|
دعوة للتصالح مع المجتمع بقلم د. ناجح ابراهيم
" ان الذى فرض عليك القران لرادك الى معاد " خرج النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ مهاجرا , ولما انتصف به الطريق هاج حنينه الى مكة فالتفت اليها واستعبر وقد هبت نسائم المحبة وكابده الشوق لوطنه , فنزل القران مسريا عنه .. بن يدوم غيابك , ولن تصطلى عمرك لهيب الاغتراب , بل قريبا يكون الماب , ويعود الغائب ويرجع المهاجر , وياوى الطريد الى داره وسربه .
" ان الذى فرض عليك القران لرادك الى معاد ".... يوم الفتح تمتد فيه الاواصر , وتتوثق الروابط , وتنتهى القطيعة , وتقر القلوب فى الحنايا بعد ما تقرا الابدان فى الاوطان ... وساعتئذ ينسى المكلوم ما لاقاه من ظلم , وما عاناه من حرمان وهضم , فيقول : " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم " .
- اليس هذا هو الاسلام ؟
- اليست هذه سنة النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ خير الانام ؟
- ام ان الاسلام يدعو للقطيعة مع الاوطان , ويحرض على الهجرة ويامر بالعزلة والانزواء عن الاوطان وهى كلها اوطان الاسلام ؟
لا شك ان الاسلام دين البر والصلة .. دين الالفة والوئام .. وهذه " فطرة الله التى فطر الناس عليها " فكلمت البشر تعنى البشر , والانسان من الانس , ولا يكون البشر والانس الا بالانسجام والتوافق مع المجتمع .. ولا تتحقق الالفة الا بالتواصل وبذل الاحسان للناس , فالمؤمن الف مالوف , ولا خير فيمن لا يالف ولا يؤلف .. والانسان اجتماعى بطبعه لا تستوى خلقته ولا تحسن ديانته الا بمد حبال الوصل وبناء جسور الود وغرس اشجار المحبة وسقياها بما الوفاء لبيت ولد فيه , وبلد تربى فيه , واقوام نشا بينهم .
اما فك الارتباط وقطع العلاقات والانكفاء على النفس فانه الحرج بعينه الذى يوجيه البعض على نفسه , رغم ان الله رفعه عنهم فقال " ما جعل عليكم فى الدين من حرج " .
- لماذا لا ننتمى لاوطاننا ؟ ولا تهفوا نفوسنا لاقوامنا ؟ ولا نتواصل مع اهلينا وجيراننا ؟ !
- لماذا لا نتواءم مع مجتمعاتنا الاسلامية ؟
- لماذ نبث جزور الفرقة , ونبحث عن دواعى الخلاف ؟
- ديننا واحد , وطننا واحد , كتابنا واحد , نبينا واحد , فلماذا لا نتواجد ؟ !
- من اجل تباين فى وجهات النظر وتعدد الرؤى نعتزل اهلنا ونصادم مجتمعنا ؟ !
- لماذا لا يكون التعدد فى الاجتهـــــــــــادات الفقهية سبيــــــل بنـــــاء لا داعية فناء ؟ !
- كيف لا يكون التابين فيما وسع المسلمين من قبل سبيل ثراء ونماء بدلا من الجدل والمراء ؟ !
- لماذا لا يكون التنوع طريق حب وولاء , وليس سبب تراشق وعداء ؟!
- امن اجل وجود تقصير ما فى مجتمعاتنا نجعل ذلك مبررا لنقض ايدينا منها وتمزيقها ؟ !
- لماذا لا نوقد الشموع بدلا من ان نلعن الظلام ؟ !
- ان التدين الحق يعنى ان نبسط ايدينا للناس بالمعروف .. ببذل الندى وكف الاذى .. نعيش للناس مع الناس , لا ان نهجرهم ولا نلوى على قرابة ولا نبقى على صلة .
وذلك التواؤم يحتاج منا الى همة عالية وعزيمة فتيه ووجوه صبوحة ندية , وقلوب مخلصة نقية , وليس ذلك الا فى الشباب المتدين والرجال الصالحين , فهم اعظم الناس اخلاصا , والوطنية عندهم شرف وشعار وليست عزفا واوتارا .
ان الدين الحق يصل من قطع , ويعطى من حرم ويعدل حتى مع من ظلم .. يجمع ولا يفرق , يسد الخلل ويستر الذلل .. يحس الى المسىء ويقوم بالقسط مع محبيه وشانيه .
ان التدين ينادى اتباعه لا تفرقوا فتغرقوا , ولا تدابروا فتدبروا , سددوا ائلا يتسع الخرق على الرتق , والا فان تدينكم هذا مغشوش وعملة زائفة لا تقوم فى السوق .
ان العدل مع الناس والاحسان اليهم اساس تماسك المجتمع .. والاسلام حافظ على غير المسلمين من رعاياه حفاظه على اتباعه , ومن الةاجب علينا ان نتخلص من حظ نفوسنا وندعو للناس بالهداية بدلا من الدعاء عليهم .
وعلينا ان نهتم بالكليات قبل الجزئيات , وبالاصول قبل الفروع , ولا نحول الندب الى فرض , ولا نجعل من الخطا خطيئة , وعلينا ان ننشغل بهموم الامة , ومن كان عاجزا عن البناء فلا يشغل نفسه بالهدم .. ومن لم يكن عونا فلا يكن عبئا .
ان الاحسان الى الناس ليس من المداهنة فى شىء , وانما هو مداراة مشروعة , وكم نحتاج للتفرقة بين المفهومين !!
ان الخير كثير فى مجتمعاتنا , وان قلوب الملايين تمتلىء بحب الاسلام والخير رغم ما قد نراه من معاصى فان حب الله مركوز فى القلوب , قد طوى قومنا عليه جوانحهم , فعلينا ان نصل ما انقطع بين الناس وبين ربهم , ونؤلف القلوب ولا نسعى للصدام مع مجتمعاتان المسلمة تى لا يعرقل ذلك جهودنا ويقوض بنياننا .
يا لها من معانى رائعة , وموضوعات شيقة , واهداف نبيلة يعالجها مع غيرها من الامور والقضايا المهمة هذا الكتاب الذى بين ايدينا , وقد صدر عن مكتبة العبيكان المشهورة بحرصها على تخير الكلمة وانتقاء الكتب النافعة والوقوف على النفيس منها .. لذا نراها تهدى الينا اليوم كتابها الجديد " دعوة للتصالح مع المجتمع " والذى صدر ضمن سلسة الاسلام وتحديات القرن الحادى والعشرين " للدكتور ناجح ابراهيم عبد الله .. احد رموز الجماعة الاسلامية بمصر , وواحد من قيادتها التاريخية , واحد مفكريها .
والكتاب الذى بين ايدينا يقع فى حوالى 170 صفحة من الحجم المتوسط بغلافه الفاخر واخراجه البديع , واسلبه الرشيق ومداعبته القلوب والنفوس والواضح فى احكامه والشفافية فى نصائحه .
- وقد ضمن بين دفتيه اربعة فصول :
- اولها يحمل عنوان " الانتماء للاوطان لا ينافى فى الانتامء للاسلام "
- وثانى هذه الفصول قد وضع له المؤلف عنوان حاسما " لا صدام مع المجتمع "
- اما الفصل الثالث فقد ساقه المؤلف على هيئة سؤال ثم عرض للاجابة عليه " ندعوا للناس , ام ندعوا عليهم ؟ "
- واخر فصول كتابنا , فعنون له المؤلف بحديث النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ " وخالق الناس بخلق حسن " .
هذه فصول الكتاب الاربعة مع مقدمة شيقة جميلة , أجمل فيها المؤلف الكثير من المعاني ثم عاد ليفصلها بين ثنايا وعلى صفحات ذلك الكتاب .
فهيا لنصالح أقوامنا, ونصافح أهلينا ومجتمعاتنا, ونحمى ديارنا وأوطاننا, تعالوا نؤلف القلوب ، و نوحد الصفوف , ونمسك الايدى , كل ذلك وغيره مع كتابنا " دعوة لتصالح مع المجتمع " .. لمؤلفه . دكتور ناجح ابراهيم عبد الله والذى صدرت طبعته الاولى عام 2004م .
وعلى الله قصد السبيل .
والان نستعرض معك اخى الحبيب مختصر لهذا الكتاب الهام .
الفصل الأول : -
" الانتماء إلى الأوطان لا ينافى الانتماء للإسلام "
ومن اهم الافكار التى طرحها الكتاب فى هذا الفصل ما يلى :-
ان الحقيقة التى لامرية فيها هى ان الانسان لا يشعر بقيمة النعم عليه الا اذا فقد شيئا منها , او فقدها كليا .. ومن تلك النعم التى لا يستشعر خطورة فقدها الاوطان , التى هى مهد الصبا وملعب الشباب .. فان الذى حرم وطنه او اخرج منه انما يعلم تلك المعانى .. فان الوطن مهما كان قفرا او صحراء فانه له مكان فى القلب عبر عنها الشعراء على طول الدهر نستعذب الارض التى لا هوا بها ...... ولا ماؤها عذب ولكنها وطن
بل ان الواقع والعقلاء يشهدون ان حب الوطن له فطرة فطرها الله فى قلب الانسان ... يدرك ذلك من اجتمع عليه حر المصاب وحر الاغتراب .
ولقد تفهمت الشريعة الغراء تلك المعانى الجميلة لانها ما جاءات لتصادم مشاعر واحاسيس الناس , وانما لتقوم ذلم وتهذبه .. ولذلك فانها انكرت انكارا شديد على العصبية الحمقاء التى تساير القبيلة او الوطن على كل وجه دون تميز بين غث وسمين , ولا بين خطا وصواب .
فاذا رجعنا الى العصر الذاهر بل الى القيادة العليا للامة , فاننا نستمع اليه ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهو يودع ارضه التى احبها من شفاف قلبه " انك خير ارض الله , واحب الارض الى الله , ولولا ان اهلك اخرجونى ما خرجت " . قال ذلك رغم فساد اهلها وحاربتهم له ولدعوته , . بل ان اصحاب الكرام اعتلوا فى بداية مكنهم المدينة , ولعل العلة كانت نفسية وبدنية ,ولذلك دعا لهم النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ : " اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة او اشد .. " وناهيك بقول النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ لاصيل الغفارى بعد ان ذكر بمكة حين قدم عليه , فتقلبت الذكريات فى فؤاده قائلا : " دع القلوب تقر " وفى رؤاية اخرى : " حسبك يا اصيل لا تحزننا .. " .
وقد كان الصحابة ومن بعدهم من التابعين والعلماء ينسبون الى اوطانهم ويشتهون بذلك .. فهذا ابو ذر الغفارى , وذلك البخارى , وثالث النووى ــ رحمهم الله جميعا ـــ ... بل كان الكثيرون منهم يرجعون الى وطنهم مع دنو الاجل حتى دينه فهو شهيد .
وللاجابة نقول : ان الاسلام شيئا هلاميا , وانما هو يتكون ببساطه من شقين :
الاول : الافراد الذين يحملون هذا الدين " عقيدة وسلوكا " .
الثانى : الارض التى يتجلى فيها منهج الله " دار الاسلام " .
وانه متى سلمت الاوطان وايضا سلم المسلمون من النقص تجلت روعة الاسلام ... وقد جمع الله بينهما فى هذه الاية العظيمة : " هو انشاكم من الارض واستعمركم فيها " . فقد خلقناها وامرنا بسكناها وعمارتها .
ان الاسلام هو الدين الوحيد الذى اولى الارض والحفظ عليها اهتماما عجبا بلغ حد اراقة الدماء من اجل الدفاع عنها .. ولا ادل على ذلك من اجتماع الفقهاء على تعين الجهاد ــ اى يصير فرضا على كل مسلم قادر ــ اذا احتل شبر من ارض المسلمين .
ان الاسلام يحث اتباعه الى اللين والرحمة ولكنه ايضا , يحولهم الى اسود ضاربة حين يعتدى على اوطانهم ــ وان الواقع ليشهد بذلك لمن كان له قلب او القى السمع فهو شهيد .. فان المقاومة الاسلامية فى فلسطين تقف سدا منيعا فى مواجهة حلف واطماع العدو الاسرائيلى .
ان الوطنية الحقة هى التى ينبع معناها من الدين , وليست بضاعــــــــــة "قولية " نستوردها من الخارج على ما بها من علل .. اننا نخطىء كثيرا فى التعامل مع مفرادات الغرب حين تاتى الينا ونقبلها على انها حق لا مرية فيه لا والف لا , انما الوطنية عندهم ترفع الدين من محتواها شكلا وموضوعا .. ولذا فان يجب علينا ان نحرر مضمون الكلمة اولا حتى نعلم ما ناخذ وما ندع , وما نقبل وما نذر .
اننا نكرر دائما اننا ننكر الغلاة فى الوطنية ورفعها فوق حدود الدين , وننكر ايضا التهاون فى اخذها زاعمين انها تتصادم مع الدين .. لان المقاومة الحقيقية لا يمكن تصورها بدون الايمان الصادق الذى يدفع الانسان بان يضحى بحياته من اجل ارضه واهله وعرضه .. وهل يتصور ان يقوم بذلك الدور الصعب اولئك الشباب التافه الذى جعل الشهوة رائدة والسفاهة قائده , وارتمى فى احصان الاهواء , وادمن المسكرات وفقد جزءا عظيما من شهامته .
ان الدفاع عن الاوطان شرف عظيم لا يناله الا اولو الهم العالمية والعزائم القوية .. واذا حولت نظرك الى الجزائر وسالتهم من الذى حرر بلادهم , لقالوا بكل صراحة : لقد حررها ابناء الثورة الاسلامية .. فاذا قلبت صفحات ليبيا علمت ان نواة المقاومة الاسلامية قامت فى الزوايا السنوسية , حتى وصلت الى الشهيد عمر المختار .
ان الوطنية ليست افعالا تتجلى اوقات الحروب والملمات فحسب , بل هى سلوك المسلم داخل مجتمعه فى كل لحظة من لحظات حياته .. والمسلم الذى انضبطت وطنيته سوف تنضبط علاقته مع غيره من المسلمين وغيرهم .. فقد عقد النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ عند مقدمه المدينه معاهدة الدفاع المشترك ــ ان جاز التعبير ــ مع اليهود , وذلك تحقيقا لمصلحة الوطن العليا .. وكان تعامله مع اهل الكتاب فى المدينة هو التعامل الامثل الذى سار عليه الصحب الكرام , والسلف العظام بعد ذلك .. حكم تلك العلاقة العدل والرحمة على مر التاريخ .
فقصة شريح القاضى مع على ــ رضى الله عنه ــ واليهودى معلومة .. وايضا قصة احد صبيان الاقباط فى مصر مع احد
اولاد عمرو بن العاص غير خافية .. وهذه شكوى المراة من عمرو بن العاص الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ــ رضى الله عنهم اجمعين ـــ واستجابة أمير المؤمنين لشكواها .
ايضا فى التاريخ الحديث ما يدل على ما قلناه سلفا .. فها نحن نذهب الى الدولة العثمانية وحاكمها الشهير " سليم الاول " حين اراد ان يرغم غير المسلمين على اعتناقهم الاسلام مبررا ذلك بمشاكل لهم , ولكن يقف فى وجه شيخ الاسلام فى عصره , ويذعن له الخليفة وينزل على رايه .
بل ان حياة النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ حافلة بذلك التسامح وهذه الرحمة فهذه قصة زيد بن سعته مع النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ واسلامه فى اخرها لما راى حسن المعاملة وان حلمه سابق لغضبه .
ان الاسلام دون سائر الاديان عامل اهل الذمة والاقليات معاملة كريمة شهد بذلك الاعداء قبل الاصدقاء , ولم يكتف بذلك بل دافع عنهم وعن حقوقهم , وان كان ذلك ضد مسلمين قد اعتدوا عليهم .
لقد الزم الاسلام الحاكم بذلك طالما قبل منهم هذا التعاقد , والزمه ايضا الدفاع عن كنائسهم واديرتهم طالما اصبحوا فى ذمة المسلمين .. ليس تصحيحالدينهم , ولكن اقرارا فى الاختيار .
هنا تبرز قضية هامة .. هل يتعارض حب الوطن والعروبة مع حب الله او تجريد الحب لله ؟
اننا نرى انه لا تنازع بينهما اذا اعتدلت العقول والاراء , فاذا تعارضا فان حب الله والاسلام لا يقدم عليه سواه .. وان القائل بغير ذلك استدل باحديث فى غير موضوعها , مثل : " دعوها فانها منتنة " .. وحديث حجة الوداع : " ان الله اذهب عنكم عبية الجاهلية " .. بل ان ذلك الاستدال غير مرفق لان الذى قال ذلك ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال ايضا : " انا خيار من خيار من خيار " ..
والاولى بالقول هو ان النهى والتحريم انما يكون عن التعصب للقوم والعشيرة دون وجه حق اى الباطل ام بالحق فلا شى فيها لان الاسلام ينصر الحق ولا ينهى عنه , ويدور معه حيث دار , لانه الدين الحق : " فماذا بعد الحق الا الضلال " .
ان الاسلام حث مرارا وتكرارا على بذل الخي والحب للاقربين , فهم اولى بالمعروف من غيرهم , واولهم الاقربون نسبا , ثم الاقربون دارا .. ومن جقق النظر فى سيرة خير الانام عرف ذلك بجلاء .. ولقد قال عز من قائل : " قوا انفسكم ولهليكم نارا " . " وانذر عشيرتك الاقربين " .. وانظر الى وصايا جبريل للنبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ بالجار حتى ظن انه سيورثه .. الى اخر تلك الباقات من الدلائل على اهتمام الاسلام بتلك المسالة , وذلك لان انتصار المجتمع وتقدمه ياتى اولا من الداخل ولا يستورد من هنا وهناك .
واخيرا .. فانه ليس كل حب فى محبة الله تعالى ويزاحمها , مثل حب الولد او الوالد او الزوجة وغير ذلك , بل كلها دوائر يكمل بعضها بعضا .. بل ان القصد فى ذلك كله ربما كان من حب الله سبحانه وتعالى .. والا كيف تكون الحياة ؟ !
ان المحبة الصادقة لله تفوز تلك المحاب افرازا صحيحا وتصوعها صياغة منضبطة وتجعلها فى مكانها الصحيح .
الفصل الثانى
لا للصدام مع المجتمع
وقد طرح المؤلف فى هذا الفصل عدة افكار اهما ما يلى :-
يشهد التاريخ شهادة صدق وعدل , ان هذا الشعب الذى قام ضفاف النيل من احب الشعوب للخير واكثرهم تدينا وحبا للدين .. فلقد راينا قبيل الاسلام تمسك بالمسيحية , وجاء الاسلام فاندفع الى الاسلام اندفاع العاشق الى محبوبته , وما زال يتدفع الناس للدخول فى الاسلام منذ اللحظة الاولى التى طرق فيها عمرو بن العاص ارض مصر الى يومنا هذا .. وليس ادل على ذلك من تناقص الجزية فى عهد معاوية بن سيفيان ــ ضى الله عنه ــ ثم فى عهد عمر بن عبد العزيز ــ رحمه الله ــ ... ولقد دخل فى دين الاسلام اكثر اهل مصر فى فترة وجيزة , دليل على سلامة النظرة وصفاء الافئدة فى هذا الشعب ,
ولقد لعت مصر مع توامتها الشام دورا تاريخيا بارزا فى الدفاع عن الاسلام فى فترات المحن , ومثلت العمق الاستراتيجى لدولة الاسلام .. ومن اراد ان يطالع ذلك فليرجع الى الصراع " الصليبى ـــ الاسلامى " على مدى قرنين من الزمان .. وغيره من الصراعات الاخرى ... واما الازهر فدوره لا ينكره احد .
واذا كنا اليوم نشاهد نفرا من ابناء مجتمعنا قدير يرتكبون بعض المحرمات , وياتون بعض السلوكيات التى لا تتفق مع اسلامنا العظيم .. فان هؤلاء النفر لا يمثلون مجتمعنا فى الحقيقة .. كما ان هذه السلوكيات المنحرفة لا تنفى حب هذا المجتمع للخير , كما انها لا تنفى طيبته وهدوءه .. وواجبنا ان ناخذ بايديهم الى الهدى والرشاد .
الخلاف سنة ماضية :
نود ان نشير الى ان الخلاف سنة كونية ارادها الله بعباده .. فكما خالف بين طباعهم والوانهم والسنتهم , ايضا خالف بين افهامهم " ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم " .. وان ذلك لهو محض رحمة من الرحمن بخلقه .. فاذا انضبط ذلك الخلاف بضوا بطة فانعم به .
- ويمكن القول اختصارا .. ان الخلاف نوعان : -
النوع الاول : اختلاف التنوع :-
وهو ما لا يكون فيه احد القولين ناقضا للاخر : مثال ذلك :
أ – القراءات الثابته عن النبى ــ صلى الله عليه وسلم ـــ والاستفتاحات المنقولة عنه فى قيام الليل وغيرها .. فهذه كلها سائغة جائزة باتفاق المسلمين .
ب – ما اختلف فيه من المستحبات التى كان يفعلها النبى ــ صلى الله عليه وسلم ـــ مع الاتفاق على صحة العبادة ةنفى الاثم .. ومن امثلة ذلك : قنوت الوتر , وفصل الوتر ووصله , وقنوت الوتر فى رمضان .. ولشيخ الاسلام بن تيمية على ذلك تعليقات اخرى بالدعاة ان يقرؤها مرة تلو الاخرى .
فمنها مثلا : فى قنوت الوتر فى رمضان , فيقول : " اذا صلى بهم قيام رمضان فان قنت فى جميع الشهر فقد احسن , وان قنت فى النصف الاخير فقد احسن , وان لم بقنت فقد احسن " وانظر الى قوله فقد احسن رغم اختلاف الفعل , تدرك مدى سعة رحمة الله تعالى بعباده , ومدى مرونة شريعته لخلقه ,
ج – وايضا ما اختلف فى مشروعيته فحرمه البعض او كرهه , واجازه اخرون , وذلك لاسباب وعلل ترجع الى اجتها او عدم بلوغ الدليل .. والصحيح كما يقرر المحققون من العلماء ان كليهما جائز وسائغ , ومازال العلماء يختلفون فى ذلك فلا يبدع احد احدا فى مث ما ذكرنا .
ومثال ذلك : انواع التشهدات , وانواع الاذان والاقامة , والترجيح فى الاذان وغير ذلك من المسائل التى اختلف فيها سلف الامة مع عظيم شانهم ومدى حرصهم ومتابعتهم .
•النوع الثانى : اختلاف التضاد
وهو ان يناقض كل قول القول الاخر .. وقد وقع ذلك بين المسلمين على طوال العصور .. والحق قد يكون واحدا فى المسالة ولا ياثم المخالف طالما انه بذل حهده فى البحث عن الحق بل ماجور باذن الله ما دام استفرغ الوسع واخذ باسباب الاجتهاد الصحيحة .
وهذا النوع بدوره ينقسم الى قسمين .. قسم مذموم , واخر سائغ غير مذموم .
فالاول : وهو ما يصادم نصا قطعيا فى دلالته وثبوته من كتاب الله وسنة رسول الله , او اجماعا , او قياسيا جليا لا يختلف فيه .
ومثال ذلك : القول بجواز ربا الفضل , ةالقول بجواز نكاح المراة بدون ولى , او جواز المتعة .. فكل ذلك مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة الغراء .
والثانى : وهو الخلاف السائغ , وهو ما لا يخالف نصا صريحا او اجماعا قديما او قياسيا جليا .. وذلك سواء فى الاعتقاد ــ وهو نادر او فى العمل او الفقه .. وهذا يرجع الى اختلاف الافهام والقدرة على البحث والاجتهاد .. ومن امثلة ذلك : وجوب المضمضة والاستنشاق او ندبهما , وايضا هل يقع الطلاق المعلق ام لا , والخلاف فى التصوير الفوتغرافى .. وغير هذه الامثلة
نقول ذلك مع تسليمنا بوجوب ان يتحرى الانسان الصواب مالاسعه ذلك دون ان يشدد النكير على غيره .
اذان لماذا الصدام ؟؟!
اذا كان دور الدعاة الى الله هو عمل الراعى فى غنمه , او الطبيب مع مريضه , فلماذ الصدام مع المسلمين ؟
ان النبى ــ صلى الله عليه وسلم ـــ كان رحمة للعالمين " فبما رحمة من الله انت لهم " .. ان بلادنا وابناء الاسلام فى بلادنا لفى امس الحاجة الى من ياخذ بايدهم ويرحمهم ويدخلهم على الله تعالى من باب رحمته والحرص على مرضاته ليعيشو جميعا عيش السعداء .
وحتى يتجلى لنا مدى سماحة الاسلام وعظمة فقهائنا الاعلام , نقف الان مع بعض النماذج والامثلة التى حدث فيها خلاف فى زماننا هذا وقامت الدنيا لذلك ولم تقعد .. ثم نرى كيف تعامل فقهاء الامة بفهمهم الراقى وعقولهم المفتحة , وصدورهم الواسعة واخلاقهم الكريمة وقلوبهم السليمة , لندرك معنى قول الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ـــ : " العلماء ورثة الانبياء " ... وحتى نعلم كم نحن بحاجة الى التادب بادابهم , والتخلق باخلاقهم .. ومن هذه النماذج التى دار حولها جدل كبير فى ايامنا هذه فى مصر وغيرها :-
الاول : صلاة الترويح
كان يجرى الخلاف حولها فى عدد الركعات هل هى ثمانية , ام عشرين .. ويصر بعض اخواننا على انها ثمانية متمسكين بحديث عائشة ــ رضى الله عنها ــ مع ان المسالة فى اصلها سنة لا فرضا .. ثم ان الذى سنها عشرين ركعة هو الفاروق ــ رضى الله عنه ــ وبالجملة فان المسالة محل خلاف بين الائمة ــ رحمهم الله ــ فعند المالكية عشرون وعند الشافعية ثمانية .
الثانى : الاسرار والجهر فى اذكار ما بعد الصلاة
مع ان ابن عباس حبر الامة ــ رضى الله عنه ـــ روى الجهر بالذكر بعد الصلاة , وفعل ذلك فى عهد النبى ــــ صلى الله عليه وسلم ـــ اما الذكر بصورة جماعية فجائز للتعليم لا غير .
الثالث : الخلاف حول اذان الجمعة :-
وقد كثر التشاحق والتراشق بالاحكام بسبب ذلك مع ان الذى سنه امير المؤمنين بحر العلوم وجامع القران عثمان بن عفان ـــ رضى الله عنه ــ .. وعلى ذلك اجازه كبار الصحابة وائمة العلم فلما التشاحن اذن ؟ !
الرابع : الجهر بالبسملة :-
وهى على خلاف بيم ائمة العلم , لخلافهم فى حديث انس بن مالك ـــ رضى الله عنه ــ .. فعند الشافعية انها فرض فحكمها حكم الفاتحة فى السرية والحهرية .. وقال الحنابلة اناه سنة وايضا الاحناف .. فاذا كان ذلك مقرر عند العلماء بقى تاليف القلوب كما فقه ذلك الامام احمد ــ رحمه الله ــ لان التاليف اوجب .
الخامس : القنوت فى صلاة الفجر :-
وهو ما عليه اكثر اهل مصر .. ويحدث تصادم مع بعض سباب الحركة الاسلامية مع الناس مع وجود الخلاف ايضا فيه .. فاسمع لشيخ الاسلام وهو يقرر ذلك : " فتنازع فيه المسلمون على ثلاثة اقوال احدهما : انه منسوخ فلا يشرع مجال .. والثانى : انه مشروع دائما .. والثالث : انه مشروع فى النوازل " . ثم فصل فى كل قول , وان كل قائل معذور فيما قال .. والمسالة خلافيه والذى يجب اتباعه هو الامام فى الصلاة لانه " انما جعل لياثم به " كما فى الحديث .
السادس : زكاة الفطر هل تخرج بالقيمة ام عينا :-
وهو محل خلاف قديم متجدد .. ولكل قائل من العلماء وجهة هو موليها , فمنهم من نظر الى العلة من هذه الذكاة .. ومنهم من نظر الى النص الوارد فعلم يتعداه .. ومن دق النظر علم ان قول الاحناف له وجهة عظيمة من مقصود الشارع كما صرح بذلك الشيخ العلامة الالبانى ــ رحمه الله ــ ..
السابع : مسالة التمذهب : -
وادق هذه المسالة الى قول واتهامات متبادلة لا طائل منها , والحق انها مسالة خلاف كما يقول الدكتور عبد الكريم زيدان .. لان المذاهب مدارس فقهية وليست دينا متبعا فى ذاته .. فامر اتباع مذهب معين لا شى فيه , ومازال العلماء قديما وحديثا ينسبون الى مذهبهم .. والذى يذم فى ذلك هو التعصب للمذهب او الامام بغير دليل .
وفى الختام نقول ان الشريعة الاسلامية التى تتسم بالسعة والمرونة استطاعت ان تفى بحاجات الناس على طول الدهر , رغم اختلاف عقولهم وتباين طباعهم وتغير ظروفهم .. ولكنا نرى الشريعة قد خاطبة الروح والعقل فقررت رفح الحرج . فلماذا نضع انفوسنا وغيرنا فى حرج والله رفعه عنا .
فاذا كان مثلا الطلاق المعلق يقع عند اللزوم عند الجمهور ولا يقع عند بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم فلماذا ناخذ الاول مع انه سيؤدى مع عموم البلوه الى خراب البيوت والمسالة من اصلها اجتهاد ؟ .
وهنا نقول امرا ربما غاب عن الكثير من شباب الاسلام .. ان المرجوح فى الشريعة له قيمة عظيمة فى بعد الازمان والاماكن ما دام يقع فى منطقة الخلاف السائغ المعتبر , حتى نفتح للناس ابواب الرحمة والحب للاسلام ولا نشق عليه مصداقا لقوله تعالى " يريد الله ان يخفف عنكم " .
اخى الكريم ان الخلاف السائغ بضوابطه لا يفسد للود قضية فقد وقع فى ازها عصور الاسلام وكان جميع الفقهاء رغم خلافهم على خير وهداية وطاعة لله ورسوله ــ صلى الله عليه وسلم .
اخى الكريم على الدعات الى الله الا يشغلوا انفسهم وامتهم بفروع المسائل المختلف فيها وان يشغلوا امتهم وانفسهم بالهموم الكبرى التى توجه الاسلام المسلمين .. وان يذكروا الناس باصول الاسلام ابتدا قبل الجدل حول الفروع " كل هذه سبيلى ادعوا الى الله انا ومن اتبعنى "
الفصل الثالث :
" ندعو على الناس .. ام ندعو لهم ؟ "
ومن اهم الافكار التى طرحها الكاتب فى هذا الفصل ما يلى :
ان الدعاة الى الله ينبغى ان يعلموا طبيعة مهمتهم , وحقيقة الوظيفى التى تقلدوها .. وهى انهم دعاة الى الله بكل ما تعنى هذه الكلمة من مقاصد ودلالات .. فهم ليسوا جباة ولا قضاه .. طبيعة مهمتهم هى تحبيب الخلق فى الخالق , وايصال اجمل معانى الايمان الى قلوب الناس , وادخالهم فى ديوان السعداء لا سجل الاشقياء .. كما كان ذلك من هدى النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ ختى اهم نفسه واحزن فؤاده بعد الاستجابة له , وجاءه خطاب المنان " انك لا تهدى من احببت " لعلك باخع نفسك الا يكونوا مؤمنين " .. وكانه يقول له لا تحزن , انما عليك هداية البيان والبالغ , واما هداية التوفيق فمن عندنا .
لقد امضى حياته ــ صلى الله عليه وسلم ــ فى هداية الناس والدعوة لهم .. وهل نسى يوم الطائف ؟ , يوم رمى بالحجارة ودميت قدماه , ورغم ذلك يقول " اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون " . ويرجو ان يخرج الله من اصلابهم من يوحد الله .
اذا كان هذا هو القدوم والامام , فما الذى يجب علينا ؟ ان ندعوا للناس ام ندعوا عليهم ؟ .
ورغم بداهة االاجابة .. الا ان بعض الدعاة يسارع بالاجابة بانه ينبغى ان ندعوا على المخالفين لمنهج الله , وان نتبرا منهم .. وتسمع كلمات الدعاء الصارخة فى ذلك .
وهنا ينبغى ان نقول كلمات مذكرين :
ان هدى النبى الاكمل والاعظم هو الدعاء للناس لا عليهم , حتى مع عتاة الشرك .. لان فى الدعاء عليهم انتصارا لحظوظ النفس , والاحرى بالداعية ان يتجرد من حظ نفسه وليس ادل على ذلك من دعائه ــ صلى الله عليه وسلم ــ لدوس : " اللهم اهد دوسا " .. ومن ذلك ايضا دعائه لام ابى هريرة ــ رضى الله عنه ــ وقد اذته وسبته , لكنه دعا لها فاسلمت وحسن اسلامها ببركة دعائه لها .
ودعائه ــ صلى الله عليه وسلم ــ ان يعز الله الاسلام باحد العمرين , ابن الخطاب او عمرو بن هشام .. ودعائه لاهل ثقيف : اللهم اهد ثقيف وائت بهم " , وجاءت ثقيف راغبة لا راهبة , محبة لا مكرهة .. فلما ارتدت العرب ابت ذلك عليهم , وتمسكت باسلامها ببركة هذا الدعاء العظيم .
ولم اصيب ــ صلى الله عليه وسلم ــ فى احد , فى نفسه وعمه واصحابه العظماء , قال كلمة مكلوم ساعة مصاب : " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم الى ربهم " . فانزل الرحيم الذى سمى رسوله رحيما " ليس لك من الامر شىء " .
هذا هو هدية ــ صلى الله عليه وسلم ــ تلك سنته .. وهدية هو اكمل الهدى , ومقامه اعلى المقامات .. فمن رغب عن هديه فلينتظر اين يولى وجهه ؟ والى اين يشد رحله .
رغم ذلك فان شباب الاسلام ربما استدل على فعله ودعائه على الناس بدعاء نوح على قومه , او موسى على فرعون وملاء .. فاما دعاء نوح عليه السلام فيقال فيه :
اولا : ان هدى رسولنا ــ صلى الله عليه وسلم ــ اكمل هدى فى الانبياء رغم عظمتهم جميعا .
ثانيا : انه يمكن ان يقال ان نوحا عليه السلام دع عليهم بعد ان علم بمآلهم " انهم مغرقون " وبه قال قنادة ــ رحمه الله ــ فلما افترق الحالان اختلف الحكمان .
ثالثا : ان نوحا عليه السلام علل حكمة دعائه عليهم بانهم ان ابقاهم الله ضلوا واضلوا ولم يلدوا الا فاجرا كفارا .. والنبى ـ صلى الله عليه وسلم ــ علل حكمة دعائه لهم فى قصة الكائف , رجاء ان يخرج منهم من يوحد الله .
رابعا : نقول لهم ايضا , ان نوحا دعا عليهم لانه علم انهم لن يسلموا ابدا , وانه مكث فيهم الف سنة الا خمسين يدعوهم الى الله , وانهم كفار لا شبة فى كفرهم .. اما اهل القبلة . وان كانوا ظالمين فانهم ليسوا كقوم نوح عليه السلام الذين قال الله فيهم : " لن يؤمن من قومك الا من امن " .
واما الاستدال بدعاء موسى عليه السلام فى فرعون وملاه .. فيقال فيه ايضا :
اولا : هدى نبينا اكمل واعظم الهدى .
ثانيا : قال ابن كثير : " وهذه الدعوة من موسى عليه السلام غضبا لله ولدينه . على فرعون وملاه والذين تبين لهم انهم لا خير فيهم " .. وموسى نبى اوحى الله اليه ما اوحى , فمن منا يعلم ان نهاية فلان تكون كهؤلاء .
وقد يقول قائل : انكم ترون حرمة الدعاء على احد واء ظلم ام لا ؟
فاننا نقول : اننا لسنا بصدد حكم شرعى , ولم نتكلم فيما يحل ويحرم , وانما نقول ما ينبغى ان يفعله الهداة الى الله .. فهو الاكمل اقتداء بقدوتنا الحبيب ــ صلى الله عليه وسلم ــ .
ولنا ان نتساءل ما هو اثر الدعاء عليهم؟ الهلاك , نعم قد يقع ولكن بعد امهال كما فى الاثار , وبعد ان يزيد فى الطغيان .. وكل ذلك على حساب المسلمين .
فاذا قال قائل : ادعو عليه لاعراضه .. قلنا له : وهل قمت بواجبك نحوه من الدعوة والبيان والصبر عليه والدعاء له بالهداية ؟
ايها الدعاة الى الله . ان استخدام المنابر للدعاء على اناس باعينهم عظيم المفاسد على الداعى وعلى الناس .. ولا يحسبن احد ان ذلك من الصدع بالحق ,فان درء المفاسد وجلب المصالح له ميزان فى شريعتنا الغراء .
ايها الدعاة .. ان استعداء الناس قريبهم وبعيدهم يتنافى مع الهدى الصحيح والحكمة الصريحة .. ولنعلم ان حبيب النجار قال : يا ليت قومى يعلمون " رغم انهم قتلوه .. فيا له من داعية رحيم .
الفصل الرابع :
" وخالق الناس بخلق حسن " .
ومن اهم افكار هذا الفصل التى طرحها الكاتب ما يلى :
اعظم بهذا الدين الذى جاء ليجمع الناس من اول يوم جمعا كريما .. يبنى لهم صرحا شامخا يقوده المربى الاعظم والامام الاكلام .. قائلا فى جوامع كلمة " الدين المعاملة " .. فبها قامت الامة وسادة على الامم .
ولقد كان من اسس الشريعة الخالدة القيام على الاجتماع والائتلاف , والنهى على التفرق والاختلاف .. فشرعت المدارة حفاظا على مشاعر الناس وتاليفا لشاردهم , فهى ادب كريم وخلق قويم لا يدل على الضعف , بل على قوة الفهم والادارة لقد بوب البخارى الفقيه ــ رحمه الله ــ فى كتاب الادب " باب المداراة مع الناس " وذكر حديث عائشة ــ رضى الله عنها ــ انه استاذن رجل النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ فى الدخول فقال : " ائذانوا له و فبئس اخو العشيرة " فلما دخل الان له الكلام .. فعجبت عائشة من ذلك : فقال لها الفقيه الداعى المعلم الاول : " اى عائشة : ان شر الناس عند الله منزلة من تركه الناس اتقاء فحشه " .. فلماذا فعل ذلك النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ هل خوفا منه ام ادبا معه ؟ .. وفى حديث اخر " مداراة الناس صدقة " .
قال ابن بطال : " المداراة من اخلاق المؤمنين .. وهى خفض الجناح للناس وترك الاغلاظ لهم و وذلك اقوى اسباب الالفة " .
وفى حديث المسور بن مخرمة خير شاهد على ذلك , وفيه اعطى النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ مخرمة قباء كان اعطى اصحابه منه .. فكانت المداراة بالقول والفعل وذلك لشدة مخرمة وحدة لسانه .
وقال تعالى : " ولا تستوى الحسنة ولا السيئة " وقد قيل الحسنة المداراة , والسيئة الغلظة .. فان القلوب اسيرة الاحسان , كما قال احدهم :
ان العداوة تستحيل مودة ....... بتدارك الهفوات بالحسنات
ان ذلك خير من شجاعة ساذجة تدفع صاحبها الى كسب موقف وسران انسان ..
وقد قال سحنون فى وصيته لابنه : " وسلم على الناس , ودارهم فان راس الايمان بالله مداراة الناس " .. وانما يكون ذلك مع الاقارب والاباعد والاصدقاء والاعداء .
وقد بوب البخارى ايضا ــ رحمه الله ــ " باب المداراة مع النساء " لانه فهم من جملة احاديث النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ ان معاملة النساء لا تصلح الا بشىء من ذلك وبملا طفتهن .
ومن المدارة ايضا عدم الاصطدام بمشاعر الناس , وذكر عيوبهم صراحة , فها هو الرشيد كره ملازمة الكسائى لابنائه بعد ان اصيب بالبرص , فقال له : " كبرت سنك ولسنا نقطع راتبك , وامره ان يختار لهم مؤدبا " .. فانظر اخى الكريم كيف فعل الرشيد رغم مكانته , ولكنها الحكمة والفهم .
وهكذا تصبح المداراة فى بعض معانيها الدقيقة حسن عرض لبضاعة القول الذى قد يحمل فى ثناياه غضا من شان , او نقص من قدر .
ان الاحسان الى الناس , انه من اعظم اليات اطفاء نار العداوة , واذكاء نور الود والحب بين الناس .. وكفانا فى ذلك قول الله سبحانه : " ادفع بالتى هى احسن فاذا الذى بينك وبينه عداوة كانه ولى حميم " .
وقد قال محمد بن ابى الفضل الهاشمى : " قلت لابى : لم تجالس الا فلانا وقد عرفت عداوته ؟! فقال : اخبى ( اخمد ) نارا واوقد ودا " .
وتلك والله حكمة بالغة , وخلة عظيمة لا يوتاها الامن انعم الله عليه بفهم ثاقب , وعقل واع , وفقه مستنير .
ورحم الله امير المؤمنين عمر بن عبد العزيز .. فقد كان حكيما معلما فى ذلك , ضن الزمان بمثله .. وقد قال رحمه الله " ما طاوعنى الناس على ما اردت من الحق بسكن لهم شيئا من الدنيا " .. فانظر رحمك الله الى هذا الفقيه واسمع معى الى قول بن الجوزى ــ رحمه الله : " فمن البلن ان تبادر عدوا او حسودا بالمخاصمة .. وانما ينبغى ان عرفت حاله ان تظهر له ما يوجب السلامة بينكما " .
ان المداراة هى الرفق بالجاهل فى التعليم , وبالفاسق بالنهى عن فعله , وترك الاغلاظ عليه حتى لا يظهر ما هو فيه .. والافكار عليه بلطف القول والفعل لاسيما اذا احتيد الى تالفه ونحو ذلك .. فهو يعلم الجاهل وينصح الفاسق وينكر على العاصى ولكن بلطف ورفق .
وهكذا تصبح المداراة فى بعض معانيها هى حسن عرض لبضاعة القول فيرضى المنصوح له بالراى ويقنع به من غير ضيق .
اما المداهنة : تضم تحت جناحها الكذب والغيبة والنميمة بل والخديعة والخيانة من المرء لمن يداهنه .. حيث يحسن له ما هو عليه من سوء , ويستر عنه ما فيه من عيوب , وهى من الدهان الذى يظهر الشىء ويستر باطنه .
والمداراة بمعنى المجاملة والملاينة فهى ترجع الى حسن اللقاء ولين الكلام , وتجنب ما يشعر بنقص او غضب او استنكار .. ومن ذلك صنيع النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ مع الرجل الذى قال فيه " بئس اخو العشيرة ط فقد لاطفه والان له القول اتفاء فحشه .. قال ابن الجوزى : " فمن البلن ان تبادر عدوا او حسودا بالمخاصمة , وانما ينبغى ان عرفت حالة ان تظهر له ما يوجيب السلامة بينكما " .
اما المداهنة : فهى مدح الرجل والثناء عليه فى وجهه ثم تذكر عيوبه حال غيبته .. وقد قيل لابن عملا : انا ندخل على امرائنا فنقول القول , فاذا خرجنا قلنا غيره ؟ قال : كنا نعد ذلك من النفاق على عهد رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ .
ومن المداراة , ينبغى بها رضى الناس , وتاليفهم فى حدود ما ينبغى ان يكون فلا بعدك عنها قضاء بالقسط او القاء نصيحة فى رفق .
اما المداهنة : فهى ان تبذل من دينك حتى تاخذ من ديناهم .
ومن المداراة المحمودة .. السعى بين المتخاصمين بالصلح , وان ادى ذلك الى الكذب , وتحسين كل فريق الى الاخر حتى يرضى وتنتهى ما بينهم من خصومة .. قال النووى : " فاما من يقصد بذلك الاصلاح بين الطائفتين فهو محمود " .
واما المداهنة المذمومة .. فمن ابشع صورها ذو الوجهين , فحاله حال المنافق متملق بالباطل والكذب مدخل للفساد بين الناس .
ان المداراة : فيها بذل لشىء من الدنيا ابتغاء خير وصلاح فى الدين وللدين , ونيلا للاجر والمثوبة فى الاخرة "
اما المداهنة : ففيها تخل عن شىء من الدين وتهاون فيه ابتغاء مصلحة دينويه عاجلة .
ان المداراة : هى حسن سياسة وكمال كياسة , وصفه من صفات العظماء من الناس .
واما المداهنة : صفة من لا خلاف لهم فى الاخرة , ولا فى الدنيا .
واخير .. وقبل الوداع , فاننا نخاطب اناسا احبه لنا , اعزة علينا , ونردد ايضا مرات ومرات ان القصد والنية لهما دور عظيم فى مثل تلك المسائل . فدقق النظر واحكم الفينة وتعلم الصيد تنل ما تريد , واللخ يوفقك وهو المستعان و ولا حول ولا قوة الا به .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
| الإسم | ابو بلال السيد اجمد |
| عنوان التعليق | مع اللة |
| نريد دعوة للتصالح مع اللة حتى تتم الفائدة |
| الإسم | احمد زكريا ـ.....بنها |
| عنوان التعليق | اصلاح ذات البين طريق التمكين |
| لن يتم تمكين ولن يتنزل نصر الا اذا اصلحنا ذات بيننا على المستوى الفردي والعام (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) |
عودة الى كتب ودراسات
|