|
هل مات الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت مسموما؟ قل .. علي الدنيا السلام تغيير حالة الوطن ؟ إعداد عبد العزيز محمود
فى الوفد حيث يكتب عبد المنعم الجميعى - هل مات الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت مسموما؟.. . وبعد دفن نابليون راجت إشاعة في جزيرة القديسة هيلانة مؤداها انه تم تسميم نابليون خاصة وأن المرض الذي توفي به لم يكن من الأمراض المعروفة،...وإلى نبض الشارع حيث يكتب علاء معتمد من الجمهورية ... وإلى الأهرام حيث يكتب د. عبد المنعم السعيد عن تغيير حال الوطن .. وهنا نصل تحديدا إلي لب القضية كلها, فالمقارنة تتيح مقياسا للتقدم والتغيير, ولكن مقارنة النتائج لا تصح دون الاستعداد للمصارحة بالثمن الواجب دفعه للوصول إلي النتائج نفسها, والتضحيات التي لا يمكن تجنبها حتي يكون التقدم ممكنا. وإلى التفاصيل
هل مات الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت مسموما؟
بقلم عبد المنعم الجميعي من الوفد
تنازل نابليون بونابرت عن العرش بعد هزيمته، ودخول الحلفاء باريس في مارس 1814، وتم نفيه إلي جزيرة Elba بالقرب من سواحل إيطاليا حيث اقام هناك محاطا بكل مظاهر الفخامة والابهة ولكنه استطاع الهروب من هذه الجزيرة والعودة إلي فرنسا وسط ترحيب الشعب الفرنسي بمقدمه. وخلال ذلك تجمع حوله جيشه القديم، وأعاد تنظيم قواته ثم توجه إلي جبهات القتال في 12 يونيو 1815ولكن الحلفاء استطاعوا هزيمته في معركة ووترلو بعد معارك ضارية. والقبض عليه. ثم نفيه إلي جزيرة القديسة هيلانة في جنوب المحيط الاطلسي حيث خصص لاقامته كوخ متهالك كان في الاصل زريبة للبهائم وكانت الرياح اللافحة تجتاحه من جميع الانحاء مما يجعل الاقامة به عذابا لا يطاق وفي غرفاته كانت تتسابق الفئران التي تبرز من شقوق الارض، وتتواري في ثقوب جدرانها. ويحلو لها الظهور علي سرير نومه، كما كان يثير غضب نابليون تتبع الحراس له اينما سار فكان شبه سجين عسكري، وإلي جانب ذلك فقد مل الوحدة واشتاق إلي من يؤانسه ويذكره بأمجاده كما ضاق بجو الجزيرة وبسعادة حاكمها السير هدسون لاو، له والذي لم يدع فرصة للتنكيل بنابليون إلا واغتنمها ، ونتيجة لذلك ساءت صحة نابليون، وأصبح لا يتناول الطعام إلا نادرا، وبدأ الشحوب يظهر علي وجهه، حتي انتابه المرض ومات في الخامس من مايو 1821 وحيدا شريدا مجردا من ابسط الحقوق الانسانية، ودفن بالجزيرة وعين حول قبره جنود لحراسة رفاته الذي بلغ من احتفار حاكم الجزيرة له انه لم يأذن بكتابة اسم نابليون علي قبره. وبعد دفن نابليون راجت اشاعة في جزيرة القديسة هيلانة مؤداها انه تم تسميم نابليون خاصة وأن المرض الذي توفي به لم يكن من الامراض المعروفة، كما ان تشريح الجثة بعد الوفاة قد تم بسرعة فائقة، وأن الجثة وضعت في التابوت بلا تحنيط ودفنت بالجزيرة ولم يسمح بنقلها إلي فرنسا، وعلي أي حال فمهما كان نصيب تلك الشائعات من الصحة فإن سجلات التاريخ لم تنف أو تؤكد ان نابليون مات مسموما. وهكذا انتهت قصة حياة أحد عباقرة أوروبا العسكريين، واكثر الشخصيات تأثيرا في مجري تاريخ اوروبا في القرن التاسع عشر بعد ان قدم لبلاده كل ما يملك من جهود ليس فقط في النواحي العسكرية بل في النواحي السياسية والعلمية والادارية والقانونية وغيرها. وقد عبر نابليون عن ذلك في مذكراته ابلغ تعبير حيث قال ان الذي لم يمح ابدا هو قانوني المدني، ومحاضر مجلس دولتي، ومكاتباتي مع وزرائي فقانوني ببساطة جلب الخير اكثر مما جلبت القوانين السابقة، ومدارسي والطرق التي ابتكرتها للتعليم اوجدت جيلا جديدا، كما نقصت الجرائم في عهدي. لقد اردت تأسيس نظام واحد لاوروبا، ووضع قانون واحد، وانشاء محكمة نقض واحدة لها، ولو تم هذا لبات في اوروبا شعب واحد. وعلي أي حال فقد ظلت بقايا اموال نابليون ووصيته في حيازة الحكومة الانجليزية التي رفضت تسليمها إلي فرنسا، كما تخلت عنه زوجته ماري لويز في وقت شدته رغم حبه واخلاصه لها، وبدلا من ان تساعده وتخلص له انقلبت عليه وتخلت عنه وعن ابنها منه، وذهبت إلي ايطاليا لتقيم مع خليلها »نيبرج« ومع ان اخبار خيانتها بلغت مسامع نابليون قبل موته إلا انه ظل يحبها إلي اخر حياته واوصي بها خيرا حتي في وصيته. ومع ذلك فقد ظلت دول اوروبا بعد نابليون تشعر بالقلق حتي عادت أسرة البربون إلي حكم فرنسا. فسبحان مغير الاحوال.
5ـ علاء معتمد من الجمهورية
قل .. علي الدنيا السلام
كل يوم تظهر وقائع جديدة لتؤكد ان الفساد قد تغلفل وانتشر في كل قطاعات الدولة وليس فقط في المحليات.. وانه لابد من وقفة حازمة وحاسمة لردع الفاسدين والمتلاعبين بقوت الشعب.
لم يصل الفساد فقط إلي "الركب" كما قال د. زكريا عزمي في إحدي جلسات مجلس الشعب.. لكنه بلغ الحلقوم وكدنا جميعاً ان نغرق فيه.. ولم يعد الفساد قاصراً فقط علي حفنة من رجال الأعمال أو "النصابين" الذين نهبوا البنوك وسرقوا "شقا الغلابة" وهربوا به إلي خارج البلاد. أو الذين تخصصوا في الاستيلاء علي أراضي الدولة وعلي أفدنة توشكي والساحل الشمالي والنوبارية والصالحية ومزارع طريق مصر الإسكندرية الصحراوي أو أقارب وأبناء الوزراء الذي خصصت لهم أراضي التجمع الخامس ومارينا والسخنة و6 أكتوبر وفايد وأبو سلطان والغردقة.
ولم يعد الفساد قاصراً علي العشوائيات والأبراج التي ارتفعت في غفلة من الزمن كالنبت الشيطاني فوق أراض زراعية دون تخطيط أو تنظيم وتلاصقت في شوارع لا تزيد في بعض الأحيان علي 4 أمتار أمام اعين مهندسي الأحياء الذين غضوا النظر وانتظروا بعد تمام البناء ليصدروا لها قرارات إزالة في صورة من اقبح صور الغباء والفساد.
ولم يقتصر الفساد علي الملايين التي تم تخصيصها لتطوير السكك الحديدية وقطارات الصعيد التي اصبحت كنعوش الموتي ينتظر ركابها سماع الاصطدام بقطار مقابل أو انتشار الحريق في إحدي عرباتها أو الانقلاب من فوق قضبان تهالكت ولم تجد من يجددها لأن أموال التطوير انفقت في إعلانات ومكافآت وبدلات وتم دفعها من تحت الترابيزة في صفقات وهمية لقطع غيار لم تصل بعد.
ولم يعد الفساد قاصراً علي شحنات قمح فاسد أو لحوم حمير وخنازير تم تسريبها للسوق لأن الشعب له معدة تهضم الزلط ولأن الجوع لا يفرق بين الشهي والفاسد.
آخر وقائع الفساد ما كشفت عنه اللجنة المشكلة من وزارتي المالية والصحة حول قرارات العلاج علي نفقة الدولة من وجود مستشفيات تضاعف من تكلفة الفاتورة وصدور قرارات علاج لمتوفين وحصول أعضاء مجلس الشعب علي قرارات علاج لمرضي يملكون ثروات تكفي لبناء مستشفيات لكنهم يفضلون "المال السايب" و"البحر يحب الزيادة" و"سلم لي علي الفقراء والمحتاجين".
أما عن "سبوبة" أنفلونزا الخنازير فحدث ولا حرج.. وزارة المالية خصصت 562 مليون جنيه منها 340.5 مليون لاستيراد اللقاح.. وبعد التفاوض ولجان رايحة ولجان جاية.. سفر هنا.. وسفر هناك وعمولات هنا ورشاوي هناك.. تم التعاقد مع إحدي الشركات وسداد 91.2 مليون جنيه واستلام جزء من الكمية المتعاقد عليها وفجأة.. إلغي التعاقد.. وتم وقف الشحنة.. وكما كنت.. وبعد ان كانت أنفلونزا الخنازير وباء القرن الواحد والعشرين واستعدت الحكومة لهلاك الملايين وتم تجهيز مقابر جماعية في مدينة السلام و6 أكتوبر.. اكتشفت الحكومة ان أنفلونزا الخنازير طيبة وبنت حلال وصديقة للبيئة والإنسان.. وخلاص كل شئ تمام.
البحث في أحوال الفساد في مصر يصيبك بشئ من اثنين.. إما اكتئاب حاد.. وإما حالة ضحك هيستيرية لأن شر البلية ما يضحك.
قد يفسد الضمير.. وقد تفسد الذمم.. لكن إذا فسدت القلوب.. فقل علي الدنيا السلام.
تغيير حالة الوطن ؟
بقلم: د.عبد المنعم سعيد من الأهرام
كان الوقت في نهاية السبعينيات عندما شاركت زميلا بريطانيا في حجرة جماعة الدارسين للدكتوراه, الذين يقومون بالتدريس للطلبة في الوقت نفسه بجامعة شمال إلينوي بمدينة ديكالب الصغيرة, والقريبة من شيكاغو في ولاية إلينوي بالولايات المتحدة الأمريكية.
وكما هي العادة في مثل هذه الأحوال كانت هناك مناقشات كثيرة حول ما ندرسه, وما نحاضر الطلاب به, وعن تاريخ بلادنا وما جري فيها من أحوال قريبة وبعيدة.
وكان طبيعيا أن يحضر بين طالب مصري وآخر بريطاني تاريخ العلاقة بين مصر وبريطانيا; ولما كنت مشبعا في ذلك الوقت بالرؤية المصرية وحدها القائمة علي أن الاستعمار الإنجليزي كان السبب في تخلف مصر, وأن الغني البريطاني جاء نتيجة استنزاف ثروات الشعوب المستعمرة, فقد فاجأني زميلي بغضبه الشديد. وكان منطقه يقوم علي أن تقدم المملكة المتحدة راجع أساسا إلي التضحيات التي قدمها شعبها, وراح يعدد ليس فقط المنجزات التكنولوجية التي حققتها بلاده في فجر الثورة الصناعية وإنما التضحيات التي بذلها الشعب البريطاني من أجل الوصول إلي ما وصل إليه. وكانت التفاصيل كثيرة من أول المدن التي ازدحمت وانهارت مقوماتها, حتي القري التي هجرها أهلها بحثا عن ثروات مزعومة حتي انتهي بهم الأمر إلي الفقر والتسول والانهيار الخلقي المعنوي, والنساء والأطفال الذين عملوا لساعات طوال دون شفقة أو رحمة أمام أفران الصلب المنصهر دون حماية أو وقاية فسقطوا في سن مبكرة صرعي للأمراض والمجاعات.
والحقيقة أن هذه الصورة الدرامية لم تكن بعيدة تماما عن الذهن, فكنت قد قرأت بالطبع روايات مهمة مثل دافيد كوبرفيلد و أوليفر تويست اللتين صورتا الأحوال البريطانية إبان الثورة الصناعية, ودرست أيضا خلال المرحلة الجامعية في مادة التاريخ الاقتصادي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الكثير عن التضحيات المختلفة التي قدمتها الشعوب التي سبقتنا خلال مراحل متنوعة من التطور; ولما كان بحثي في مادة الفكر السياسي يدور عن مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا لدي كارل ماركس فقد كان لابد من قراءة الكثير من كتبه, وكلها غنية بآلام عمليات التحول في المجتمعات الصناعية.
وعلي أي حال فقد استمرت المناقشات والحوارات, وربما توصلنا إلي نقطة وسط بشكل أو آخر, ولكن النتيجة المهمة كانت أن للتقدم ثمنا وتضحيات نادرا ما نتحدث عنها في مصر, حيث تبدو الأمور بسيطة للغاية ولا تتعدي تعديلات دستورية في المواد76 و77و88, وانتخاب واحد من أقطاب المعارضة, ومن بعدها تصبح مصر بلدا مثل سويسرا, أقل أو أكثر قليلا!.
وحتي لا يسيء أحد فهم القصد والنية فإن تعديل هذه المواد كان مطلبا للعديد من المثقفين والسياسيين المصريين, منذ التعديلات الدستورية الأخيرة في عامي2005 و2007; ولعلي كنت واحدا منهم كتابة وحديثا ومشاركة في المحافل السياسية المختلفة, وضمن قلة تطلب البحث في دستور جديد كلية.
ولكن قضية التغيير في مصر أكبر من ذلك بكثير لأنها لاترتبط فقط بالبنية القانونية والدستورية ولكنها ترتبط بالسياسات العامة والثمن الذي نحن علي استعداد لدفعه حكومة وشعبا.
وقد كان الأسبوع الماضي بلا جدال هو أسبوع الدكتور البرادعي, حيث ظهر ست ساعات كاملة أو أكثر علي شاشة التليفزيون, بالإضافة إلي سلسلة من المقابلات والتصريحات الصحفية التي انتهت ـ حتي وقت كتابة هذا المقال ـ بلقاء القمة مع السيد عمرو موسي الأمين العام لجامعة الدول العربية حيث اتفقا علي أهمية التغيير في مصر; وقبل سفره إلي الخارج أعلن عن تشكيل جمعية وطنية للتغيير أيضا.
المسألة إذن هي التغيير أي الانتقال من حالة إلي حالة أخري مختلفة تماما ولكنها أكثر تقدما مما نحن عليه الآن; ولكن ما يحدث للأسف بعد ذلك هو قياسات غير دقيقة للواقع المصري الراهن, ومقارنتها بما تحقق في دول أخري, وبعد أن تصبح الحالة فاضحة فإن الصمت يهبط ثقيلا حول الخطوة التالية أو يتم الانتقال إلي قياسات أخري لإثبات النقطة ذاتها. قد كان مدهشا قليلا أن كثيرا من الأرقام التي ذكرها الدكتور البرادعي لم تكن صحيحة, فلم يكن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي1200 دولار, وإنما هو في كل تقرير دولي2180 دولارا, وهو فارق ليس قليلا; وإذا ما حسب باعتبار القوة الشرائية للدولار فإن المتوسط يصل إلي5347 دولارا.
بالنسبة لمكانة مصر في تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة فهي بالفعل متدنية ومخجلة, إذ إنها تحتل الترتيب123 من177 دولة وليس175 دولة; ولكن التدقيق هنا واجب أيضا, حيث تتقدم مصر في مقياس الفقر لكي تصبح مكانتها82, وعند التدقيق أكثر في التقرير نفسه فإن نسبة من يعيش من المصريين علي أقل من1.25 دولار أقل من2% من السكان, أما من يعيشون بأقل من دولارين فهم18.4%. هذه الأرقام رفعها الدكتور البرادعي ليس فقط إلي42% من السكان, وإنما جعلها عند أقل من دولار واحد, وهو ما لم يأت من قريب أو بعيد في تقرير عالمي منشور علي شبكة المعلومات الدولية. وهذا التقرير يقيس أيضا درجة العدالة الاجتماعية في بلدان العالم المختلفة من خلال ما هو معروف بمقياس جيني, وفيه فإن المقياس المصري هو32.1 وهو أفضل كثيرا من دولة أكثر غني من مصر مثل جنوب إفريقيا ومقياسها57.8, والصين الشيوعية41.5, وإيران الإسلامية38.3, وفنزويلا الثورية والبترولية43.4 ولو نظرنا للمسألة كلها ليس من حيث الترتيب ولكن من خلال مقارنة مصر بنفسها فإن مقياس التنمية البشرية المصري ارتفع من0.496 عام1980 إلي0.703 عام2007, وعندها توجد آخر الأرقام المتاحة; ولكنها تشير إلي تحسن في الحالة المصرية برغم زيادة عدد السكان من40 مليونا إلي نحو80 مليونا أي ضعف ما كانوا عليه منذ ربع قرن.
ومع ذلك فإن ما قال به الدكتور البرادعي فيه علي وجه العموم ـ بعض من الصحة, ففقراء مصر كما تقول فعلا التقارير الدولية ـ أقل من20% ـ يقترب منهم نحو20% آخرين ربما كانوا أعلي من حد الفقر ولكنهم ليسوا بعيدين عنه. وربما كانت الأرقام في مجملها غير دقيقة, وفيها قدر كبير من الاختيار, وتتجاهل أن60% من المصريين ليسوا فقراء أو قريبين من الفقر, ولكنها صحيحة في أن مصر لا تزال قابعة في دائرة الدول المتخلفة, وهناك كثرة من الدول سبقتها, وهو ما يجعل المقارنة مشروعة في كل الأوقات.
ولعلنا في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام كنا أول من نشر علي نطاق واسع تلك المقارنات بين مصر والدول الأخري باعتبارها تمثل مقياسا لمدي التقدم المصري حتي صار من الأمثال القومية تلك المقارنة الذائعة بين مصر وكوريا الجنوبية عند نقطة السباق الأولي عام1960, حتي وصلنا إلي بداية العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين حيث بلغت المفارقة حدودا مفزعة.
وهنا نصل تحديدا إلي لب القضية كلها, فالمقارنة تتيح مقياسا للتقدم والتغيير, ولكن مقارنة النتائج لا تصح دون الاستعداد للمصارحة بالثمن الواجب دفعه للوصول إلي النتائج نفسها, والتضحيات التي لا يمكن تجنبها حتي يكون التقدم ممكنا. وهذا يعيدنا مباشرة إلي مقدمة المقال, فسواء تعلق الأمر بالدول التي تقدمت منذ القرن التاسع عشر مثل بريطانيا والولايات المتحدة, أو الدول التي تقدمت خلال النصف الأول من القرن العشرين مثل ألمانيا واليابان, أو تلك الدول الآسيوية والأمريكية اللاتينية, أو في شرق أوروبا, في النصف الثاني من القرن الماضي, كلها قدمت تضحيات بالغة, ربما كان أهمها تغيير ثقافات سائدة, وسياسات متمكنة. وهناك قول ذائع لعالم الذرة الشهير ألبرت أينشتين إنه من قمة الغباء أن تفعل ما تفعله مرارا وتكرارا ثم تحصل بعد ذلك علي نتائج مختلفة!.
وببساطة إنك لا تستطيع أن تحافظ علي سياسات للدعم تخلت عنها كل الدول التي تسعي للمقارنة بها, ونظم للتعليم والتربية لم يعد أحد في الدنيا المتقدمة يقبل بها, وتقيم نظاما للصحة لا يشعر أحد أن له ثمنا من نوع أو آخر, ويركز فيه المجتمع علي توزيع الثروة قبل خلقها, وتعطي النخبة السياسية في البلد من الاهتمام بالخارج ما يفوق الداخل, وإذا اهتمت بالداخل فإنها تريد نظاما سياسيا يختلط فيه الإفتاء بالتشريع; ثم بعد ذلك كله تتصور أن تحصل علي مكانة متقدمة في عالم اليوم حتي تصل إلي كوريا الجنوبية أو تركيا وتتجاوزهما أيضا.
وقد كان مدهشا للغاية أنه خلال ست ساعات من المحاورات التليفزيونية مع الدكتور البرادعي لم يكن هناك إلا سؤال واحد حول سياسة الدعم; وكانت الإجابة لا تقل بعثا للدهشة, حينما قال إنه من البدهي الحفاظ علي دعم رغيف العيش, ولكن يمكن التفكير في تغيير دعم الطاقة. وهي الإجابة نفسها التي يقدمها الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء لأسئلة مماثلة, وربما الأغلبية الساحقة من أركان النخبة المصرية داخل الحكومة وخارجها, حيث يبقي نظام للدعم لم يعد موجودا في بلد متقدم في العالم. وما ينطبق في الحقيقة علي الدعم ينطبق علي كل السياسات الأخري التي تقوم في جوهرها علي إدارة المعركة مع الفقر وليس إدارة السعي نحو الثروة, وهو الفارق الأساسي بيننا وبين الدول التي سبقتنا.
الرسالة هنا هي أنه إذا أرادت مصر أن تصبح مثل النماذج الاقتصادية الموجودة علي مستوي العالم, مثل تركيا وكوريا الجنوبية وماليزيا والبرازيل والهند, فلابد أن تنتهج سياسات وإجراءات شبيهة بما قامت به هذه الدول, كما أنه من الضروري دراسة خبرة هذه الدول في التعامل مع بعض القضايا ذات الطابع الاقتصادي الخاص بتشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية حتي يمكن تحقيق التراكم الرأسمالي, وذات الطابع الاجتماعي كمكافحة الفقر وترشيد الدعم ومجانية التعليم, مع الوضع في الاعتبار أنها انتهجت في البداية إجراءات اقتصادية واجتماعية ربما تكون مؤلمة علي الصعيد الاجتماعي لكنها في النهاية أنتجت تداعيات إيجابية عديدة كان لها أثر كبير في ارتفاع مستوي معيشة مواطنيها.
وتمثل ماليزيا واحدة من أكثر الدول نجاحا في استخدام الحوافز لجذب الاستثمار الأجنبي, حيث أصدرت قانون تشجيع الاستثمار في عام1968, قام علي السماح للأجانب بالاستحواذ علي100% من حقوق الملكية في شركاتهم عند قيامهم بتصدير80% من منتجات تلك الشركة, والسماح للشركات التي تصدر ما بين51% و79% من منتجاتها بنسبة مماثلة من حقوق الملكية لتلك الشركات, والسماح للشركات التي تصدر نسبة تتراوح بين20% و50% من منتجاتها بتملك حتي51% من أسهم تلك الشركات. وقد اتهمت الحكومة في هذا السياق بالتمييز, لكنها كانت ترد علي ذلك بأن الاقتصاد موجه للتصدير بما يؤدي إلي توافر العملة الصعبة وجذب التكنولوجيا, والأهم من ذلك حل مشكلة التوصل إلي شركاء محليين. ولعل ذلك هو الذي يمثل الفارق بيننا وبين دول مثل فيتنام التي نجحت في العام الماضي في اجتذاب63 مليار دولار, بينما كان ما حصلنا عليه لا يزيد إلا قليلا علي8 مليارات دولار, لأن الهدف الفيتنامي الواضح هو الحصول علي مكانة في أسواق العالم من خلال الشركات الدولية الكبري التي تقدم التكنولوجيا والقدرة علي النفاذ للمستهلك علي مستوي العالم كله.
وفي العموم إن فيتنام والدول الآسيوية استندت كلها إلي النموذج الياباني الذي سعي إلي اقتناص أسواق عالمية من خلال الجودة والسعر ومن ورائهما العمل الشاق واكتساب الخبرة الدولية. وفي تركيا لم تكن الحال مختلفة كثيرا, حيث قامت التجربة علي المزج بين تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية, ولذلك عملت علي تقليص دور وحجم القطاع العام في الاقتصاد ومنح هامش واسع من الحرية للقطاع الخاص, وعلي ضوء هذه السياسة تحول القطاع الخاص التركي ليصبح المحرك الرئيسي في الاقتصاد وأحد أهم أسباب ارتفاع معدلات النمو, بالتزامن مع إصلاح القطاع المصرفي, وقانون الاستثمار الأجنبي, وقانون حماية الملكية الثقافية والصناعية. أما في الهند, فقد وضعت الحكومة الهندية برنامج إصلاح اقتصادي واسع, اعتمد علي تقديم حوافز عديدة للمستثمرين بهدف تفعيل مشاركتهم في عملية التنمية وتقليص الجهاز البيروقراطي في الدولة, وتبسيط نظام الضرائب.
في هذه الدول كلها مضافا إليها دول أوروبا الشرقية في مرحلتها الشيوعية والاشتراكية كان يوجد فيها نماذج مختلفة عما هو لدينا الآن, ووجدت هذه الدول أنه يستحيل دخول دائرة التقدم دون تمويل كاف للتعليم, وإذا كان لا يوجد غذاء بالمجان فلم يحدث في التاريخ أن كان هناك تعليم حقيقي بالمجان أيضا; كما وجدت أنه يستحيل تحقيق تقدم اقتصادي متواصل مع وجود أسعار مختلفة للسلع بعضها مدعوم وبعضها الآخر ليس كذلك, أو دون فتح الأبواب علي مصراعيها للمستثمر الأجنبي, ووجدت أنه لا يمكن إقامة الديمقراطية دون أن يكون معها دولة مدنية حديثة دون تردد أو مماحكة.
وخلال المرحلة المقبلة حتي الانتخابات الرئاسية في العام المقبل فإن جوهر القضية السياسية في مصر سوف يبقي حول أي مصر نريد؟ وهل هي جزء من القرن الحادي والعشرين كما تعكسه الدول المتقدمة في العالم المعاصر, أم أنها سوف تبقي علي حالها بأشكال محسنة لما كان يجري فيها خلال العقود الستة الماضية؟ وهل يمكن البحث في شكل النظام السياسي دون استقرار علي المهمة التي علي هذا النظام السياسي القيام بها؟
عودة الى مقالات
|