|
لماذا يتعاطف الغرب مع إسرائيل ؟اليوم الخليل.. غدا.. القدس , الموساد ليس أسطورة إعداد عبد العزيز محمود
لماذا يتعاطف الغرب مع إسرائيل ؟سؤال يطرحه د.سليمان عبد المنعم في الأهرام .. أسباب عدة يمكن طرحها للنقاش لكي نختبر مدي صحتها في تفسير التعاطف الغربي مع إسرائيل, ولكي نعرف, ربما ما إذا كان بوسعنا التغيير في حركة هذه الأسباب أم لا والدور الذي يجب أن نمارسه في هذا الخصوص.....وعن أفعال إسرائيل يكتب عبد الله معروف في القدس العربي اليوم الخليل وغداً القدس ... على الأمة أن لا تنتظر حتى يحدث هذا الأمر لتقوم وتنتفض قليلاً ثم تموت القضية كما حدث سابقاً مع المسجد الإبراهيمي، ولكن المسؤولية تكمن في منع هذا الأمر من الحدوث أصلاً.... وماذا ل الحديث موصلا ً عن إسرائيل ففي الوفد يكتب سمير محمد غانم عن الموساد الذي ليس أسطورة . وجهاز الموساد ليس أسطورة أو ذا مهارات خارقة كما يردد البعض فهو جهاز مخابرات عادي يعمل فيه أفراد ليسوا فوق مستوي البشر!! ولكن الذي يميز هذا الجهاز عن أي جهاز مخابرات في العالم هو أن لديه إمكانيات لا تتوافر لأي جهاز آخر....وعن قراءة أخرى في اغتيال المبحوح يكتب أحمد المسلماني في المصري اليوم ... خطأ وحيد وقع فيه المبحوح عندما تم الدفع به للظهور في برنامج وثائقي لقناة الجزيرة الفضائية حول دوره في اختطاف جنود إسرائيليين أثناء الانتفاضة الأولى.....وعن فتوى أخر الزمان يكتب فهمي هويدى في الشروق.. فأفتى فتواه أثناء خطبته الحماسية، ثم نهض ومضى يحيى بكلتا يديه الجماهير التي صفقت له إعجابا بغيرته على مآذن المساجد السويسرية، وغضبه على الشعب السويسري الكافر ــ وبطبيعة الحال فإن أحدا ما كان يجرؤ على أن يذكر العقيد بأنه لم يعلن الجهاد حين انقض الإسرائيليون على غزة وحاصروها منذ ثلاث سنوات، ولا حين غزا الأمريكيون العراق، ولا حين سحق المسلمون على أيدي الحكومة الصينية في تركستان الشرقية، ولا حين تعرض المسلمون في البوسنة للإبادة من جانب الصرب...وإلى التفاصيل
لماذا يتعاطف الغرب مع إسرائيل ؟
بقلم: د. سليمان عبد المنعم
سؤال لماذا التعاطف الغربي مع إسرائيل سؤال قديم حديث. وهو مازال قابلا لأن يعاد طرحه اليوم وغدا وفي كل مرة يتنكر فيها الغرب لقيم العدالة والانصاف وحقوق الانسان التي تمثل احد ابرز أنساقه الاخلاقية واحد اكبر تناقضاته في آن معا.
بل إن ما يبديه الغرب تجاه الممارسات الاسرائيلية غير الانسانية انما يتجاوز في الواقع مجرد التعاطف ليشمل الانحياز والتأييد والتغطية والتستر والحماية والموقف الغربي من جريمة اغتيال المبحوح القيادي في حركة حماس والتي شهدتها مدينة دبي مؤخرا يؤكد مرة اخري هذه المعاني. فعلي الرغم من فضيحة استخدام من ارتكبوا هذه الجريمة جوازات سفر اوروبية فإن ردود فعل الدول الغربية المعنية تثير التأمل, إذ يبدو ان هذه الدول تشعر بالاحراج لا الغضب وبالخجل لا المهانة. تقول أوساط اسرائيلية مقربة من وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان ان جهات اوروبية قد ابلغتهم ب أننا لم نكن لنتابع موضوعات جوازات السفر لولا الضغوط التي تمارسها حكومة دبي وتهديدها بوقف منح تأشيرات دخول للمواطنين الأوروبيين إن هذه العبارة الدالة الفاضحة تحتاج مرة اخري لأن نعيد طرح السؤال اياه فالبحث عن أسباب التعاطف الغربي مع اسرائيل مازال جديرا بالانشغال لان كل سبب يمكننا اكتشافه واختبار صحته هو في الوقت ذاته سبب لهم التجاهل الغربي للقضايا العربية.
أسباب عدة يمكن طرحها للنقاش لكي نختبر مدي صحتها في تفسير التعاطف الغربي مع اسرائيل, ولكي نعرف, ربما ما اذا كان بوسعنا التغيير في حركة هذه الاسباب ام لا والدور الذي يجب ان نمارسه في هذا الخصوص.
السبب الاول هو عقدة الذنب التي يشعر بها الغرب نتيجة لما تعرض له اليهود من اضطهاد وملاحقة وإبادة ابان الحرب العالمية الثانية, وهذه حقائق تاريخية يجب ان يندي لها الجبين الانساني بصرف النظر عن اية ظروف او ملابسات احاطت بها او مبالغات تنسج حولها. يبدو هذا السبب اشد وضوحا في دولة مثل المانيا التي ظلت حتي وقت قريب تدفع تعويضات مالية كبيرة لإسرائيل بسبب ما تعرض له اليهود المقيمون فيها في اثناء حقبة الحكم النازي. والتصريحات الالمانية الاخيرة عن الالتزام بحماية اسرائيل تؤكد ان عقدة الشعور بالذنب تجاه اليهود مازالت تتحكم في العقل السياسي الالماني بعد سبعة عقود من وقوع هذه المأساة.
لكن حين يتأمل المرء عقدة الشعور بالذنب التاريخي في الضمير الغربي تجاه اسرائيل سرعان ما يكتشف ملاحظتين علي درجة كبيرة من الوضوح والاهمية. الملاحظة الاولي ان الضمير الغربي لم يشعر بعقدة الذنب نفسها ازاء ما تعرض له الفلسطينيون علي مدي عقود طويلة ومازالوا من اعمال الاضطهاد والتشريد والقتل التي بلغت في بعض الاحيان حد ارتكاب جرائم ضد الانسانية, بل وما يرقي الي جرائم الابادة. وحتي في الحالات التي بدأ يصحو فيها ضمير قطاعات من المجتمع الغربي بسبب ما يتعرض له الفلسطينيون فإن هذه الصحوة لم تتجاوز حد المظاهرات وتنظيم بعض مبادرات التعاطف مع الفلسطينيين مثلما حدث في قوافل المساعدات الانسانية الي غزة ولم يصل الامر يوما الي حد التأثير في السياسات والمواقف الحكومية الغربية تجاه اسرائيل هل معني ذلك ان الضمير الغربي يعاني من الانفصام والازدواجية؟ أم انه قد وزع ردود فعله في نفاق سياسي فأعطي للفلسطينيين الاقوال والتصريحات واختص اسرائيل بالمواقف والافعال؟
أما الملاحظة الثانية فهي ان الشعور بعقدة الذنب التاريخي تجاه ما تعرض له اليهود خلال الحرب العالمية الثانية وان بدا سببا مفهوما لتفسير التعاطف الالماني مثلا مع اسرائيل باعتبارها الدولة المسئولة عن المعاناة الاكبر لليهود فإن الولايات المتحدة الامريكية التي لم تتورط تاريخيا في اضطهاد اليهود هي الاكثر انحيازا لاسرائيل ومساندة لها وتسترا عليها, والمسئولة امام التاريخ والضمير الانساني عن تعطيل كل مشاريع قرارات الامم المتحدة لادانة اسرائيل عما ارتكبته من جرائم ومجازر بحق الفلسطينيين والعرب منذ تاريخ اعلان قيام الدولة اليهودية وحتي مذابح غزة في العام الماضي.
السبب الثاني للتعاطف الغربي مع اسرائيل يبدو مرتبطا بالمسألة الديمقراطية, فليس سرا ان الغرب يري في اسرائيل الديمقراطية التي لايراها في بلاد العرب. والجزء الاكبر من الدعاية الاسرائيلية لدي الرأي العام الغربي هو انها الواحة الديمقراطية الوحيدة وسط صحراء عربية قاحلة, تفعل اسرائيل هذا علي وجه الخصوص حين تبدو مأزومة ويشتد عليها الخناق بسبب ممارساتها العدوانية, وجزء مما تزعمه اسرائيل ويراه الغرب صحيح لكن الجزء الآخر ملفق ومتناقض فنقطة الضعف التي تعري الديمقراطية الاسرائيلية هي العنصرية التي تشكل السلوك اليومي للنسق الديمقراطي المزعوم اذ كيف تلتقي الديمقراطية والعنصرية في آن واحد؟! قد تبدو اسرائيل في احسن الاحوال مجتمعا ديمقراطيا لكن ثمة شكا كبيرا في اعتبارها دولة ديمقراطية, والفارق كبير بين الاثنين واسرائيل مجتمع يهودي ديموقراطي لكنها بيقين ليست دولة ديمقراطية.
لكن المشكلة وربما المأساة انه ايا كان تحليلنا لمآزق المسألة الديمقراطية في اسرائيل فالحاصل ان هذه الديمقراطية علي الرغم من تناقضها تكتسب مصداقيتها لدي الرأي العام الغربي بقدر ما هي مفتقدة في المحيط العربي مترامي الأطراف.
والديمقراطية محل اعتبار خاص في العقل الغربي لأسباب عديدة ليس فقط لانها الركيزة السياسية للدولة المدنية بل لان الغرب يجد فيها ـ أي الديمقراطية ـ جذوره الحضارية الحديثة. ثم ان اسرائيل قد نجحت في تسويق ديمقراطيتها واستثمارها اعلاميا في العالم كله بشكل ذكي وفعال. وبينما كنا نشمت في اسرائيل لأن رؤساءها وقادتها يلاحقون قضائيا بتهم التحرش الجنسي والفساد فإنها كانت تجني من وراء ذلك دعاية سياسية هائلة لدي الرأي العام الغربي تتجاوز كل آثار الفضيحة السياسية التي خلفتها هذه المحاكمات. لكن يبقي السؤال هو: هل بسبب ديمقراطية اسرائيل يغفر الغرب لها ويتناسي كل اخطائها وانتهاكاتها؟ والاجابة ان شيئا آخر غير الديمقراطية يسهم بالتأكيد في التعاطف الغربي مع اسرائيل, وهو ما يقودنا الي السبب التالي.
السبب الثالث: قوي الضغط وجماعات الاعلام الموالية لإسرائيل في قلب المجتمعات الغربية. فلا احد ينكر الوجود القوي والذكي لهذه القوي والجماعات التي استطاعت ان تؤثر في الرأي العام الغربي الي حد كبير. وكان الملاحظ ان هذه القوي والجماعات قد توزعت ـ بقصد او بدون قصد ـ علي مختلف الاحزاب والاوساط ووسائل الاعلام ولم تضع البيض كله ابدا في سلة واحدة! ففي الولايات المتحدة الامريكية توجد هذه القوي بشكل مؤثر في الحزبين الجمهوري والديمقراطي معا. وفي فرنسا لايخلو حزب مؤثر من هذه القوي سواء من أحزاب اليمين ام اليسار. وعلي الرغم من ان هذا الوجود يبدو من الناحية العددية محدودا, فهو من الناحية النوعية شديد التأثير والتوجيه الي درجة يثار فيها التساؤل احيانا حول حقيقة الانتماء الذي يوجه هؤلاء وما إذا كان للدولة التي يحملون جنسيتها ام للدولة التي يحملون ديانتها؟
اليوم الخليل.. غدا.. القدس
د. عبد الله معروف من القدس العربي
كما توقع المطلعون والملمون بقضية المسجد الأقصى المبارك والمقدسات في فلسطين عموماً.. أعلنت قوات الاحتلال ضم المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم لقائمة ما يسمى (التراث اليهودي)، وبذلك انتهى الفصل قبل الأخير من عملية إنهاء الوجود الإسلامي في هذه الأماكن المقدسة، والتي بدأت منذ سنوات وبنفس طويل. وهنا أقول 'الفصل قبل الأخير' لأن ما سيحدث الآن بحسب التوقعات أن سلطات الاحتلال ستبقي للمسلمين إمكانية الدخول إلى هذه الأماكن المقدسة فترةً معينة على اعتبار إقناع الرأي العام بأن هذه العملية ليست إلا مجرد إجراء شكلي ولم يؤثر على إمكانية الصلاة وإقامة الشعائر في هذه المساجد المقدسة، وذلك على أمل أن تظهر أصوات قد عهدناها دائماً تنادي بأن لا حاجة لانتفاضة الشعب الفلسطيني والمسلمين في العالم كله أو الغضب لهذه العملية الخطيرة وذلك لأن الوجود الإسلامي في هذه المساجد 'ما زال مكفولاً'، وقد تظهر أيضاً نفس هذه الأصوات تنادي بأن يصلي المسلمون في هذه الأماكن ويتركوا 'النضال' السياسي لاستعادة هذه الأماكن لأصحاب التوجه السياسي الذي سيرفع القضايا ويستعين بالمجتمع الدولي و'يفضح' الممارسات الصهيونية في العالم كله بحيث 'تنكشف' المؤامرات للمجتمع الدولي الذي لن يقبل بهذا وسيكون ذلك 'انتصاراً' سياسياً للفلسطينيين في وجه كيان الاحتلال.
هذا السيناريو عودتنا عليه هذه الأصوات.. ولن أتعب قلمي هنا بالرد عليها لأننا عهدنا فيها التخاذل وتقديم مصالحها المرتبطة بالمحتل أصلاً على مصلحة هذه الأمة ومقدساتها. وليس لي إلا أن أحذر أبناء أمتنا سواء داخل فلسطين أو المسلمين في العالم كله وأهيب بهم أن يقلبوا القنوات الفضائية عند ظهور هؤلاء اليائسين. ولا يلتفتوا لأصوات يائسة أخرى قد تقلل من أثر هذه العملية وتقول إن تضخيمها والحديث عنها مجرد عبث.
إن ما حدث في المسجد الإبراهيمي بالذات (ويلحق به مسجد بلال بالتأكيد) له دلالات كبيرة وخطيرة تثبت ما ينادي به المطلعون على قضية المسجد الأقصى المبارك من توجه قوات الاحتلال الصهيوني لتقسيمه واقتطاع جزء منه لصالح قضية المعبد، ويبين أن ما يحدث في المسجد الإبراهيمي الآن مجرد 'بروفة' وتدريب عملي لما سيحدث في المسجد الأقصى المبارك إن بقي الوضع على ما هو عليه. ولنبدأ القصة من بدايتها لنرى نفس السيناريو في القدس أيضاً وأرجو من القارئ أن يتصور أحداث القصة التالية في المسجد الأقصى المبارك مع أن مسرحها الخليل.
تم احتلال المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1967، وهو نفس العام الذي تم فيه احتلال المسجد الأقصى المبارك وشرقي مدينة القدس. ومنذ ذلك الوقت كانت قوات الاحتلال تحاول الدخول إلى منطقة المسجد الإبراهيمي بأي شكل وبأي طريقة، فبدأت باحتلال الجدار الخارجي للمسجد الإبراهيمي في الناحية الشرقية والجنوبية، وبعد تكاثر المتطرفين اليهود في المكان بدأت ترتيبات إدخالهم إلى المسجد الإبراهيمي إلى جانب المسلمين بحيث يصلي كل طرف منهم صلاته، وبعد ذلك بدأت المطالبة بتخصيص أوقات يسمح فيها للصهاينة بالانفراد داخل المسجد الإبراهيمي أوقاتاً محددة، وبمعنى آخر: اقتطاع زمني لصالح اليهود، واستمر الأمر على ذلك حتى سمحت قوات الاحتلال لأفراد المتطرفين الصهاينة بدخول المسجد الإبراهيمي بأسلحتهم 'دفاعاً عن أنفسهم' في وجه المسلمين. وكان التطور الخطير لهذه الترتيبات متمثلاً في مجزرة المسجد الإبراهيمي عام 1994 على يد الإرهابي المتطرف باروخ غولدشتاين 'الذي اعتبره المتطرفون الصهاينة شهيداً قديساً بعد أن قتله المصلون المسلمون في ذلك اليوم'. ولم تكن هذه المجزرة إلا جزءاً من الاستراتيجية الصهيونية للسيطرة على المسجد الإبراهيمي، وذلك بدليل نتيجة المجزرة التي كانت عكس المفترض، فبدلاً من معاقبة المتطرفين اليهود بمنعهم من دخول المكان، فوجئ العالم كله بقوات الاحتلال تكافئ المتطرفين اليهود باقتطاع جزء من المصلى المرواني وتخصيصه لليهود فقط، الأمر الذي لم تم تطويقه من قبل جهات كثيرة كان منها للأسف جهات فلسطينية، خاصة أن عملية السلام في ذلك الوقت كانت تمر في أوج مراحلها. وخلال السنوات اللاحقة بدأ التضييق على المصلين المسلمين في المسجد الإبراهيمي يشتد أكثر متجلياً في منع المسلمين من دخول المسجد في الأعياد اليهوية (وما أكثرها)، وبالمقابل إبقاء الوضع على ما هو عليه في أعياد المسلمين، ووصل الأمر إلا إغلاق المسجد الإبراهيمي في وجه المسلمين الأيام والليالي ذات العدد، وها قد حان وقت إعلان المكان تراثاً يهودياً مع 'وعد' صهيوني رسمي - تناقلته وسائل الإعلام - بعدم المساس بحقوق العبادة لدى المسلمين. وهذا المتوقع في هذه الحالة على الأقل في البداية كما حدث عند الاقتطاع عام 1994.
ولمن لا يعلم أبعاد الإعلان الصهيوني الأخير أقول: إن هذا الإعلان يعني انقلاب الوضع في المسجد الإبراهيمي رسمياً لأول مرة منذ الاحتلال الصليبي للخليل قبل حوالي ألف عام، فبدلاً من أن يكون هذا المكان مسجداً حقاً للمسلمين يصلي فيه اليهود دون حق في ملكيته (منذ الاحتلال عام 1967)، أصبح المكان بهذا الإعلان كنيساً يهودياً كاملاً يسمح فيه للمسلمين بإقامة شعائرهم باعتبار ذلك 'تفضلاً' و'منَّةً' من اليهود لا باعتباره حقاً للمسلمين، وهذا الإعلان يمكن اليهود إلى اعتبار المسلمين (أصحاب المكان في الحقيقة) مجرد رعايا يسمح لهم بالصلاة في المكان دون اعتراف لهم بحقهم فيه، ويفتح هذا الباب للاحتلال بحقه في منع المسلمين من الصلاة في هذا المكان في حال مخالفة القوانين التي تضعها قوات الاحتلال، وهو ما سيحدث في المستقبل القريب خلال السنوات القليلة القادمة إن بقي الوضع على ما هو عليه وينتهي بإخراج المسلمين نهائياً من المسجد الإبراهيمي، وهذه الحالة أقرب في مسجد بلال الواضع في بيت لحم نظراً لظروفه الأصعب من المسجد الإبراهيمي.
هذا هو السيناريو الذي يتم الآن تنفيذه 'لا تخطيطه فقط' في المسجد الأقصى المبارك، فالأقصى مر بالمرحلة الأولى وهي احتلال الفضاء الخارجي له منذ عام 1967، ويمر الآن في أواخر المرحلة الثانية وهي تخصيص الأوقات الصباحية لصلاة اليهود في رحابه بأعداد كبيرة، وهو على أعتاب المرحلة الثالثة التي قد تحدث قريباً وهي تقسيم ساحات المسجد الأقصى المبارك بين المسلمين واليهود واقتطاع جزء قد يكون صغيراً في البداية من ساحات المسجد لصالح الجماعات اليهودية المتطرفة.
ونحن هنا لا نروج للأمر ولكن نقول إن على الأمة أن لا تنتظر حتى يحدث هذا الأمر لتقوم وتنتفض قليلاً ثم تموت القضية كما حدث سابقاً مع المسجد الإبراهيمي، ولكن المسؤولية تكمن في منع هذا الأمر من الحدوث أصلاً، وهنا يتكامل الرسمي مع الشعبي، فالرسمي عليه أن يرسل رسائل شديدة اللهجة إلى قوات الاحتلال بأن الأمر سيعود إلى ما كان عليه قـــــبل مؤتمر مدريد عام 1992 في حال المساس بأي جزء من ساحات المسجد الأقصى المبارك (وليس مجرد قبة الصخرة أو الجامع القبلي)، والشعوب عليها التحرك الآن لإرسال رسائل شديدة جداً إلى كيان الاحتلال توضح له أن الشعوب لن تسمح بأي شكل بأن يحدث أي تقسيم للأقصى.. وعلى الإعلام أن يساهم في هذه المرحلة بقوة بزرع وتأكيد هوية المسجد الأقصى المبارك الحقيقية لدى أبناء أمتنا.. فالأقصى ليس مجرد قبة الصخرة أو الجامع القبلي، وإنما هو كل الساحات بأشجارها ومصلياتها وقبابها وآبارها ومحاريبها ومدارسها ومصاطبها وبوائكها وكل ما فيها (والذي اسمه الحقيقي 'المسجد الأقصى' لا ما يسمى خطأً 'الحرم القدسي')، واقتطاع أي جزء من الساحات أو حتى إسقاط شجرة منه كما حدث العام الماضي يعني فعلياً اقتطاع جزء من الأقصى المبارك والاعتداء عليه كله.
الأمر وصل إلى تطور كبير وخطير، والأمة كلها اليوم على المحك، وستكون النتيجة عامة شاملة للأمة كلها لا واحداً أو جهةً منها فقط، وهنا أتذكر شخصاً اتصل ببرنامج تلفزيوني كنت أشارك فيه وسأل: (من الذي سيحاسب يوم القيامة عن ما يحدث للمسجد الأقصى المبارك؟) فكان الجواب الذي أكرره لكل من يقرأ هذه السطور: أنـت.
الموساد ليس أسطورة
بقلم: سمير محمد غانم
بمناسبة اغتيال جهاز الموساد الاسرائيلي للسيد محمود المبحوح في دبي يوم 20-1-2010 اقول ان اسرائيل لا تكتفي باعتداءاتها المفرطة علي الشعب الفلسطيني داخل فلسطين ولكنها تعد ذراعها خارج الأراضي الفلسطينية في عمليات كثيرة معروفة ولا داعي لتكرار ذكرها!! واسرائيل تخرج لسانها للعالم كله وهي ترتكب جرائمها!! وجهاز الموساد ليس أسطورة أو ذا مهارات خارقة كما يردد البعض فهو جهاز مخابرات عادي يعمل فيه افراد ليسوا فوق مستوي البشر!! ولكن الذي يميز هذا الجهاز عن أي جهاز مخابرات في العالم هو أن لديه امكانيات لا تتوافر لأي جهاز آخر تتلخص في الآتي: 1- كل يهودي في اي بقعة في العالم هو مصدر معلومات ومتعاون مع جهاز الموساد سواء رضي أم لم يرض!! وما يقال ان الصهيونية العالمية وهي حركة سياسية جمعت بعض اليهود في فلسطين هي شيء آخر غير اليهود كديانة كيف ذلك وحكام اسرائيل الآن يطالبون العالم بالاعتراف باسرائيل كدولة يهودية "دينية؟!!" أي أن اليهود سواء كانوا داخل اسرائيل او خارجها هم مواطنون اسرائيليون.. وغير معقول أن جهاز الموساد لديه هذا الكنز الهائل من ملايين اليهود في جميع أنحاء العالم بأموالهم الطائلة ونفوذهم وتغلغلهم في دولهم التي يقيمون فيها ثم لا يستفيد جهاز الموساد منهم!! 2- هناك تعاون بين أجهزة المخابرات الاجنبية الصديقة او المتحالفة في جميع أنحاء العالم.. وهذا التعاون يكون محدداً بسقف الأمن القومي لكل دولة.. أما التعاون بين جهاز الموساد وبين هذه الأجهزة فإن له وضعاً خاصاً يتخطي سقوف الامن القومي لهذه الدول!! هذا بالاضافة الي عملاء الموساد في هذه الاجهزة الاخري سواء كانوا يهوداً أم غير يهود فإنهم يقدمون معلومات ومساعدات تفوق مستوي التعاون الرسمي!! أي أن جهاز الموساد يحصد فائدة هذا التعاون مرتين!! وفيما يتعلق بجوازات السفر الأجنبية التي استعملها عملاء الموساد في عملية تصفية محمود المبحوح والذي وصل عددهم حتي الآن الي 26 فرداً إما أنها سلمت للموساد بطريق التعاون الرسمي أو سلمت عن طريق عملاء الموساد في هذه الأجهزة دون أن تدري هذه الدول!! أو أن هذه الدول علمت وأغمضت عينيها!! أو أن تكون هذه الجوازات تم تزويرها ومعروف أن تزوير جواز سفر عملية سهلة جداً يقوم بها الجهاز الفني لأي جهاز مخابرات وهو أسهل بكثير من تزوير أوراق النقد مثلاً!! أما حكاية احتجاج بعض الدول الاوروبية "والتي نسبت لها هذه الجوازات" لدي اسرائيل فلن تردع اسرائيل اليوم او غداً وقد تكون هذه الاحتجاجات توزيع أدوار او سد خانة!! 3- تغلغل الموساد وأجهزة الامن الاسرائيلية في الشارع الفلسطيني حتي النخاع بدليل قيام اسرائيل باعتقال او تصفية أي هدف سواء كان ثابتاً أو متحركاً بدقة متناهية مما يدل علي وجود عملاء لها يرشدون ويضعون أجهزة الرصد فوق هذه الأهداف لكي تضربها بواسطة صواريخ جو أرض!! وبالمناسبة أقول ان المتعاونين من أهل البلاد مع القوات المحتلة موجودون في كل زمان ومكان!! ولكن المقاومة السرية الجادة هي التي تضع غمامة علي أعين سلطات الاحتلال وعملائها الخونة لكي تحقق ميزان الرعب الذي يلحق الأذي المادي والمعنوي بسلطات الاحتلال!! ولكن المقاومة في فلسطين مكشوفة تماما امام اجهزة الأمن الاسرائيلية كالكتاب المفتوح مما سهل لاسرائيل ضرب الشعب الفلسطيني واصطياد قادتهم داخل وخارج فلسطين وتتصرف في ارضه وكأنه غير موجود!!
وكثر البلاء والضعف والوهن للمقاومة بعد التصارع علي السلطة بين الفصائل الفلسطينية صرفها عن مواجهة العدو الرئيسي وعن اجراءات الأمن الواجب اتخاذها لكي تحمي شعبها وقادتها من عمليات التصفية في الداخل والخارج!! 4- عدم وجود ردود انتقامية عقابية من أي جهة تعرض أفرادها لتصفية جهاز الموساد الاسرائيلي وهو أهم عامل في نجاح الموساد في عملياته!! فالمجرم الذي لا يجد من يردعه او يوقفه او يعاقبه فإنه يتمادي في اجرامه!! ومما يثير الضحك والإشفاق هو قيام القيادات الفلسطينية باطلاق تهديدات بالانتقام عقب حدوث أي اعتداء او تصفية وبعد ذلك لاشيء!! وكلنا كنا نشاهد علي الفضائيات بعد حدوث اي اعتداء اسرائيلي خروج مظاهرات في الشوارع لرجال يلبسون الأقنعة ويطلقون الرصاص في الهواء هاتفين "سندمر اسرائيل" وبعد ذلك لا شيء!! أما ما قيل عن فشل الموساد في عملية اغتيال محمود المبحوح بسبب انكشاف الافراد المتورطين!! أقول ان هذا الجهاز لم يفشل لأنه نجح في تنفيذ العملية!! وما قرأته في جريدة "الأهرام" يوم 25-2-2010 من "أن قضية اغتيال محمود المبحوح تهز أركان جهاز الموساد"!! أقول تهز أركان الموساد أمام من؟!! وهل اسرائيل تعمل حساب احد في أي عمل تقوم به!! قد تكون اسرائيل قد تعمدت أن تكشف تورطها كرسالة لانذار من تسول له نفسه العمل ضد اسرائيل!! ولنفرض أن الموساد اخطأ في التنفيذ تعمداً أو إهمالاً او استهتاراً أو سوء تخطيط أو سوء حظ فإن ذلك لن يغير من نشاط الموساد بعد ذلك!! وكلنا يعلم أنه في عام 1997 حاول جهاز الموساد اغتيال خالد مشعل رئيس مكتب حماس بدمشق وكان وقتها موجوداً بالاردن عندما قام عميلان للموساد برش مادة سامة علي أذن خالد مشعل رئيس مكتب حماس وتم القبض علي العملاء بالصدفة وأن الملك حسين طلب من اسرائيل لكي يفرج عن عميليها أن ترسل ترياقا لعلاج خالد مشعل وكذلك الافراج عن الشيخ ياسين الزعيم الروحي لحماس وقد تم هذا التبادل!! ولم يتوقف نشاط الموساد بعد ذلك لأنهم قد قاموا باغتيال الشيخ ياسين بعد ذلك بصاروخ جو أرض وهو جالس علي كرسيه المتحرك امام المسجد بعد أن ادي صلاة الفجر!! من الذي وضع جهاز التوجيه علي كرسي الشيخ ياسين!!! الامر الذي يدعو للتساؤل لماذا 26 فرداً ترسلهم اسرائيل لاغتيال فرد واحد!! يبدو أنها كانت عملية مزدوجة، عملية اغتيال بالاضافة الي عملية تدريب ميدانية لكوادر جديدة للموساد!! الأخطاء في عمليات المخابرات من الأمور الواردة لأنها عمليات غير شرعية وغير قانونية وسرية وتتم في ظروف غير طبيعية وأحيانا تصادف عقبات غير محسوبة أثناء التنفيذ علي ارض الواقع!! أخطاء أجهزة المخابرات في جميع أنحاء العالم لا تعد ولا تحصي بمافيها أقوي جهاز وهو الـ CIA الأمريكي!! وأن جهاز المخابرات الذي يوفق مثلاً في حوالي 50٪ من عملياته يعتبر جهازاً ناضجاً!! وعلي أي حال فإنه لا يجب أن نبالغ في قدرات أي جهاز مخابرات وفي نفس الوقت لا يجب ان نقلل من قدراته.
قناة الجزيرة واغتيال المبحوح
بقلم : أحمد المسلمانى من المصري اليوم
محمود المبحوح قائد عسكرى ومخابراتى بارز فى حركة حماس، وقد تم اغتياله فى دبى، واتهمت سلطات دبى رسمياً جهاز الموساد الإسرائيلى بتخطيط وتنفيذ الاغتيال.
قالت سلطات دبى إن أعضاء فى حماس عملوا لحساب إسرائيل وكانوا سبب اختراق السرية الكبيرة التى يعمل بها المبحوح، وقالت حماس إن كلام سلطات دبى ليس دقيقاً، وطلب قادتها إرسال فريق تحقيق خاص إلى دبى. وقد أشاد د. عمرو الشوبكى فى مقال رائع فى صحيفة «الوفد» بالطريقة القانونية المهنية التى تعاملت بها شرطة دبى.. وهو ما أدى إلى إدانة إسرائيل وتخريب سمعة الموساد.. بل الأهم هو هزيمة الموساد بالوثائق والصور والبصمات، وهو إنجاز غير مسبوق فى الصراع مع ذلك الجهاز اللعين.
لكن الجدل بشأن العملاء الذين سربوا خط سير المبحوح بقى دائراً، هل فعلاً هو أحد أفراد حماس أم هى مجموعة أكبر من فرد تعمل داخل حماس أو إلى جوار حماس ولكنها جزء من إسرائيل ومخابرات إسرائيل؟! ثم زاد الجدل: هل يكون أفراد من حماس فى دبى هم من سربوا ذلك، أما حماس الداخل فلا اختراق لها ولا عملاء فيها، أم هى أجهزة أخرى لجهات أخرى هى من ساهمت فى قتل المبحوح.. ولا دخل لحماس فيما جرى سوى خسارة واحد من أبرز قادتها فى توقيت بالغ السوء؟!
ثمة فضاء واسع من التكهنات والتحليلات لكن الأكثر إثارة فيها هو ما نشرته صحيفة «الأسبوع» المصرية للأستاذ أحمد بديوى بعنوان «اغتيال المبحوح.. قراءة أخرى» يقول الكاتب: «الغريب أن المبحوح يعرف الدور الذى تلعبه الوحدة ٨٢٠٠ فى مراقبة جميع وسائل الاتصال، وأن إسرائيل عبر هذه التقنيات الحديثة استطاعت إجهاض العديد من عمليات المقاومة وتصفية عناصرها باستخدام بصمة الصوت.. لذلك شارك المبحوح فى وقت سابق فى إصدار نشرة إرشادية لتأمين الاتصالات بين كوادر حماس تطالب الجميع بإغلاق الهواتف المحمولة، وعدم البقاء فى مكان التحدث فترة طويلة، والاتفاق على شفرة للحديث..» ثم يمضى الكاتب إلى تلك المفاجأة فى التحليل..
ويقول: «خطأ وحيد وقع فيه المبحوح عندما تم الدفع به للظهور فى برنامج وثائقى لقناة الجزيرة الفضائية حول دوره فى اختطاف جنود إسرائيليين أثناء الانتفاضة الأولى.. نعم فضّل المشاركة ملثما، لكن من قال إن إسرائيل تريد ملامحه.. إسرائيل كانت تريد بصمة صوته فقط». يقوم هذا التحليل المثير لصحيفة الأسبوع على قاعدتين: الأولى قول الكاتب «خطأ وحيد» تم الدفع به للظهور فى قناة الجزيرة، والثانية قوله «إسرائيل كانت تريد بصمة صوته فقط».. ومجمل القاعدتين أن إسرائيل كانت تريد بصمة صوت المبحوح فدفعت به..
إما مباشرة أو بطريق عملائها للظهور فى قناة الجزيرة. ولأنه ليس من الطبيعى أن يظهر قائد عمليات عسكرية سرية ليروى بنفسه ما حدث.. بل يروى المذيع أو أحد المحللين أو يجرى تصوير ذلك تمثيلياً أو باستخدام الجرافيك.. فإن المبررات المهنية لـ«الجزيرة» فى استخدام المبحوح ليست وجيهة.. فهل كانت «الجزيرة» جزءاً من عملية اصطياد المبحوح كما كانت جزءاً من عمليات سابقة.. أم أنها بريئة هذه المرة؟! الله أعلم.
فتوى إمام آخر الزمان
بقلم: فهمي هويدى من الشروق
اشتبك العقيد القذافى مع الحكومة السويسرية، التى كانت شرطتها قد احتجزت ابنه وزوجته للتحقيق معهما فى شكوى ضدهما قدمها خادم للأسرة. وكما يحدث فى أى بلد محترم، فإن الشرطة حققت فى الشكوى وأطلقت بعد يومين سراح الابن هانيبال وزوجته لتستكمل الإجراءات القانونية بعد ذلك. لكن هذه لم تكن نهاية القصة، لأنها تحولت بعد ذلك إلى عاصفة هوجاء خربت علاقات البلدين ومصالحهما. ذلك أن الأخ العقيد اعتبر ذلك مساسا بقدره، وجريمة لا تغتفر. فقرر أن يعاقب الحكومة والشعب السويسرى، الأمر الذى أدى إلى وقف إمداد سويسرا بالنفط وسحب مليارات الدولارات من بنوكها ومنع شركة الطيران السويسرية من الهبوط فى طرابلس. وذهب العقيد إلى أبعد حين طالب بتقسيم سويسرا وتوزيعها على الدول الأوروبية المجاورة. واعتبر أن بلاده فى حرب مفتوحة ضدها. وإذا كان قد فعلها على هذا النحو مع سويسرا والسويسريين، فلك أن تتصور ما فعله بقبيلة الخادم الليبى الذى كانت شكواه سببا فى استدعاء ابن العقيد إلى الشرطة. ذلك أن المعلومات المتوافرة أشارت إلى أن القبيلة كلها تعرضت للاضطهاد والتنكيل، ودفعت ثمنا باظها جراء ما أقدم عليه ابنها.
ذلك كله لم يكن لنا شأن مباشر به. صحيح أنه لطخ سمعة والعرب المسلمين بالأوحال، لكن المشكلة ظلت بين العقيد والسويسريين من ناحية، وبين أجهزته وبين قبيلة الخادم تعيس الحظ من ناحية ثانية. إلا أن الرئيس الليبى أقحمنا فى المشكلة مؤخرا، حين ألقى خطبة فى مناسبة المولد النبوى دعا فيها إلى إعلان الجهاد ضد سويسرا «الكافرة»، التى صوت الناس فيها ضد بناء مآذن المساجد، واعتبر كل من يتعامل مع هذه الدولة الكافرة بأى صورة من الصورة مرتدا وتاركا للملة. وهذا الكلام إذا أخذ على محمل الجد فإنه يطالب المسلمين فى كل مكان بمحاربة ذلك الكفر بكل الوسائل المتاحة، ويبدو أن الأخ العقيد أصدر فتواه باعتباره إماما للمسلمين فى هذا الزمان. وهو اللقب الذى لم أكترث به يوما ما، ولم أمانع فيه مادام سعيدا به، سعادته بلقبيه الآخرين، ملك ملوك أفريقيا وعميد الحكام العرب. إذ اعتبرت ذلك مشابها لقائمة الرتب والألقاب التى يهوى البعض حشدها والاحتماء بها من قبيل تأكيد الأهمية وإرضاء الرغبة فى التضخيم والعلو فوق الآخرين، وهو ما نشهده فى الإعلانات المدفوعة التى تحيى السيد اللواء الدكتور الوزير محافظ كذا. وما درج عليه الأقدمون حين كانوا يتحدثون عن العالم العلامة الحبر البحر الفهامة وحيد زمانه وسيد مكانه والمبرز بين أقرانه وخلانه، فلان الفلانى.
صدق الأخ العقيد من نصبوه إمام المسلمين. فأفتى فتواه أثناء خطبته الحماسية، ثم نهض ومضى يحيى بكلتا يديه الجماهير التى صفقت له إعجابا بغيرته على مآذن المساجد السويسرية، وغضبه على الشعب السويسرى الكافر ــ وبطبيعة الحال فإن أحدا ما كان يجرؤ على أن يذكر العقيد بأنه لم يعلن الجهاد حين انقض الإسرائيليون على غزة وحاصروها منذ ثلاث سنوات، ولا حين غزا الأمريكيون العراق، ولا حين سحق المسلمون على أيدى الحكومة الصينية فى تركستان الشرقية، ولا حين تعرض المسلمون فى البوسنة للإبادة من جانب الصرب، بل إنه فى موضوع سويسرا لم يتذكر الجهاد ولم ينتبه إلى كفرها إلا حين حظرت دخول 188 شخصا من عائلته إلى أراضيها، وكان هو شخصيا على رأس القائمة.
لا يحتاج المرء إلى ذكاء أو بذل أى جهد لكى يدرك أن العقيد القذافى أراد بإعلان الجهاد أن يكيد للسويسريين وأن يستنفر ضدهم المسلمين، بحيث يشعرهم بأن مصالح الأولين فى خطر، ليس مع ليبيا فقط، ولكن مع العالم الإسلامى بأسره. أما علاقة ذلك الكيد بالنقمة التى استشعرها إزاء الحكومة السويسرية جراء التحقيق مع ابنه واحتجازه فى قسم الشرطة فهى مما لا يحتاج إلى برهان أو إثبات.
إن فتوى العقيد لم تكن لوجه الله، لأنه طالبنا بأن نجاهد دفاعا عن كرامة ابنه، وإرضاء لرغبته فى الانتقام من الحكومة السويسرية. من ثم فإنه قدم نموذجا فجا لتدخل السياسة فى الدين، فى حين أن البعض يشكون من العكس ــ إنه جهاد كيدى مغشوش، يذكرنا بقول الشاعر: إن رام كيدًًا بالصلاة مقيمها ــ فتاركها عمدًا إلى الله أقرب.
عودة الى مقالات
|