عام هجري جديد.. تحديات متزايدة, استجابات قاصرة, أمل منتظر
مع مرور عام هجري نحتاج لوقفة تأملٍ لأحوال الأمة وأمالها وما تحقق منها وما لم يتحقق. وقد لا نختلف حول حقيقة نعيشها ويدركها أبناء الأمة الإسلامية وهي:إأن أزمة الأمة ما زالت مستمرة, والتحديات ما زالت قائمة والاستجابات للخروج من الأزمة لا زالت قاصرة.
* أزمة مستمرة:
فمن يرصد خريطة الصراعات في عالمنا اليوم سيجد أن الأغلبية العظمي منها أحد الأطراف فيه طرف إسلامي, ويكفي للتدليل على ذلك النظر إلي:
- أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال.
- باكستان والصراع الداخلي المشتعل فيها والمتنامي يوماً بعد يوم.
- السودان وما يحدث في دارفور والجنوب والشرق السوداني.
- إيران والتهديدات الأمريكية والأوربية المتتالية لها.
- الصراع المتزايد بين تركيا والأكراد.
- السعودية والجزائر واليمن وأعمال المواجهات التي تظهر بين يوم وأخر.
- الجاليات الإسلامية في أوربا التي تعاني من عنصرية تتزايد ضدهم.
- الأقليات المسلمة في الفلبين وفي الشيشان والأغلبية في كشمير.
- الصراع الداخلي في الأقطار الإسلامية يتزايد يوماً بعد يوم.
وكل هذا يعني أن الأزمة ما زالت مستمرة.
* تحديات متزايدة:
واستمرار الأزمة وتفاقمها ناجم عن استمرار التحديات القائمة التي واجهتها أمتُنا الإسلامية إلي يومنا هذا:
- فتحدي تذويب الهوية الإسلامية بالأقطار الإسلامية ما زال قائماً على قدم وساق.
- وتحدي الصراع الداخلي بين أبناء الأمة في أقطار كثيرة بها يتزايد يوماً بعد يوم تارة على أساس طائفي أو عرقي أو تنافس على الوجود أو السلطة.
- وتحدي الاستبداد الداخلي يخيم على سائر أكثر الأقطار الإسلامية.
- وتحدي التآمر الأمريكي الإسرائيلي المدعوم من أقطار أوربية وغير أوربية على حاضر الأمة ومستقبلها وثرواتها لم يعد خافياً.
- وتحدي الاستعمار الجاثم على صدر أبناء الأمة في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها حقيقة بشعة.
ومع استمرار هذه التحديات تظهر الأمة في صورة الممزق داخلياً والمتخلف حضارياً والمستهدف دولياً كما جاءت الاستجابات لمواجهتها قاصرة وغير كافية وربما كانت ضارة وغير نافعة في أحيان كثيرة.
* استجابات قاصرة:
وسواء كانت الاستجابات مقدمة من الحكومات التي تحكم أقطارنا الإسلامية أو من الحركات العاملة فيها فلم تكن أي منها كافية ولا شافية من أزمتها فأغلب الحكومات أقصي أمالها أن تقلل من أضرار الهجمة الدولية على أقطارها وعلى نفوذها وبقائها بل إن بعضها ذهب بعيداً في التفاهم مع الأجندة الخارجية على حساب الهوية الإسلامية.
والحركات الإسلامية انشغل أكثرها بأزمته الداخلية مع حكومة القطر الذي تتحرك فيه, واستمر تنظيم القاعدة في طرح وتنفيذ استراتيجيتة العالمية القاضية بإدخال الأمة في مواجهة مسلحة مع أعدائها عبر العالم في وقت الأمة فيه ممزقة ومتخلفة وغير قادرة وحكوماتها غير راغبة.
فلم تحقق إستراتيجيتها إنهاءاً لأزمة الأمة بل زادت من تفاقمها, ولا يرتجي منها سوي الإسهام مع غيرها من المقاومين لإنهاء الاستعمار بأفغانستان وربما العراق دون إجهاز على أمريكا كقوة عظمي أو قدرة على الانتصار على تحديات التخلف والاستبداد والصراع الداخلي أو التآمر الدولي.
وإذا كنا ممن يرون أن الحديث عن أمة إسلامية موحدة هو من قبيل الحديث الإنشائي الذي لا مرد له في دنيا الواقع من شيء؛ ولذلك فإننا لا ننتظر استجابة موحدة لمواجهة تلك الأزمة, فالأمة الإسلامية اليوم ممزقة وتفتقد حتى التنسيق في المواقف بين أقطارها فضلاً عن وحدة القرار السياسي, وغاية المأمول – وليس المفروض – أن تأتي الاستجابات المختلفة من الحكومات والحركات في الاتجاه الصحيح الذي ينهي أزمتها أو يساعد في الانتصار على بعض أو كل هذه التحديات, وهذا أمل منتظر.
* أمل منتظر:
ونحسب أن نقطة الانطلاق نحو تحقيق هذا الأمل المنتظر هي سعي الحكومات والحركات الإسلامية لإنهاء حالة التمزق والصراع الداخلي, والتآزر لمواجهة حالة التخلف والاستبداد والعمل على الحفاظ على الهوية الإسلامية, وإعطاء الفرصة كاملة للتيارات الإسلامية لتقديم الاجتهادات العصرية لتطبيق الشريعة الإسلامية وبيان جوانب الرؤية الإسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ونقطة البدء تكمن في عدم إقصاء التيار الإسلامي عن الاندماج في الحياة السياسية, وفي إسهامه في تقديم رؤيته لإنهاء هذه الأزمة على مستوي الأمة وتقديم الحلول الفاعلة لمشاكل الأوطان.
* ولنا في الهجرة درس:
ولنا في هجرة النبي صلي الله عليه وسلم درس يجب على الحكومات والحركات استيعابه بعمق.
فهجرة النبي صلي الله عليه وسلم مثلت النقطة الفارقة بين حالتين: حالة الضعف والتخلف والمجتمع الممزق, وحالة بناء الدولة الفتية الموحدة, التي قامت على توحيد كل سكانها على أهداف صحيحة واضحة ورفضت الدخول في صراع مع المنافقين أو اليهود, ومن هنا كانت البداية نحو مواجهة التحديات الأكبر والمتمثلة في طغيان القوي الدولية آنذاك ممثلة في الفرس والروم.
لقد شاءت إرادة الله الحكيم أن تهدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلي اختيار يوم الهجرة لبدء التأريخ الإسلامي, ووافقه على ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وغيرهم, وكان يمكن أن يختاروا يوم مولد النبي لبدء هذا التأريخ أو يوم بعثته أو يوم بدر أو الفتح لكن الله هداهم ليوم الهجرة لما يحمله من معانٍ عظيمة ودروس بليغة منها:
- إن الحكومة الراشدة هي التي لا تستبعد أي مكون من مكونات الدولة من المشاركة في بناء الدولة القوية الفتية حتى لو كان يهودياً, فما بالنا اليوم نري بين حكومات العالم الإسلامي من يستبعد التيار الإسلامي عن المشاركة في الحياة العامة.
- ودرس للحركات الإسلامية إنه ليس بالضرورة أن يكون بناء الدولة الإسلامية يمر عبر الصدام والقتال فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم أقام دولته دون إراقة دماء.
وليتفق الجميع على كلمة سواء مفادها الحفاظ على الهوية الإسلامية, والمشاركة في بناء مجتمع متقدم, وادخار طاقة الجهاد الكامنة لمواجهة أي حالة استعمارية.
وإذا كان العام الهجري المنصرم وما قبله من أعوام شهدت مولد مبادرات عديدة للتيار الإسلامي تتجه به نحو الرشد, فإننا ننتظر مولد مبادرات من الحكومات تحمل سياسات جديدة تجاه التيار الإسلامي, وهذا هو الأمل المنتظر, وتأخره يعني إضاعة فرصة قد لا تتكرر إلا بعد سنوات طويلة وتجارب مريرة تدفع الأمة بأسرها ثمنها, وهو ما لا يتمناه كل محب لدينه أو وطنه أو أمته.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
الجماعة الإسلامية بمصر
الأول من المحرم سنة 1429 ﻫ
| الإسم | فاوى |
| عنوان التعليق | جزاكم الله خيرا |
| جزاكم الله خيرا |
عودة الى بيانات
|