاً البياض وأنا المسئول عن الحلقة ونحن في ذكر لله عز وجل وطاعة.. فقام من نومه ساعتها وقال للناس: لا يحرضني أحد على ابني فيما مضى وسار فيه من طريق.. لأني نذرته لله تعالي.
وكان بعد ذلك يعينني على إكمال المسير في هذا الطريق.. حتى أنه قال لي يوماً عندما رأى بعض الإخوة يتراجعون عن الطريق: أنظر يا بني إما أن تمضي في هذا الطريق رجلاً حتى تلقي الله شهيداً.. وإما أن تكون امرأة وترجع عن طريق الرجال.
فكانت لكلماته أثر السحر في الثبات على طريق الله تعالي.. وظل يهتم بي ويتابعني بعد فترة سجني في كل مكان يشد من أزري.. حتى عام 2000 حيث أصيب بجلطة في المخ ومكث على إثرها بالعناية المركزة بالقصر العيني بأسيوط حوالي شهر.
وفي نهاية الفترة حدثت معه آية من آيات الله عز وجل فقد كان هناك ضابط نوبتجي بالمستشفي يأتيه في المساء ويرقيه بالقرآن.. حتى كان ذات ليلة نائماً وهو لا يعي ما حوله.. فرأي رؤيا أن رجلاً يضربه في زراعة ويقول له: قم فانهض فقد أذهب الله ما بك من مرض.. فقام لفوره يطلب الماء ليتوضأ!! .
وحضر الطبيب المعالج مذهولاً ليراه معافى ويقول الطبيب: إن مثل حالته نسبة النجاة منها واحد في المليون وينجو بعاهة مستديمة وهذه من أندر الحالات التي عايشتها والحمد لله. وإنني أهيب بأحبتي وإخواني أن يدعو له بالصحة والعافية وحسن الخاتمة.
أنت معلم ومربي للأجيال داخل الجماعة وكمدرس بالتربية والتعليم.. كيف تري المنظومة التعليمية في مصر وما هي سبل العلاج التي تراها؟
المنظومة التعليمة في مصر الآن تحتاج إلي ثورة شاملة من الألف إلي الياء في كل النواحي.. قوامها الرئيسي المعلم الذي لو صلح أصلح الله به.. وليس صلاحه في المادة العلمية فقط.. ولكن في الناحية الأخلاقية التربوية ليكون قدوة حسنة لأبنائه ولا يخون دينه ولا أمانته وبلده.. وهذا موضوع يحتاج إلي أن نفرد له لقاءً خاصاً فالكلام فيه كثير جداً.
فالاهتمام بالمدرس يكون من نواحي عديدة مثل تعظيم مكانته ودوره في المجتمع.. أما إشباعه مادياً فهو أحد وسائل الوصول إلي هذا الهدف.
ومثلاً من الممكن أن تحدث مشكلة بين مدرس وطالب يُنصر فيها الطالب على أستاذه.. حتى وإن كان الحق مع أستاذه وينشر ذلك في الإعلام.. ولا يكون المسئولون في صف المدرس رغم أن معه الحق.
ومثلاً مدرس له تاريخ في التدريس أكثر من 20 عاماً مثلاً تدخله اختبارات وامتحانات من أجل أن تزيد في راتبه لمواجهة أعباء الحياة.. أنا أري أن في ذلك إهانة للمدرس وإحباط.. وكأن كل عطائه السابق ليس له أي وزن.
كيف ترى الدور الذي ينبغي أن تقوم به الجماعة في الإصلاح في ظل منهج ومبادئ المبادرة؟
إن أي محاولة للإصلاح لابد أن تقتدي فيها بالحبيب محمد صلي الله عليه وسلم.. والنبي صلي الله عليه وسلم بدأ الإصلاح منطلقاً من المسجد.. والحقيقة التي لا يمارى فيها أحد الآن أن الجماعة الإسلامية بجميع فئاتها قد وصلت لمرحلة من النضج والاتزان والإلمام الجيد بحقائق الكثير من الأمور مما يزيل أي تخوف منها في أي مجال تتحرك فيه.
وأنا أرى أنه لن يكون تحركها بإذن الله إلا في صالح المجتمع والشباب والدولة وفي خدمة الإسلام العظيم.. والواقع يشهد أن قطاعاً عريضاً من إخوة الجماعة الآن يقدمون النماذج الحية الواقعية على مدى الفهم الراقي والإدراك الجيد لكل الأمور من حولنا والوعي السياسي.
فأنا أرى أنه لو أتيح المجال وأفسح للجماعة للإصلاح سنري خيراً كثيراً بإذن الله ونحقق نموذجاً فريداً يفوق نماذج النمور الأسيوية والفهود الأوروبية وغيرها.
لكن وأنا مغيب محاصر لا يعرفني أحد من الأجيال الناشئة كيف أساهم في عجلة الإصلاح في بلدي الذي أحبه.
وعلى أية حال وحتى يحدث ذلك.. لابد أن يكون أبناء الجماعة نماذج طيبة كما عودونا في كل مجال ـ كل في عمله ـ يقدم ويعطي لله, يقدم كل واحد نموذج الخفي التقي.. الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا.
بعد خروجك من السجن ورأيت أولادك في سن المراهقة.. كيف تري التعامل معهم بعد كل هذا الغياب؟
في الحقيقة إن أبناءنا هم عماد ظهورنا وفلذات أكبادنا.. وقد سئل بعض بني أميه حين خرجوا من سجون العباسيين: ما الشيء الذي فاتكم وحزنتم عليه؟ فقالوا: تربيتنا لأولادنا.
فالحق أن تربية الأبناء عملية متواصلة تبدأ من اختيار الأم ولا تنتهي عند مرحلة معينة.. أما وقد وصلوا لهذا السن فإني أتعامل معهم معاملة الصديق والأخ الأكبر.. ولا أتعجل نتائج الإصلاح معهم, والحمد لله أن طبيعة أبنائي طيبة وفيهم خير كثير إن شاء الله.
كيف صاغت فترة السجن شخصيتك وكيف أثرت فيها؟
كانت فترة السجن من أفضل أيام عمري فقد قضيناها في طاعة الله بين القرآن والسنة وخدمة الإخوة.. فقد تعلمنا في السجن الكثير من معاني الإسلام الراقية تعليماً عملياً عشنا معاني الصبر والإيثار واليقين والتوكل والرضا والتسليم واقعاً عملياً ودروساً لا تنسي ولا تمحي ومن عاش هذه الفترة الطويلة في السجن يستطيع بعون الله أن يعيش في أي ظروف بعد ذلك راضياً بقضاء الله مهما كانت صعوبة هذه الظروف.
هل هناك إضافات تحب أن تختم بها؟
لئن كانت هناك إضافة فإنني أدعو لكل إخواننا ومشايخنا القائمين على الموقع أن يوفقهم الله عز وجل ويتقبل منهم جهدهم ويرضى عنا وعنهم.
وهكذا ينتهي حوارنا مع الرجل الطيب والأخ الصالح حامل القرآن صاحب الصوت الجميل.. والذي شرفنا بلقائه واستمتعنا بحديثه وسعدنا بشفاء زوجته ونجاح عملية زرع المفصل لها.. ولعل هذا الحوار مصدر تفاؤل لنا وله.
وفي الختام له منا كل سلام..
| الإسم | حسن بدير |
| عنوان التعليق | جذبنى وفاء الصديقين |
| كان من الصعب على من انغمس مثلى فى مظاهر الدنيا ان يتحول الى النقيض ولكن حين ترى صورة حية للاخوة الصادقة لابد وان تتاثر ، فلم اتاثر بالخطب الرنانة ولا النصائح الزنانة وانما تاثرت بالوفاء الذى رايت عطره يفوح من صداقة شقيقى سيد والشيخ محمود الضامر فجذبنى الوفاء الى طريق الاوفياء . وقد كنا ولا زلنا نتمنى توثيق هذه الصحبة بالنسب - ماعندكش عروسة ليا يا شيخ محمود؟ |
| الإسم | عيون |
| عنوان التعليق | قرانايمشى |
| كان النبى صلى الله عليه وسلم قرانا يمشى على الارض وتعلم منه اصحابه كيف يكونون ذلك فلو نظرنا الى هذا الرجل لراينا فيه وفى من قبله من اصحابه مثال الشيخ ابراهيم ياسين هآولآء الصحب الكرام فارجو كما امتعتنا يا ابا عبد الله بهذا الحوار ان تمتعنا بمثله مع صاحبه الشيخ ابراهيم حتى لو هتسافر ليه على حسابى ولما نتقابل اديك اجرة القطر وكل عام وانتم بصحه وعافيه امين 0000000000عيون |
| الإسم | علي الساعاتي |
| عنوان التعليق | أين د/ أحمد؟؟ |
| ما آخبار الشيخ الكريم د/ أحمدعبده سليم؟؟
|
| الإسم | سامح المنياوي |
| عنوان التعليق | كلام طيب |
| ياريت يا شيخنا تقول للأخ عصام يراجع التواريخ كويس قبل ما يطبع،ومن باب المداعبة اين قلمك. |
| الإسم | محمد محمود |
| عنوان التعليق | بارك الله فيك |
| بارك الله فيك يا شيخ محمود ومتعك الله وزوجك ووالدك بالصحة والعافية كم كان حوارك جميلا وشيقا واقول للأخ حسن بدير ان اخر عهدى بك انك متزوج |
| الإسم | احمد ابوجبل |
| عنوان التعليق | الشيخ الودود |
| المؤمن هين لين سهل الشيخ الضامر هوالتطبيق العملى لهذا الحديث النبوى الشريف اسال الله ان يتقبل منه صبره وان يشفى لله زوجه ويصلح له ولده ويجمعنا فى مستقر رحمته |
| الإسم | |
| عنوان التعليق | مع الأحبة |
| |
| الإسم | سيد بدير |
| عنوان التعليق | مع الأحبة تهون الصعاب |
| حبيبى وشيخى الشيخ / الضامر حوارك اسعد قلوبنا ونور صدورنا ونحن فى انتظار نفحات الشيخ / ناجح بحوار مع الحبيب ابراهيم ياسين فهذان الرجلان ابراهيم و محمود يجسدان لنا قول النبى صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم.... ) ومع هؤلاء عشت اجمل ايام عمرى رغم انها كانت فى السجن |
| الإسم | واحد من الناس |
| عنوان التعليق | زال الالم وبقي الأجر...فينك ياشيخ علي ياساعاتي . |
| ربنا يبارك فيك يا شيخ رجب ، حوار ممتاز للغاية خاصة وان الشيخ الضامر وحضرتك فكرتمونا بايامنا الحلوة بجد، ربنا يجمعنا بيكم على خير ويطمنا عليكم كلكم.
الاخ علي الساعاتي عايز اطمن عليك ضروري جدا جدا جدا واحشني وعايز اعرف اخبارك وعامل ايه في شغلك ومع الدنيا. ياريت تراسلني ضروري على :
ahmed_eng95@yahoo.com |
عودة الى اللقاء الأسبوعي
|