|
بدر الكبرى يوم الفرقان.. هل تعود أيامه بقلم /عبد العزيز محمود
لم تكتف قريش بما قامت به ضد المسلمين من مصادرة أموالهم.. واستباحة ديارهم وأراضيهم بمكة، بل زادهم غيظاً وحنقاً أن فاتهم المسلمون ووجدوا مأمناً ومقراً بالمدينة.. فأخذت قريش تهددهم وتتوعدهم، فتارة يرسلوا إلى مشركوا المدينة، وتارة يرسلوا إلى المسلمين أنفسهم، ولم يكن هذا التهديد والوعيد مجرد وهم أو خيال، حتى أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ما كان يبيت إلا ساهراً، أو في حراسة أحد أصحابه.
ولم يكن الخطر مقتصراً على رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فحسب، بل كان يحيط بالمدينة كافة، حتى أنهم كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه.
ولم تكتف قريش بذلك بل أعلنت الصد عن المسجد الحرام ، وذلك عندما ذهب سعد بن معاذ " رضي الله عنه " إلى مكة وأراد أن يطوف بالبيت الحرام، فقال له أبو جهل لولا أنك مع أبى صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً .. وكان ذلك بمثابة تهديد صريحاً وواضحاً بالصد عن المسجد.
إيذاء هذه الظروف قام "صلى الله عليه وسلم" بتوحيد الصف الداخلي وتقويته، لضمان عدم الفتنة الداخلية.. ووقوع الفرقة والاختلاف.. كما كان من الحكمة أن يقوم "صلى الله عليه وسلم" ببعض الغزوات والسرايا.. ولا سيما بعد أن نزل الإذن بالقتال الغرض منها :-
1- الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة.. والمسالك المؤدية إلى مكة.
2- عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق.
3- إشعار مشركى يثرب ويهودها بأن المسلمين أقوياء.. وتخلصوا من ضعفهم القديم.
4- إنذار قريش عقبى طيشها، حتى تفيق عن غيها الذي لا يزال يتوغل في أعماقها فلعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها.. وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيل الله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، وحتى يصير المسلمين أحراراً في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة.
وبالفعل قام "صلى الله عليه وسلم" بأربع سرايا وأربع غزوات، كان من بينها غزوة "ذي العشيرة" التي كانت سبباً في غزوة بدر الكبرى.. وذلك عندما علم المسلمين بأن قافلة كبيرة لقريش خرجت متجهة إلى الشام، فلما خرجوا لتعقبها كانت قد مرت ، فما زال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يتحسس عودة القافلة.
وكانت القافلة تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلاً، أنها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتألم لها قلوبهم, لذلك أعلن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في المسلمين قائلاً (هذه عير قريش فيها أموالهم، فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها).
فلما أقترب موعد العودة خرج ومعه ثلاثمائة وبضع عشر رجلاً.. وكان معه فرسان، فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد بن الأسود.. وكان معهم سبعون بعيراً يتعقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لأنه لم يكن يتوقع بأن يصطدم بجيش مكة.
وسار رسول الله متجهاً إلى بدر، وقسم جيشه إلى كتيبتين.. كتيبة المهاجرين وأعطى رايتها لعلى بن أبى طالب، وكتيبة الأنصار.. وأعطى رايتها لسعد بن معاذ.
ولم يكن أبو سفيان بالرجل السهل بل كان في غاية الحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالمخاطر والأخطار، فما زال يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، إلى أن علم بأن محمداً "صلى الله عليه وسلم" قد خرج لملاقاته، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وأرسله إلى مكة مستصرخاً قريش بالنفير والنهوض إلى عيرهم.
وأستخدم ضمضم أفضل الوسائل وأحسنها للدعاية والتهويل من الأمر والمبالغة فيه، فصرخ واقفاً على بعيره، وقد جدع أنفه، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، الغوث الغوث، فأجتمع عليه خلق كثير.. ثم بلغهم الرسالة التي بعثه بها أبو سفيان، أستمع الناس إلى التفاصيل، فثارت ثائرتهم، وغلى الدم في عروقهم، وظهر الغضب في وجوههم، وكلمات الانتقام والتهديد على ألسنتهم.. هل يجرأ محمد على أن يتحدى قريش!!؟
فسرعان ما تحفز أهل مكة فكانوا بين رجلين.. إما خارج وإما باعث مكانه، فخرجوا جميعاً سوى أبى لهب فإنه أرسل رجلاً عنه كان له عليه دين.. فكانوا نحو ألف وثلاثمائة مقاتل.. وكان معهم مائة فرس وستمائة درع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها، خرجوا بحدهم وحديدهم يحادون الله ويحادون رسوله.
وعلى حمية وغضب وحمق على رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وأصحابه، خرجوا بطراً ورئاء الناس، كيف يتجرأ محمد وأصحابه وتسول له نفسه أن يعترض قافلة لهم، أنه الكبرياء والغرور والغطرسة التي يندفع بها أهل الشرك والضلال في كل زمان ومكان دون تفكير أو روية.. وكان من خلفهم الشيطان اللعين يستحثهم ويستنفرهم للقضاء على محمد وأصحابه.
ولم يزل أبو سفيان حذراً متيقظاً حتى تأكد له أن الرسول "صلى الله عليه وسلم" ومن معه يقف بالطريق الرئيسي الذي يمر ببدر، فغير وجهته وأتجه نحو الساحل غرباً، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة.. وأرسل رسالته إلى جيش مكة ليخبرهم حتى يعودوا.
فانقسم الجيش المكي إلى فريقين فريق يقول أن ما خرجنا من أجله قد تلاشى وانتهى بعودة القافلة، وكان ذلك رأى الأخنس بن شريك.. فأشار بالرجوع فعصوه فرجع هو وبني زهره وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل، فقام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلا: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم بها ثلاثاً، فننحر الجذور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبد الدهر.
إنها الجاهلية التي ترفض أن تحتكم إلى صوت العقل والحكمة، فلا يهمها إلا بث الرعب في نفوس الشعوب.. فتقتل وتستبيح الأراضي والأعراض، وتستحل الدماء تحت الدعوى بالخروج عن الشرعية، رغم أن ما خرجت من أجله قد عاد إليها بل يطلب منها العودة والرجوع، لكنها تتخلى عن أي قيم ومبادئ وأعراف تعارفت عليها البشرية من أجل الهيمنة والكبرياء والتعالي على كل الشعوب.
سرعان ما نقلت استخبارات الجيش المدني خبر فوات العير والنفير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبح جيش المدينة في موقف لا يحسد عليه، فهو أمام معركة لم يعد لها العدة ولن تكون متكافئة بالنظر إلى قوة العدو وعدته، فأصبح بين خيارين.. إما أن يعود ويترك الجيش المكي يجوس في المنطقة ولا يضمن أن يعود جيش مكة.. ولا يواصل المسير نحو المدينة.. وينقل المعركة إلى أسوارها ويغزوا المسلمين في عقر دارهم.
وإما أن يقوم بأقدام يبنى على الشجاعة والبسالة، والجراءة والجسارة، يحفظ للجيش المدني هيبته، وإيذاء هذا الموقف الخطير عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً عسكرياً استشارياً أشار فيه إلى الوضع الراهن وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته، فقال أشيروا على أيها القوم: فتكلم أبو بكر الصديق وأحسن ثم تكلم عمر وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله أمضى لما أراك الله، فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ولكن أذهب أنت وربك فقاتلاً إنا معكم مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سيرت بنا إلى برك الغماد لجلدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك.. ولكنه أراد أن يسمع لرأى الأنصار فقال أشيروا على أيها الناس فقال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال: فقد أمنا بك فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو أستعرض بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلاً واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك.. فسر بنا على بركة الله.
ما أحوج أن تسمع القيادة مثل هذه الكلمات القوية التي ترفع من همتها وتلتمس فيها صدق أفرادها وثقتها في قيادتها.
إن القيادة مهما بلغت فهي تحتاج دائما إلى مؤازرة الأفراد وخاصة في مثل هذه المواطن التي تحتاج إلى الإقدام والشجاعة والبسالة.
وإن القيادة الحكيمة هي التي تستطيع أن تصل بأفرادها إلى روح التفاني من أجلها ومن أجل عقيدتها.
إن القول العظيم لسعد بن معاذ ليؤكد الولاء التام من الأنصار واستعدادهم للتضحية والموت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يؤكد من طرف أخر أن الأمل بالنصر غير قائم، وهذا يتضح جلياً من سعد بن معاذ عندما يقترح على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى المسلمين مقر لقيادته استعداداً للطوارئ وتقديراً للهزيمة قبل النصر.. فإذا ما كانت الثانية كان هناك رجالاً بالمدينة قد تخلفوا، ما نحن بأشد لك حباً منهم ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم وينصحونك ويجاهدون معك.
وبالفعل قام سعد بن معاذ ومن معه من المسلمين ببناء عريشاً يكون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون مقراً لقيادته، يقف على بابها مجموعة من الشباب من خيرة شباب المدينة وعلى رأسهم سعد بن معاذ.
أمام هذه الروح العالية من الأنصار والمهاجرين ومما يحمله كلام سعد من تقديم الهزيمة على النصر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليربط على القلوب ويهدهد عليها ويطمئنها، ويقوى الضعيف ويزيد القوى قوة فقال: (سيروا وابشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الحسنيين، والله لكأنى أرى مصارع القوم) ثم أخذ يحدد لهم ويقول: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما عادا رجلاً مصرعه، فعلم القوم أنهم يلقون القتال وأن العير تفلت.
بمثل هذه الروح من المهاجرين والأنصار وما قابلها من القيادة الحكيمة الممثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استطاع بكلمات قلائل ينفخ في جيشه روح الاستبسال والجهاد.. وينتقل معهم من معركة لم يعد لها العدة.
معركة فرضت عليهم وما كان يخطر ببال أحدهم أن يلاقى جيشاً بقوة جيش قريش، ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحديث عن مصارع القوم فيرفع الهمم ويقوى العزائم، فيقدموا أنفسهم رخيصة في سبيل هذا الدين.
وذلك يتضح جلياً عندما يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعدل صفوف المسلمين بقدح في يده، وكان سواد بن غزيه متنصلاً من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال: أستوي يا سواد، فقال سواد يا رسول الله أوجعتني فأقدنى، فكشف عن بطنه فقال: إستقد، فاعتنقه سواد وقبل بطنه فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون أخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، وذلك أيضاً عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجيشه (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض والذي نفس محمداً بيده، لا يقاتلهم اليوم رجلاً فيقتل صابرا محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا ادخله الله الجنة).
فقال عمير بن الحمام: بخ بخ "كلمة تعجب".. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على قولك بخ بخ؟؟ قال رجاء أن أكون من أهلها فقال صلى الله عليه وسلم أنك من أهلها.. فأخرج تمرات كان يأكلها فرمي بها ثم قال لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة.
كذلك سأله عوف بن الحارث فقال يا رسول الله: ما يضحك الرب من عبده؟ قال صلى الله عيه وسلم (غمسه يده في العدو حاسرا) فنزع دراعاً كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.
بمثل هذه الروح التقى الجيش المسلم مع عدوه.
إننا أمام صورة نادرة من الحب والتفاني من أجل هذا الدين.. إنهم قوم قد تخلصوا من الدنيا وانتصروا على أنفسهم، وأصبح شغلهم الشاغل وهمهم الأوحد هو الانتصار لهذا الدين أو الموت دونه، ما أحوجنا ونحن في هذه الظروف إن تقف الأمة أمام هذه الصورة لتأخذ منها العبرة والعظة، علها تفيق من ثبتها وتقوم من غفلتها، وتنهض من عثرتها، لتعيد للأمة مجدها من جديد.
ونترك جيش المدينة في هذه الروح العالية والمعنويات المترفعة، ونوادر الحب والتفاني بين القيادة وأفرادها، لنذهب إلى الجيش المكي ونتعرف على أحواله قبل المعركة.
بعد أن رفض أبو جهل العودة وأصر على المعركة رغم أن العير قد مرت بسلام، أرسلوا عمير بن وهب الجمحى للتعرف على مدى قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر.. ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين أو مدد؟؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئاً، فرجع إليهم فقال ما وجدت شيئاً، ولكنى قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع.
قوم ليس معهم منعه ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجلٌ منهم حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم فما خير العيش بعد ذلك؟؟ فروا رأيكم؟ حين إذ وقع الانشقاق بين الجيش المكي وتبنى فريق العود مرة أخرى إلى مكة.. ولكن أبو جهل أصر على القتال وأتهم من يطالبون بالعودة بالجبن والخوف.
بمثل هذه الروح من الخلاف والفرقة، وهذه المعنويات المنهزمة، والغطرسة من القيادة المستبدة، تقدم جيش مكة لمحاربة جيش المدينة.
تحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه فنزل أدنى ماء من مياه بدر، فقام الخباب بن المنذر وقال: يا رسول الله أهذا المنزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال: ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة) قال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من قريش فننزله ونهدم ما سواه من الآبار فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي.
وبذلك نزل جيش المدينة المنزل العسكري الصحيح، إننا نرى موقف عظيماً يرسى مبدأ الشورى، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأعظم لم يستبد برأيه، بل نزل على رأى أحد الجنود الصغار، وذلك ما أفتقده الجيش المكي.
ترآى الجيشان ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ويقول (اللهم ما هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم ما أحنهم الغداة).
وحاول أحد جنود الجيش المكي أن يشرب من بئر بدر فضربه حمزة فقتله ثم بدأت المعركة بعد ذلك.. وخرج عتبة وأخوه شيبه بن ربيعه والوليد بن عتبة وطلبوا المبارزة فخرج لهم حمزة وعلى وعبيدة بن الحارث.
أما حمزة فقتل شيبه، وأما على فقتل الوليد، وأما عبيدة فضربه عتبة ضربة مات منها بعد ذلك ولكن نهض على وحمزة على عتبة فقتلاه.
بعد ذلك بدأت المعركة وحمى الوطيس، واستدارت رحى الحرب واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه يناشده ويقول (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد ذلك) وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك.
ثم ما لبث رسول الله إلا وأغفى إغفاءة واحدة، استفاق متهلل الوجه صلى الله عليه وسلم، باسم الثغر، ثم نادي في صفوف المسلمين يحرضهم على القتال، ويشدد من عزائمهم، ويبشر الثابتين منهم بحسن الجزاء وعظيم الأجر، ويقول لهم (والله لا يقاتلنهم اليوم مقاتل، مقبلا غير مدبر، فيقتل.. إلا أدخله الله الجنة) واستجاب المسلمون لندائه صلى الله عليه وسلم واندفعوا كالإعصار، يواجهون عدوهم مواجهة لم يعهدها من قبل.
واصطدم الفريقان، وتلاقى الطرفان وتواجه الأقرباء..، الآباء بالأبناء، وأبناء العمومة بأبناء العمومة، وكذلك أبناء الخولة.. الذين خالفت بينهم العقائد والمبادئ، فئة قليلة تؤمن بالله، وأخرى كثرة كافرة تشرك بالله، وتذل رقابها وأعناقها للأوثان والأصنام.. ونزل النصر الإلهي في قلب المحنة، فكانت الملائكة تقاتل بجانب الجيش المسلم، وكتب الله النصر للفئة المؤمنة المستضعفة.. وانهزمت الفئة الباغية الظالمة المستبدة.
ما أحوجنا أن نلجأ إلى الله ونستقوي به، نلجأ إلى الله وحده بقلوب مخلصة متعلقة بحبله المتين ومتحصنةً بحصنه المنيع، ملتمسة النصر منه وحده لا من غيره.
لقد جربنا اللجوء إلى الشرق تارة والغرب تارة، فما جنينا إلا الخسارة والذلة والمهانة، إن الله وعد ووعده الحق لينصرن جنده وعباده الصالحين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً).
انتهت الغزوة وقتل سبعون من صناديد قريش وكبرائها ولعل ما يستوقفنا أن أبو جهل فرعون هذه الأمة والطاغوت الأكبر كان من بين القتلى.
قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا بن أخي، فما تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك.. قال: وغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس.. فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال: فابتدراه فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـقال: (أيكما قتله؟) فقـال كـل واحد منهما : أنا قتلته، قال: (هل مسحتما سيفيكما؟) فـقالا: لا.. فنـظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلــى السيفـين فقال: (كلاكما قتله)، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومُعَوِّذ ابن عفراء.
قتل أبو جهل على يد فتيان حديثا السن وذلك لأنهم تربوا بالمدينة يسمعون أن هذا الطاغية كان دائم السب لرسول الله، فكان شغلهم الشاغل الانتقام منه.
تعتبر غزوة بدر الكبرى أهم الغزوات في جهاد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الشرك عامة وقريش خاصة، وفى شهر رمضان المبارك من كل عام يتذكر المسلمون في مختلف ديارهم ذلك اليوم العظيم، فيحيون ذلك بالاحتفالات والخطب، واستعادة الذكرى العظيمة، ثم تنفض احتفالاتهم من غير أن تحفزهم روح الذكرى إلى أن استمرار المعركة بين الحق والباطل قائم مادامت السموات والأرض، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، لذلك هانوا على أعدائهم ممن يتربصون بهم، وفى كل مكان فوق الكرة الأرضية، طالما أن الأمر لا يعدو نطاق الكلام...!
ولقد كتب الكثير والكثير عن غزوة بدر، إلا أن كل تلك الكتابات، رغم التحليل والدرس والبحث، ستظل في إطار الحرف الجامد، إن لم يترجم إلى حركة وفعل، وقبل ذلك إلى إيمان، كي نخرج كأمة إسلامية واحدة من قمقم المهانة والضعف إلى رحابة الوجود، فنكون بحق، (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
وإلى لقاء مع نصر آخر شاهد عليه شهر رمضان المبارك.
| الإسم | ahmed123 |
| عنوان التعليق | فتح الله لك.... |
| اكرمك الله ووفقك لما فيه الخير فما احوجنا لروح رمضان |
عودة الى من التاريخ
|