السلام من كارتر الرئيس إلي كارتر الفلاح
بقلم م. محمد يحيي
• لا يختلف اثنان على أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر هو أول رئيس أمريكي يُحدِث اختراقاً حقيقيا في الصراع العربي الإسرائيلي أدي إلي توقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل ترتب عليها كثير من النتائج إقليميا ودوليا لسنا بصدد تفصيلها ـ وقد نختلف كثيراً في جدوى وأهمية هذه الاتفاقية ولكن لا سيبل لإنكار أنها أول وقد تكون آخر اختراق حقيقي لهذه المشكلة التي تغير كل شيء فيها حتى الاسم .
وخرج من رحم هذه المشكلة مشاكل وصراعات أخري ليس أقلها ما يحدث بين فتح وحماس وأصبحنا أمام مفاهيم ومعطيات جديدة تحتاج إلي آليات جديدة للتعاطي معها.
• جاء جيمي كارتر هذه المرة إلي المنطقة ليس بصفته رئيساً ولكن بصفته فلاحاً أمريكياً بسيطاً يزرع الفول السوداني ويتاجر في الحاصلات الزراعية ويملك مركزاً أكاديميا لدراسات السلام والتنمية. ولم يُستقبل استقبالاً لائقاً في إسرائيل بحجة أنه سيقابل خالد مشعل , وينوي زيارة غزة وأشك كثيراً في حقيقة وجدية السلوك الإسرائيلي تجاه كارتر وقد يكون ذلك نوع من السياسة واللؤم اليهودي المعهود .
ونفذ كارتر أجندته التي جاء من أجلها فقابل وفد حماس في القاهرة وأجتمع مع خالد مشعل وبشار الأسد في دمشق وبشر بإمكانية إقامة سلام دائم في المنطقة كما كان يتمناه من قبل وعاد إلي بلاده بعد أن علا نجمه في السماء وذكر الناس بماضيه المشرف في إدارة المشاكل الدولية المستعصية.
• ولا يمكن الفصل بين زيارة جيمي كارتر والتفاهمات الإسرائيلية الفلسطينية التي تتم الآن في القاهرة برعاية الوزير عمر سليمان حتى وإن كان الأخير يرعي هذه التفاهمات منذ زمن طويل ويحفظ عن ظهر قلب هذا الملف ويعرف ما يجب وما ينبغي وما يصلح وما لا يصح إلا أن زيارة جيمي كارتر أعطت زخماً جديداً لهذه التفاهمات وأوصلت رسائل قد تكون صادقة لكل الأطراف وأزعم أن هذه التفاهمات حتى وإن نجحت وأثمرت عن هدنة بين حماس وإسرائيل ورُفع الحصار وفُتحت المعابر فإن ذلك لا يعبر عن اختراق حقيقي للمشكلة ولا يساوي شيئاً بالمعايير الإستراتيجية ويجعلنا نتحسر ونتألم على زمان كنا نهدد فيه إسرائيل بالإلقاء في البحر وقتالها وقتال من يتشدد لها .
وبعد 1967م رفعنا شعار ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير بالقوة وتحقق معني هذا الشعار في أكتوبر 1973م جاء عصر السادات ورفع فيه شعار , سلام الشجعان أو سلام الأقوياء وكانت كامب ديفيد وعصر الرئيس مبارك هو امتداد لعصر السادات مع قدر كبير من التوازن والحذر والمواءمة وتغليب المصلحة العامة على الشعارات لأن تقلبات السياسة لا ترحم واختلال الميزان الإستراتيجي لصالح العدو كفيل بتغيير الخرائط وصناعة واقع جديد حدث بالفعل وأصبحنا نراه ونتعايش معه.
والشعارات التي ذكرتُها تعبر عن مراحل زمنية مختلفة لها ظروفها ومعطياتها وذكرها لا يعني بالضرورة الدفاع عنها أو حتى الاقتناع بها غير أن المسافة الشاسعة بين إلقاء إسرائيل في البحر وتفاهمات القاهرة تعبر عن القدر الهائل في الخلل الإستراتيجي الذي حدث بيننا وبين إسرائيل.
• ومع أن أحداً لا يستطيع أن يشكك في حب الرئيس الأمريكي الأسبق للسلام ورغبته في عمل شيء يؤدي إليه إلا أن زيارته للمنطقة لا يمكن فصلها عن ثلاثة أشياء.
الأولي: السباق الرئاسي الأمريكي إلي البيت الأبيض خاصة وأن باراك أوباما وهيلاري كلينتون تفرغا للنيل من بعضهما وتركا الحزب الديمقراطي الذي ينتميان إليه وحيداً فريداً أمام مغامرات جون ماكين وهذا قد يؤدي إلي تآكل شعبية الحزب واضمحلال فرصة للوصول إلي البيت الأبيض وزيارة كارتر إلي الشرق الأوسط تذكر الأمريكيين بالنجاح الإستراتيجي التي حققه أيام حكمه على الساحة الدولية وهذا أبلغ رد على اتهامات جون ماكين لقيادات الحزب الديمقراطي بأنهم ضعفاء في السياسة الدولية.
الثاني: زيارة كارتر لا يمكن فصلها عن جمع المعلومات وجس النبض وتوصيل رسائل وإشارات إلي كل الأطراف بل ووضع خطط وتصورات للمستقبل في ظل رئيس ديمقراطي جديد قد يعيد التوازن للمشكلة ويؤسس لاختراق سياسي جديد.
الثالث: لا يمكن فصل هذه الزيارة عن شخصية جيمي كارتر وتكوينه النفسي وتاريخه السياسي فهو محب للسلام وداع إليه ومعارض قوي لكل سياسات ومغامرات آل بوش وعصابة المحافظون الجدد.
ما سبق هو التقييم الموضوعي ـ في رأيي ـ لزيارة جيمي كارتر لا شيء أكثر من ذلك ومن المعروف أن السنة التي تحدث فيها الانتخابات الأمريكية هي سنة فارغة سياسيا ولا صوت فيها يعلو فوق صوت الدعاية السياسية ولكن من المعروف أيضا أن الرؤساء الأمريكيين يسعون دائماً إلي إحداث اختراقات من الوزن الثقيل قبيل الانتخابات لترجيح كفة أحد المرشحين وهذا ما ينوي أن يقوم به جورج دبليو بوش في الشهور القادمة.
ولكن اشكك كثيراً في قدرته على إحداث أي اختراق حقيقي لأن العرب ليس عندهم ما يقدمونه وإسرائيل ليس عندها ما تضحي به بعدما حصلت على كل شيء دون مقابل وتسيفي ليفني في الدوحة تعلم العرب والعجم فنون الحكم الديمقراطي وتعظم في حقوق الإنسان وأحمد الطيبي يرد عليها والله لو حدث ذلك من برلمان عربي ورد على وزير خارجية بلاده لقطعوا رأسه في ميدان عام ولأخرجوه من الإسلام والعروبة والإنسانية وهذا هو الفرق بيننا وبين إسرائيل.
عودة الى وراء الأحداث
|