وانطلقت المدافع عند الظهر
بقلم أ.هشام النجار
كتاب ( وانطلقت المدافع عند الظهر ) للراحل الكبير المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة – أحد أبرز القادة العسكريين في تاريخ مصر الحديث - اخترت عرضه هنا لعدة أسباب:
ـ أهمها أن مؤلفه رجل أعتز به وأحبه وأحترمه ، وقد أصابني حزن شديد لنبأ وفاته بعد صراع مع مرض السرطان اللعين ، وتمنيت لو كتبت مقالا عن تاريخه ونضاله وعطائه وأخلاقه وإنسانيته ، ولكن كانت تحول الظروف دائما دون انجاز هذا المقال .
ـ وها أنا – في هذه المناسبة العطرة – أعرض لأحد إبداعاته ؛ فقد وجدت أنه أولى الناس بالحديث اليوم ، وأظن أنه من المناسب لنا الإنصات إليه ، فلا أقل من إعطاء الرجل بعض حقه حتى ولو بعد موته !
ـ دعونا لا نتحدث اليوم كثيرا عن الراحل الكبير المشير أبو غزالة – رحمه الله – فهذا له مقام آخر ، ولنبدأ سويا في تقليب صفحات كتابه الهام ، للوقوف على فكر وأسلوب رجل عايش الأحداث وعاصرها وشارك في صنعها .
ـ مع العلم بأن الكتاب قد نشر بعد انتهاء الحرب بعامين فقط ، وقد ألفه المشير وهو برتبة لواء أركان حرب .
ـ وما نعرضه هنا ملخص لأهم ما جاء في الكتاب ، وقد رأينا أن نقسمه على ثلاث حلقات حتى يتسنى لنا الإلمام بأكبر قدر من الحقائق والمعلومات والأفكار التي احتواها الكتاب الصادر عن دار الشعب في يناير 1975 م .
ـ رأى المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة في النكسة :
ـ يقول رحمه الله في كتابه تحت عنوان ( النكسة سامحها الله ) :
" أحدثت نكسة عام 1967 م - سامحها الله - آثارا نفسية رهيبة في نفوسنا – نحن رجال القوات المسلحة - ؛ فلقد هزمت هذه القوات لأنها وضعت في موقف كان لابد فيه أن تفقد نفسها ، ولقد تضافرت قوى كثيرة على تدمير نفسية قواتنا المسلحة حتى كدت أن أصدق أننا فقدنا أنفسنا ولن نجدها لزمن طويل .
وأخذ العدو بزمام المبادرة ، وبدأ يشن علينا حربا نفسية ضارية ، جند لها كل إمكانياته العلمية والمادية ، وأخذت كتب الأساطير والخرافات تملأ الأسواق ، وتصم الآذان ببطولات كاذبة لجيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يقهر .
وبدأ رجل الشارع الإسرائيلي يؤمن بأن الغلبة دائما في أي حرب بين إسرائيل وبين العرب لابد وأن تكون لصالح إسرائيل ، وساعد على شدة تأثير هذه الحرب النفسية ما أحس به الشعب المصري من آلام مبرحة في قلبه ؛ إذ كان قد آمن بأن قواته المسلحة قادرة على إلقاء إسرائيل في البحر .
وذلك نتيجة خطأ أجهزة الإعلام المصرية التي أخذت تنفخ في أبواقها منادية بشعارات طنانة " أقوى طيران في الشرق الأوسط " " وأقوى جيش في الشرق الأوسط " .. الخ .
فلما جاءت الصدمة ، وكانت شديدة ، بدأ رد الفعل ينعكس على تصرفات بعض المواطنين قبل صف وجنود وضباط القوات المسلحة المصرية ، ولم يجرؤ أحد من القوات المسلحة أن يقف ليبرئ ساحة الجيش من وزر النكسة . "
وفى موضع آخر من كتابه يستخلص المشير أبو غزالة – رحمه الله – الدروس المستفادة من النكسة ، وقد وضعها وحددها في نقاط قائلا :
أ – جهلنا بعدونا واستهانتنا به أديا إلى أن نخسر الحرب وبسهولة .
ب – التقصير الشديد في وضع الخطط المناسبة لمقابلة أي موقف سياسي عسكري في المنطقة ، وعدم وجود أي تعاون أو تنسيق بين الجبهات العربية المختلفة ، الأمر الذي أعطى لإسرائيل حرية الحركة والقضاء على القوات العسكرية لكل دولة على حدة .
ج – ترك المجال السياسي العالمي للنشاط الإسرائيلي ، فنجحت إسرائيل في استقطاب غالبية الرأي العالمي إلى جانبها .
د – الجهل بإمكانيات الأمة العربية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ، وبذلك حرمنا من أسلحة مؤثرة في المجالين السياسي والعسكري .
ه – أن الخطر الصهيوني ليس موجها لدولة عربية بالذات ، وإنما هو خطر يهدد كيان الأمة العربية كلها .
ولا نستطيع أن نتجاوز هنا ما ذكره المشير أبو غزالة عن فكر العدو وفلسفته وخططه الإستراتيجية بعد انتصاره في يونيو 67م .
يقول المشير في كتابه : " كانت ولا زالت السمة البارزة الأولى للمخطط الصهيوني الدولي هي المرحلية ؛ أي تحقيق الهدف على مراحل متتالية مترابطة ، وكل مرحلة من المراحل لها هدفها الأقصى وهدفها الأدنى ... وعلى ذلك تمسكت إسرائيل بالأراضي العربية التي استولت عليها خلال حرب يونيو ، وحاولت أن تحقق أحد هدفيها لهذه المرحلة :
الحد الأقصى : ويتلخص في ضم كل أو معظم هذه الأراضي على أساس أنها ضمن حدوده العظمى .
الحد الأدنى : أدت تطورات الموقف العربي الدولي إلى دفع المعتدلين في إسرائيل للبحث عن حلول وسط ، وصياغة مقترحات تحقق لإسرائيل الحد الأدنى الذي لا تقبل ما دونه ، وكان العامل الرئيسي الذي تحكم في مفهوم إسرائيل عن الحد الأدنى هو الحدود الآمنة ، أو نظرية الأمن الإسرائيلية .
وظهرت صياغات جديدة ومصطلحات لولبية براقة ؛ فلقد نادى موشى ديان بضرورة النظر إلى مستقبل المناطق المحتلة ، ليس فقط من وجهة نظر الحق التاريخي ، بل من خلال الاهتمام بالمستقبل التاريخي ، واستبدالها بعبارة الارتباط التاريخي ، والفرق بين الكلمتين أو التعبيرين هو في الواقع نفس الفرق بين الحد الأدنى والحد الأقصى ؛ وفسر المعلقون الارتباط التاريخي بأنه ليس من الضروري أن تحتفظ إسرائيل بكل الأراضي المحتلة بحكم الحق التاريخي ، وإنما توجد أماكن أو مناطق يجب الاحتفاظ بها من أجل مستقبلها . "
ويلخص أبو غزالة الأسس الإستراتيجية في المخطط الإسرائيلي لتحقيق أهدافه تلك كالتالي :
1- محاولة إرغام العرب على قبول الوجود الإسرائيلي والاعتراف به مستغلة في ذلك نتائج حرب يونيو 67 والنجاح العسكري والسياسي الذي تحقق لها .
2- تأمين الوجود الإسرائيلي داخل حدود يتوفر فيها الأمن بمفهومه السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي .
3- العمل تدريجيا على تحقيق الحلم ، وذلك بالتوسع واستمرار النمو .
د – محاولة كسب السكان العرب الموجودين داخل إسرائيل وكسر حدة العداء لها ، وذلك بخلق وجود عربي مشترك ، رغم ما في ذلك من تناقض مع الأيديولوجية العنصرية الصهيونية التي تتمسك باستمرار النقاء العسكري اليهودي .
ه – إزالة مظاهر الصلات الشرعية القائمة بين المناطق المحتلة والدول العربية التابعة لها .
وقد ذكر المشير أبو غزالة عدة خطوات عسكرية قامت بها إسرائيل لتنفيذ هذه الإستراتيجية على أرض الواقع ، لخصها في عناصر ثلاثة :
أولا : الحرب الوقائية الخاطفة التي تعتمد على رفض انتظار وقوع الضربة الأولى من جانب الدول العربية .
ثانيا : التفوق الجوى والسيادة الجوية حتى تكون أجواء الدول العربية مفتوحة أمام القوات الجوية الإسرائيلية .
ثالثا : الحرب الخاطفة وذلك بتدمير أي هجوم عربي في مراحله الأولى .
وكما ذكر المشير أبو غزالة – رحمه الله – الإستراتيجية الإسرائيلية ، ذكر في مقابلها الإستراتيجية العربية الجديدة للمواجهة ، والتي تبلورت بعد ثورة التصحيح ، وظهرت معالمها جلية في خطابات الرئيس السادات وكل أعماله ، وقد لخصها في النقاط التالية :
أ – هناك أرض عربية يحتلها العدو ولابد من تحريرها ، وهو يرفض أن يتخلى عنها .
ب – أن العرب يرفضون الاستسلام ويصرون على استرداد الحق المغتصب ويؤمنون بقدرتهم وإمكانياتهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية .
ج – استقطاب التناقض الموجود في العالم العربي ، والعمل على خلق جبهة عربية موحدة تحاصر العدو الإسرائيلي وترهقه .
د – هناك كثير من نقط الضعف الأساسية في موقف إسرائيل يمكن استغلالها .
ه – يمكن للعرب أن يجعلوا بقاء إسرائيل في الأراضي المحتلة عبئا ثقيلا غالى التكاليف ، تقصر عنه إمكانيات إسرائيل الاقتصادية .
و – استقطاب المجال السياسي العالمي لصالح العرب ، وعدم ترك أي ميدان سياسي لإسرائيل تعمل فيه بحرية .
ز – البناء العسكري إلى جانب البناء الاقتصادي ؛ فيد تبنى ويد تحمل السلاح .
ح – وضع خطة من أربع مراحل : البناء والصمود والردع ثم التحرير .
وهذه الخطة التي ذكرها المشير أبو غزالة – رحمه الله – ستكون محور حديثنا في الحلقة القادمة من تصفحنا لكتابه القيم عن حرب أكتوبر 1973 م ( وانطلقت المدافع عند الظهر ) .
فإلى لقاء قريب جدا بإذن الله بصحبة الرجل الذي أحببناه جميعا المشير الراحل محمد عبد الحليم أبو غزالة .
عودة الى كتب ودراسات
|