ولما كانت تلك هي آمالنا التي نسعى لتحقيقها .. وقفنا وقفة فاحص متأمل .. فإذا السبل بيننا وبين ما نصبوا إليه ملأى بالعقبات والعراقيل .. ملأى بالصعاب والتحديات .. فلم نقف مكتوفي الأيدي .. لعانين للظلام .. وإنما أحببنا أن نشعل شموع الحق .. ومصابيح الهدى .. نظرنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لنقتفي أثره .. ونتبع خطاه .. ونحذو حذوه .. لنرى كيف أضاء الدنيا بنور الإسلام .. استعرضنا خياراته صلى الله عليه وسلم النبوية في معالجة أدواء قومه .. ووسائله في نشر رسالته وتبليغ دعوته.. وآلياته في مجابهة التحديات .. فوجدنا العديد من الوسائل .. ووقفنا على الكثير من الخيارات .. ولمسنا تنوع وتباين الآليات .. فسلكنا الطريق .. واقتفينا الأثر.
·وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يختزل الدين بكل وسائله وأدواته في وسيلة واحدة .. يجمد بها الإسلام ذاته إذا ما جمدها الواقع تحت وطأته ومعطياته .. وإنما كان الإسلام ديناً واقعياً يتسم بالثبات والمرونة ليوائم ويواكب مستجدات الزمان والمكان .. يعتبر الواقع فلا يهمله .. لأنه دين يعيش واقعاً حياً يحمل بين جنباته المثالية في أروع صورها .. والواقعية في أوضح معانيها .. لذلك فلم يكتف الإسلام بوضع الغايات النبيلة وإبراز المقاصد السامية لرسالته فحسب وإنما أحاطها بالعديد من المبادئ والقيم التي تمتثل واقعاً حياً معاشاً .. وشرع لبلوغها العديد من الوسائل والآليات .. والسبل والخيارات .. وذلك بما يتلاءم مع كافة الأحوال .. وبما يراعي جميع المستجدات .. وبما يجعل أبناءه والمترسمين لهديه أكثر فاعلية في تحقيق الأهداف والغايات.
·جاء الإسلام واقعياً .. يختط لأبنائه سبلاً عديدة .. وخيارات مشروعة تراعى في مجموعها تبدل الأحوال من حال القوة إلى حال الضعف ومن حال العزة إلى حال الذل. ومن حال التقدم والنهوض إلى حال التقهقر والتخلف والاضمحلال .. تراعى حال البداوة وحال المدنية والحضارة .. قدم العديد من الخيارات الشرعية .. وصاغ الكثير من السياسات النبوية المؤيدة بالوحي .. والتي منها:
-التعايش .. وهو الخيار الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه المهاجرين إلى الحبشة.
-الاعتزال والحياد .. استجابة لحديث النبي: (تكون فتنة القاعد فيها أفضل من القائم .. والقائم أفضل من الماشي .. والماشي أفضل من الساعي .. فإن كان ذلك فكن فيها عبد الله المقتول ولا تكن القاتل).
-الدعوة إلى الله .. استجابة لقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) .. وقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .. والدعوة إلى الله هي الخيار الوحيد الذي لزمه النبي صلى الله عليه وسلمطيلة حياته وفي كل مراحله وأحواله .. بل كانت كل الوسائل والخيارات الأخرى خادمة لهذا الخيار .. تابعة له .. ولا غرو في ذلك فالدعوة إلى الله هي عروس الخيارات .. وسيدة الوسائل والآليات.